في مسألة “اشتراكية السوق” الصينية!
(بقلم: د. عبد الصمد بلكبير)
#ملتقى_النظر
(تنبيه: هذا النص اقتباس من نقاش بين د. عبد الصمد بلكبير ود. محمد خليل أول طبيب مغربي يحصل على دكتوراه الطب من الصين وصاحب كتاب “هكذا عرفت الصين”.. ونظرا لأهمية تدخلات د. بلكبير فقد ارتأينا نشرها على صفحة “ملتقى النظر”)
****
سر النهوض الصيني، يكمن في الخيار الاشتراكي بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، والباقي مكملات.. أقصد بالمكملات، الاستثمارالإيجابي للتراث الأخلاقي الكونفشيوسي، وذلك خاصة خلال الثورة الثقافية العظمى، التي أهلت المواطنين الصينيين تربويا وعقليا وسلوكيا،
ووحدت إرادتهم لخدمة وطنهم، من خلال الثقة في الدولة والحزب، والتفاني في تنزيل الاشتراكية صناعة وفلاحة وتجارة وإدارة وعلما وتقنيات.
أما مسألة السوق، والليبرالية، فهي من صلب اشتراكية الشروط الاعتيادية، كما تصورها المؤسسون العظام، وماركس بالذات، وذلك طبقا لأطروحة (التجاوز) الهيجلية، وهي نقيض (القطيعة) العدمية في (الوعي) البورجوازي (الصغير غالبا) البئيس.. التجاوز يعني: الاحتواء، الفرز ثم طرح ما لم يعد صالحا،أو قابلا، للاستمرار.
****
والسوق، يعتبر من هذا القبيل، وهو بالمناسبة، وجد قبل الليبرالية، وقبل الرأسمالية، كما أن الليبرالية لا تعني الرأسمالية، والعكس، فهما غير متطابقين، بل فقط
متقاطعين، خاصة مع رأسمالية المنافسة.. أما رأسمالية المضاربة والاحتكار والاستعمار والغش والعنف والاستهلاكية والتهتك والتوحش… فلا تناسبها قيم وأخلاق
الليبرالية، بل العكس؟
إن ما قر في الأذهان، خطأ، أو قصدا بالأحرى، من مطابقة بين: الاشتراكية والتجربة السوفياتية؛ هو خطأ جسيم. إن ما اضطر إليه الرئيس الوطني العظيم (ستالين) من تدابير
وإجراءات، هو من قبيل ما يسمى في التاريخ العالمي (اشتراكية الحرب)، وهي حالة اضطرار، لا اختيار، ومن
نماذجها(ناجحة وفاشلة): اسبرطة/ قلعة مسعودة اليهودية 70 م/ مدينة الرسول المنورة قبل الفتح/ وكثير غير تلك الأمثلة، خصوصا خلال الحصارات الحربية، كما هو حال غ-ز-ة العزة اليوم، كذلك كان وضع الاتحاد س، وعموم أوربا الشرقية، منذ التأسيس، سواء بحروب ساخنة، أو باردة (استخبارية)، تقودها السيئة، حتى الآن في العالمين. وهذا هو ما يفسر أن ماو الذي قاد الثورة 2 (الثقافية) هو نفسه، وليس دنغ، من مهد لاشتراكية السوق، وذلك بانفتاحه، تجاريا، على الولايات م أ، واستقباله الأشهر لنكسون.
أما حجية “القط” (تعليقا على الاحتجاج بقول دنغ شياو بنغ: “ليس مهما أن يكون القط أبيض أو أسود، المهم أن يصطاد الفأر”) فهي ذات بعد إنشائي خطابي (بلاغي) لا أدلوجي، أي أنه ليس نفعيا (براغماتيا) إلا كمنطق حجاج، لا عقيدة، ولا بالأحرى انتهازية فكرية.. ذلك لأنه كان يخاطب عقولا أضحت، بفعل الزمن والدوغما، مكلسة، ولا تتصور السوق، إلا رأسمالية، مع أنها وجدت قبل وجود الرأسمالية نفسها؟ وإلا فهو وحزبه، بالأمس واليوم، اشتراكي، عقيدة ومنهجا وسلوكا، وهو ما يفسر، كما قلت، نجاحاتهم الجبارة،
هذا مع أنني، لا أنازع حق بعض الماركسيين، في أن تكون ماركسيتهم براغماتية (أو موضوعية) كما يصفها ويدعو ويدافع عليها، حجاجا سياسيا الأستاذ المفكر والمناضل عبد الله العروي.
وبالمناسبة، فإن الأنظمة الرأسمالية، اليوم، والاجتماعية منها بالأخص، وهي (الناجحة) ما تزال، استمرت، بسبب كونها اقتبست الكثير من قيم وتدابير الاشتراكية، ومن ذلك خاصة (التخطيط) وتدخل إدارة الدولة.
بقيت لي ملاحظة: إن الأولى في شرح، أو الدفاع عن (أطروحة) ما، هم أصحابها، لا المطلعون عليها، وأحرى المؤولون لها، مع احتفاظهم بحقهم في ذلك.. إذ ليس ما تقدم عليه الصين الاشتراكية، من قبيل الأخذ بمبدأ (المصالح المرسلة) وهو روماني، بل وانساني، بالمناسبة..
****
مئة مليون عضو في الحزب الشيوعي الصيني جميعهم يعتبرون ماو، زعيمهم وملهمهم، وصورته ما تزال تتصدر المشهد الصيني، على جميع المستويات، وذلك ليس عبثا..
من مصلحة الصين اليوم، أن يتم ترويج ذلك الخطاب عنها (المقصود: خطاب ازدراء ماو تسي تونغ والثورة الثقافية)، لمصلحة تكتيكية، مرحلية، هي تتلبس حاليا لبوس تاجر لا تهمه ايديولوجية ما ولا مبادىء (عدا مسألة تايوان). ولكن الآتي، المنتظر، أمر آخر تماما لا بتوقيتها، بل بتوقيت العدو الرأسمالي الامبريالي نفسه غالبا. إن مواطن (الثورة الثقافية) هو من أهل الصين لصناعة ما تصنعه لها وللإنسانية جمعاء.
2025-08-09