قراصنة شبكات الظلام!
مهدى مصطفى
كأن كوكب الأرض أراد الانقلاب على نفسه، فكلما تقدم خطوة فى العلم، عاد أميالا فى القسوة والموت المجانى، انظروا إلى المسيرات السرية، والذكاء الاصطناعى، والعبث بإعدادات الأمان فى مسألة تغيير المناخ، والتفجيرات تحت الأرض، وصناعة البراكين والزلازل، والاحترار، وتجفيف المطر فى مكان، وإسقاطه فى مكان آخر.
أما قراصنة المعلومات، فوصلوا إلى ذروة المأساة، كأنه صار ممنوعا على البشر أن يتقدموا خطوة، كان من المفترض أن تكون الثورة الصناعية الرابعة: ثورة الاتصالات والإنترنت والذكاء الاصطناعى، طريقا للتقدم، فإذا بها تصبح فى قبضة القراصنة.
قراصنة البحار فى الأزمنة الماضية كانوا ينصبون الكمائن على سطح البحار والمحيطات، وقد استلهموا أعمالهم القاسية من قطاع الطرق القدامى، وبقيت فكرة القرصنة فى الخيال مربوطة بقراصنة العصور الوسطى، ولا تزال تتفاعل بين الحين والآخر، وقد تحولت إلى مفهوم سياسى من خلال محاولة السيطرة على الممرات والمضائق البحرية.
فى السنوات الأخيرة صارت القرصنة جزءا من السياسة الدولية، وتجرى من أجلها المفاوضات، وأصبحت الدول التى تريد أن تكون لها ممرات بحرية وبرية وخطوط سكك حديدية تفكر ألف مرة فى مسألة القرصنة.
أما الأخطر فهم قراصنة «الدارك ويب»، أو قراصنة شبكات الظلام، ففى بريطانيا، على سبيل المثال، هاجم قراصنة مواقع محمية، وقاموا بتسريب آلاف الوثائق السرية، وعرضوها على شبكة الإنترنت مقابل أموال طائلة، شملت التسريبات بيانات سرية لموظفى وزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، والوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة، ودائرة الادعاء الملكية، وهؤلاء جميعا أصبحوا تحت التهديد الأمنى.
تقول بريطانيا إن هذا هو التهديد الثالث خلال أسبوع، وكان القراصنة أنفسهم قد سربوا 600 ألف وثيقة محمية من وزارة العدل، ومن قبل سربوا 80 ألف وثيقة من وزارة الخارجية، ولا شك أن بريطانيا تصنف من الدول المتقدمة فى مجال الأمن السيبرانى، ومع ذلك استطاعت مجموعات القراصنة أن تصل إلى خطوطها الحمراء.
كأن العالم صار فى قبضة المجانين والمغامرين، ويمكن أن يعبثوا بإعدادات المؤسسات العالمية فتنهار، أو بالأسلحة، فتصبح فاسدة، أو بتغيير المناخ، فيتحول سلاحا.. لا شك أن ميراث القراصنة القدامى لا يزال فى القلوب والعقول التى أنتجت القراصنة الحاليين.
إنها معركة على السطح وتحت السطح، والأخيرة أخطر دائما من الظاهرة فوق المياه.
فالرصاصة لم تعد فى البندقية وحدها، صارت فى الكيبورد، وعالم شبكات الظلام، وبعض الذين يشكون فى كل شىء يصل شكهم إلى لحظات مريعة، فإذا كان استخدام البيئة فى الحروب يبدو للبعض ضربا من الخيال، فإن التاريخ يسجل غير ذلك.
فى الفترة من 1967 إلى 1972 نفذت الولايات المتحدة، خلال حرب فيتنام، عملية عسكرية سرية عرفت باسم «عملية بوباى»، قامت على تلقيح السحب لإطالة موسم الأمطار فوق أجزاء من فيتنام ولاوس وكمبوديا، بهدف إغراق الطرق، وإعاقة حركة القوات والإمدادات الفيتنامية، وقد نال طريق الزعيم «هو تشى منه» النصيب الأكبر من الأمطار الأمريكية المصنوعة.
لم يكن مستغربا، بعد انكشاف هذه العملية، أن تعتمد الأمم المتحدة عام 1977 اتفاقية حظر الاستخدام العسكرى أو العدائى لتقنيات التغيير فى البيئة، إدراكا منها لخطورة تحويل الطبيعة إلى سلاح.
ومع ذلك يبقى السؤال مفتوحا، إلى أى مدى توقفت هذه الأبحاث فعلا، وهل توقفت عند حدود ما كشف عنه التاريخ، أم أن ما خفى كان أعظم؟ وبعض الذين يشكون فى كل شىء يصل شكهم إلى لحظات قاتلة، ويرون أن الزلازل التى تتوالى فى باطن الأرض، وإن كانت ظاهرة طبيعية فى أصلها، قد لا تكون جميعها بمنأى عن التدخل البشرى فى ظروف معينة.
أما تنبؤات العرافين المتكاثرين على الشاشات، فلا يمكن أن يكونوا أبرياء، ومثلهم مثل بعض المحللين الإعلاميين الذين صاروا كالفطر، يمهدون الأجواء لأحداث مريعة من تخطيط القراصنة السريين، ويعلمون بها، وينشرونها، وكأنها من بنات أفكارهم وحدسهم وتنبؤاتهم.
ظاهرة «العرافين والمتنبئين الإعلاميين» لا تقل خطرا عن قراصنة شبكات الظلام، وقراصنة البحار التقليديين، فهم لا يكتفون بحمل الرسائل الملغومة، إنما يحملون معها رايات التحريض على الحروب لصالح قراصنة الظلام.
2026-08-06