*غزَّةُ تَموتُ جوعًا ولا تَستسلِم*
ميخائيل عوض
١
حربُ تَدميرٍ وإبادةٍ غزَّةَ الجاريةُ تحتَ الأضواءِ وفي الـ٢٠٢٥، برغمِ ما بلغَتْهُ الإنسانيَّةُ من تَقدُّمٍ مَزعومٍ في قِيَمِها الإنسانيَّةِ والحضاريَّةِ، ناهيكَ عن الثوراتِ التقنيَّةِ وإنجازاتِها الإبداعيَّةِ.
تُقاتلُ بصبرٍ جاوَزَ كثيرًا صبرَ أيُّوب، وتُبلي في عمليَّاتِها العسكريَّةِ أكثرَ بكثيرٍ، وتُقدِّمُ دروسًا مُؤسِّسَةً ما يَفوقُ ما حقَّقَتْهُ البشريَّةُ في قُرونِها المختلفةِ، وما زالَتْ صابرةً مُثابرةً، لم تُفكِّرْ بالاستسلامِ.
٢
أسقَطَتْ كلَّ الاستراتيجيَّاتِ التي خَطَّط لها المعتدون، وكلَّ ما نصحتْ به من القوى والدولِ القريبةِ والبعيدةِ، ولم تُهادِنْ أو تُساوِمْ.
أكثرُ من عشرةِ بالمئةِ من ناسِها شُهداءُ أو جرحى أو مفقودون، وأكثرُ من ٨٠٪ من عمرانِها أصبحَ رَدمًا وغُبارًا، حتى الخِيَمُ وجموعُ الجوعى والعِطاشى يُستهدَفون بطائراتِ “إف ٣٥” وقَنابلِ الأعماقِ زِنة ١٤ طنًّا.
وأخيرًا، أسقَطَتْ خطَّةَ “عَرَباتِ جِدعون” بحجارةِ الأطفالِ، “حجارةِ داوود”، ولا يَمرُّ يومٌ بلا حَدَثٍ أمنيٍّ صَعبٍ، بحسبِ تعبيرِ الغُزاةِ.
وسبق أن هَزَمتْ خُطَطَ الترحيلِ بحرًا وبرًّا، ورفضَتِ التخلِّي عن السلاحِ. وبحسبِ التقاريرِ، زادَ عددُ المقاتلين ثلاثةَ أضعافِ ما كانوا يومَ الفعلِ العجائبيِّ في الطوفانِ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.
٣
ما تُحقِّقُهُ غزَّةُ في الميدانِ حُجَّةٌ وإدانةٌ للذين تَخلَّوا أو يُفكِّرون بالتخلِّي عن خيارِ المقاومةِ، وإدانةٌ صادمةٌ للدولِ والنُّظُمِ التي كانت تَملِكُ السلاحَ والرجالَ وفَرَّطَتْ بهم، وبقدراتِها وأفعالِها العبقريَّةِ تُدينُ الدولَ والجيوشَ التي تسلَّحَتْ حتى الأسنانِ، وتَرتَهِبُ وتَدفعُ الجزيةَ طائعةً، بل وتَعرِّي الجيوشَ التي تزيدُ من سلاحِها وتَدَعُهُ في المخازنِ.
وتقولُ: “من لا رجالَ لديه، فليُطعِ غزَّةَ السلاحَ”. وإذا كنتم عاجزين عن ريِّ ظمأ الأطفالِ وسَدِّ جوعِهم، ولو ببعضِ بقايا موائدِكم، فهاتوا السلاحَ لغزَّةَ، فهي قادرةٌ على تحقيقِ المستحيلِ، تُحرِّرُ نفسَها، وتُطلِقُ مَسارَ تحريرِ فلسطين، وتُحرِّرُكم مع الأُممِ المظلومةِ التي لا تُجيدُ المقاومةَ.
٤
أسقَطَتْ غزَّةُ قِيَمَ العالمِ القديمِ، وكَشَفَتْ أكاذيبَهُ، وعَرَّتْ نُظُمَهُ، وأَزْمَتْ مشروعَ تهويدِ فلسطين، وتَجعَلُ مشروعَ نتنياهو لشرقٍ أوسطَ إسرائيليٍّ مجرَّدَ وهمٍ وحُلمِ ليلةِ صيفٍ.
غزَّةُ، يا عربُ ويا دُعاةَ الإسلامِ والجِهادِ، لا تَطلبُ منكم إلا الخُبزَ الحافَ والماءَ النظيفَ، فأين أنتم؟! شُعوبٌ ونُظُمٌ وقبائلُ وعشائرُ، ولماذا تُبدِّدون زمنَكم وقدراتِكم، تَلهثون خلفَ السرابِ، وتَقتتِلون للانشغالِ عن مُستلزماتِ والتزاماتِ أديانِكم، والكُتُبِ السماويَّةِ التي طالما تَذرَّعتُم بها لتَقتُلوا أهلَكم وإخوتَكم في الدِّينِ، وقد حرَّمَ اللهُ قتلَ النفسِ البريئةِ.
وأنتم تَحتَرِبون وتَهرُبون من واجباتِكم إزاءَ أهلِ غزَّةَ، شُركاءَ في تمويتِها جوعًا وعطشًا.
غزَّةُ، بصمودِها وقتالِها الأسطوريِّ، تَقتربُ – برغمِ العطشِ وحربِ الإبادةِ بالتجويعِ – من تحقيقِ انتصارِها الذي سيكونُ أَثمنَ من عجائبيَّةِ الطوفانِ، فغزَّةُ كانتْ وتَبقى وستكونُ بوَّابةَ الشرقِ، حيثُ تَبزُغُ الشمسُ.
فإلى متى أنتم قاعِدونَ عن إسنادِها بما شَحَّ من إمكانياتٍ وافرةٍ عندَكم جميعًا، وتَدفَعونها جزيةً لِجلَّاديكم؟!
وغدًا، غزَّةُ سَتُحاسِبُكم جميعًا، ونتائجُ قِتالِها الأسطوريِّ سَتُحيلُكم – نُظُمًا وجماعاتٍ وعقائدَ ومَزاعِمَ – إلى المَزابلِ، ولن تَجِدوا من يَحميكم أو يُوفيكم خيانتَها والتآمُرَ عليها.
إنَّها حقائقُ التاريخِ ودُروسُهُ، وغزَّةُ سَبَّاقةٌ في اشتقاقِها بطابعٍ عصريٍّ يُواكِبُ زمنَها وما بلغَتْهُ الإنسانيَّةُ.
٢٣/٧/٢٠٢٥