محنة الموقف : غالوي مرتيّن !
عارف معروف.
في ظروف تتشابك فيها المصالح والغايات وتلتبس الممارسات ، غالبا ما يجد المرء ، او بالاحرى المثقف الملتزم بقضايا شعبه وتطلعاته المشروعة الى مستقبل افضل من جهة ، والمؤمن بالقيم الديمقراطية والمثل الانسانية على العموم من جهة اخرى ، نفسه في موقف ٍصعب بل محنة في واقع الحال . و قد ابتلي اليساريون والوطنيون بهذه المحنة في الاغلب الاعم ، بل واستطيع الزعم انها كانت بلواهم وحدهم !
في الثمانينات كان الكيل قد طفح بي و لم اعد ، مثلي مثل الكثيرين ، غيري ، ممن عانوا او شهدوا او عايشوا سنوات الجحيم وفنون ” التعذيب الوطني ” وكل اشكال الاستهتار بقيمة وكرامة الانسان بل وحياته ووجوده ،استسيغ اية مبررات او دعاوى تقول بالتهاون في ذلك امام عظم قضايا مواجهة الامبريالية او من اجل الحفاظ على الاستقلال الوطني او غير ذلك ، فما فائدة الوطن اذا كان سجنا وما قيمة المواطنة اذا كانت عبودية ؟!
في تلك الايام ، فَقَدتْ الكثير من الحماسات بريقها الاول ولم تعد اضدادها تستدعي كل ماعرفناه من ريِبٍ وشكوك حولها ، فالحرية امست مطلبا بل وحلما حتى ولو كانت ” ليبرالية ” والدستورية باتت ضرورة ملحة وان اعادت اشكالا من السلوك والادارة السياسية كنا نظن ان الزمن عفى عليها ، اما ” حقوق الانسان ” فلم تعد ، بالنسبة لنا ، انا ومن يشبهني ، آنذاك ، لافتة تآمرية يتقدم تحت جنحها الف شيطان …. اما ” الآلهة القدامى ” ، معسكرات ودولا وعقائد ، فبتنا نواجههم لا بهزة كتفٍ رافضة اونظرة ازدراء فحسب بل وسيلٍ من الشتائم والشكوك !
في اواخر التسعينات كان اسفاف نظام الجريمة في امتهان الناس قد بلغ الحضيض ، فوسمت الجباه وقطعت الاذان والالسن ، في الاماكن العامة لمجرد التفوه بكلمة تنال من الريسّ او عائلته ، بغية ايقاع الرعب في قلوب لم تعد تكترث كثيرا واجساد هدّها الاعياء والجوع ،لكن ناشطين يساريين ومثقفين اممين ، كانوا ما يزالون يبذلون وسعهم في الحيلولة دون كارثة الحرب المقبلة على العراق ولا يجدون مفرا ، كجزء من سعيهم ذاك ، من اعلان الدعم لنظام الطغيان لانه في مواجهة مع الامبريالية الامريكية …. كيف كان اثر ذلك علينا ، نحن الذين نعيش وسط الجحيم ونتحرق شوقا للخلاص ، مع عجز مؤكد عن الفعل الثوري المؤثر ؟
كنا ننظر الى هؤلاء على انهم اما ان يكونوا سطحيين واغبياء لا تعنيهم بشيء معاناة العراقيين ولا يسمعون انينهم بسبب من كبس القوالب الفكرية والكلايش النظرية على ادمغتهم او انهم مرتشون بالفعل يأكلون على موائد النظام مثل مرتزقة الاعلام والسياسة العرب الذين عرفناهم من قوميين ويساريين واسلاميين ويحاولون ستر ذلك كله بدعاوى الدعم في مواجهة العدوان الامبريالي …. وفي تلك الايام … عند نهاية التسعينات ، لم يعد ناشطٌ سياسي مثل جورج غالاوي ، بالنسبة لي ، مختلفا عن اي من اولئك !
( للحديث صلة ….)
2021-03-13