عصبة مكافحة الصهيونية
ونقض الرواية “الإسرائيلية”
عبد الحسين شعبان[1]
ملخص تنفيذي
عصبة مكافحة الصهيونية
وأيديولوجيا التضليل “الإسرائيلي”
“نحن نعتقد، إخلاصاً، بأن الصهيونية خطر على اليهود مثلما هي خطر على العرب وعلى وحدتهم القومية، ونحن إذ نتصدّى لمكافحتها علانية وعلى رؤوس الأشهاد، إنما نعمل ذلك لأننا يهود ولأننا عرب بنفس الوقت”. تلك كانت الرسالة الموجهة من لفيف من الشباب اليهودي إلى وزير الداخلية في العراق بتاريخ 12 أيلول/ سبتمبر 1945 ، وذلك مع نسخة من النظام الأساسي ﻠ “عصبة مكافحة الصهيونية“.
وهذه الرسالة ومحتوى النظام الأساسي، إضافة إلى الأنشطة التي قامت بها العصبة بما فيها جريدة العصبة بعد الترخيص لها قانونياً من جانب وزير الداخلية سعد صالح (جريو)، الشخصية الوطنية العراقية في 16 آذار /مارس 1946 ، كافية بالرد على المزاعم الصهيونية التي تدّعي تمثيل جميع يهود العالم والنطق باسمهم.
ولعلّ هذا المثل الذي نقدّمه يمثّل نقضاً للرواية الصهيونية وتفنيداً لمسوّغاتها القانونية والسياسية ومبرّراتها الفكرية ومزاعمها الدينية، فالعصبة التي تأسست بُعيد الحرب العالمية الثانية تعكس رؤية مغايرة وضدّية للرؤية الإيديولوجية الصهيونية، وتنويراً مبكّراً للجماهير اليهودية بمخاطر الصهيونية التي تعتبرها “تهديداً لوجودهم”، ورفضاً للهجرة اليهودية باعتبار أن “قضية فلسطين هي قضية البلاد العربية بأسرها، فلا يمكن إذاً إلاّ أن نقف بجانب عرب فلسطين… من أجل قيام دولة ديمقراطية عربية مستقلة استقلالاً تاماً تضمن فيها حقوق المواطنين كافة…”. كما ورد في رسالة العصبة لطلب التأسيس.
واعتبرت المادة الثانية من منهاج العصبة ” مكافحة الصهيونية وفضح أعمالها ونواياها بين جماهير الشعب العراقي، لاسيّما اليهود”.
الهدف من البحث هو إجلاء حقيقة الدور التضليلي الديماغوجي للحركة الصهيونية، ليس بحق العرب فحسب، بل بحق اليهود أنفسهم، وهو ما تكشف عنه وثائق العصبة ذاتها.
حسبي أن أذكر بيانها المؤرّخ في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 1945 ، الذي جاء فيه “إن الصهيونية لا تحلّ بالمرة مشكلة ستّة عشر مليوناً من اليهود، بل إن المشكلة اليهودية ليست سوى جزء لا يتجزأ من نضال الشعوب كافّة، على اختلاف أديانها في سبيل حريتها وديمقراطيتها”، الأمر الذي حاولت الدعاية الصهيونية طمسه، سواء لدفع اليهود إلى الهجرة من العراق بوضع متفجّرات في الأحياء السكنية وأماكن العبادة لخلق حالة من الرعب والهلع والخوف، وهو ما كشفته لاحقاً وثائق داخل “إسرائيل” ذاتها. أو بممارسة ضغوط لإصدار قانون إسقاط الجنسية عن اليهود في العام 1950.
يتألّف البحث من شقين أساسيين؛ أولهما – يبحث في تفاصيل تأسيس عصبة مكافحة الصهيونية وحيثياتها، وثانيها – يتناول مسألة نقض الرواية الإسرائيلية، التي تزعم تمثيلها ليهود العالم بمن فيهم يهود العالم العربي، ويسلّط البحث الضوء على ما تعرّض له اليهود المعادون للصهيونية من حرب مزدوجة ومركّبة، الأولى – من الحركة الصهيونية، بزعم إثارة يهود العالم ضدّها والتشكيك بنواياها وأهدافها؛ والثانية – من الحكومات الرجعية، حيث تعرّضوا لحملة قمعية شرسة واتهموا بأنهم طابور خامس ومتواطئون مع الصهيونية عدوّتهم الأساسية بشكل مباشر أو غير مباشر.
يفنّد البحث كون الصراع ديني وأن اليهود مهدّدون بالإبادة من جانب المسلمين، وهو ما يكشفه خطاب العصبة ذاتها كخطاب جامع وموحد ووطني عراقي. وهو صراع حول الحقوق والأرض وليس حول قيم السماء.
ويختتم البحث بالتأكيد على أهمية الجهد الدبلوماسي الدولي والثقافي في نقض الرواية الإسرائيلية ويتناول الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع المدني العربي ومنظماته المختلفة كقوة ناعمة لا بدّ من إستثمارها، إضافة إلى الجوانب الإقتصادية والتجارية والفنية والرياضية وغيرها.
الكلمات المفتاحية: الصهيونية، فلسطين، “إسرائيل”، الرواية “الإسرائيلية”، الشباب اليهودي.
Summary
Anti – Zionist League
And the “Israeli” Narrative Refutation
By Dr. H Shaban
“We deeply believe that Zionism is an imminent danger on the national unity of the Jewish and the Arab people as well, and we publicly defy it for we are both Arabs and Jewish at the same time”.
This was the letter sent by a group of young Jewish people to the Iraqi minster of internal affairs on September 12, 1945 with the primary law of the Anti – Zionist League.
The letter with the primary law and the activities they held including the League’s newspaper, which was licensed on March 16, 1946 by Mr. Saad Salih (Greyo) the minster of the interior affairs who was considered a patriot, was a firm response to the allegations the Zionists claim, that they represented all the Jewish people around the world and spoke on their behalf.
This example that we presented may reverse the Zionist version of this story and refute their legal and political justifications, intellectual explanations and religious claims. The League, which was established after World War II, reflected an opposite vision against the Zionist ideology which they considered as an “existential threat” on Jewish masses, and they also refused the Jewish immigration because they considered “the Palestinian Cause is an issue that concerns all the Arab Countries so we can’t but stand next to the Arabs of Palestine… to establish a democratic and independent Arabic country that guaranties all the right of its people…” as mentioned in the League’s letter requesting the establishment.
Never the less, the second article of the League’s curriculum deemed that “defying Zionism and exposing their actions and intentions among Iraqi people, particularly Jewish”.
The aim of this research is to show the truth regarding the misleading and demagogue role of Zionism against not only Arabs, but also against Jew’s themselves, which is also revealed in the League’s documents.
I also would like to mention the League’s statement on the 17th of October 1945, which included that “Zionism doesn’t solve the problem of sixteen million Jewish persons, on the contrary, the Jewish issue is a part of the people’s common struggle, regardless of their religious differentiations, to claim their freedom and democracy”, which the Zionist media tried to suppress in order to push the Jewish people to immigrate from Iraq, either by bombing the neighborhoods and worship houses terrorizing them, this was revealed in documents inside “Israel”, or to exert pressure to issue a law to deprive the Iraqi Jewish people from their nationality in the year 1950.
This research consists of two parts. First – it seeks the details of establishing the League. Second – it aims to refute the “Israeli” story, which alleged that they represented all the Jewish people in the world including the Jewish people in the Arab world.
The research also discusses the Doubled War that the Jewish people, who opposed Zionism, have faced:
First – against Zionism, to raise the Jewish against it and to question its intentions and claims.
Second – against the backward government, where they faced an aggressive and oppressive campaign and were accused of being spies to Zionism, their first enemy.
This research refutes the idea of seeing this struggle as religious and that the Jewish people are under the threat of genocide that could be committed by Muslims. This claim was revealed in the Leagues speech that was considered as a collective and uniting Iraqi speech which shows the struggle is not about religious values, but to attain the rights and the land.
The research concludes by stressing the importance of the international diplomatic and cultural efforts to refute the “Israeli” story and highlights the essential role of the Arabic civil society and its diverse organizations as a soft power which should be well invested in, in addition to the economic, commercial, artistic and athletic aspects and others.
Keywords: Zionism, Palestine, “Israel”, “Israeli story”, the Jewish youth.
“هذه هي الصهيونية سافرة عارية، ولكن الصهيونية ككل حركة استعمارية رجعية تشعر
ببشاعة شكلها وقبح معالمها فتقنّع نفسها بأقنعة جذّابة وأثواب جميلة فضفاضة تخفي وراءها
بشاعتها وقبحها. ولذلك فنحن بوصفنا يهودًا وطنيين واعين نتقدم بطلبنا هذا لغاية السماح لنا
بتمزيق القناع عن وجه الصهيونية الحقيقي أمام الجماهير اليهودية وغير اليهودية.“
من رسالة الهيئة المؤسسة لعصبة مكافحة الصهيونية
بغداد 13/ 9/ 1945
بمثابة استهلال وحيثيات
حين طلب مني الصديق د. وليد سالم المشاركة في مؤتمر “نقض الرواية الصهيونية” الذي سينعقد في جامعة الدول العربية، أول ما خطر ببالي وأنا أختار “موضوع عصبة مكافحة الصهيونية“، التي تأسست في العراق العام 1945، الصديق د. عباس شبلاق الذي سلّط الضوء الكاشف على المزاعم الصهيونية بشأن هجرة يهود العراق “القسرية” إلى “إسرائيل”[2] ، ثمّ استعدت كتاب الصديق د. عبد اللطيف الراوي الموسوم “عصبة مكافحة الصهيونية في العراق” والصادر عن دار وهران في مطلع الثمانينيات والذي تناول فيه دور اليهود اليساريين العراقيين في الكفاح ضدّ الصهيونية وفي إدانة ارتباطها بالإمبريالية. [3]
ولكن الموضوع لا يكتمل إلّا بشحذ الذاكرة ونحن نتناول الرواية “الإسرائيلية” والصهيونية فما بالك حين يكون على لسان يهود ضدّ الصهيونية، وهنا توقّفت عند علاقتي بعادل مير مصري[4] وشقيقته عميدة مير مصري[5]. ولعلّ ذلك يمكن أن يشكّل مدخلاً لحديثي عن عصبة مكافحة الصهيونية، وما كابده اليهود المعادون للصهيونية.
وفي كلمة الرفيق الياس نصر الله في تأبين يعقوب قوجمان في العام 2015، استعاد دوره في مكافحة الصهيونية، ليس في العراق حسب، الذي هرب منه خشية اعتقاله بعد سجن العشرات من رفاقه، بل في داخل إسرائيل أيضاً، وعمل هناك لجمع شمل الشيوعيين العراقيين اليهود لتوجيههم ضدّ الصهيونية، ووقف ضدّ قيادة صموئيل ميكونس (سكرتير عام الحزب الشيوعي الإسرائيلي سابقاً) وزميله موشيه سنيه القياديان المتواطئان مع الصهيونية. ويصف الياس نصر الله رفيقه قوجمان بأنه: “الشخصية العربية العراقية الأصيلة” وهو ما عرفناه عنه في لندن، حيث تعرّفنا عليه وكان منزله ومكتبه مفتوحين للعراقيين. وقد حدّثني عن أنواع التمييز ضدّ الفلسطينيين في “إسرائيل”، إضافة إلى التمييز الطائفي ضدّ اليهود الشرقيين ومن ضمنهم يهود العراق.
يقول الياس نصر الله إن يعقوب قوجمان بادر إلى طباعة كتاب “بأم عيني” الذي ألّفته المحامية الشيوعية اليهودية فيليسيا لانغر وهو أول شهادة حيّة على الجرائم التي ارتكبتها “إسرائيل” ضدّ الأسرى الفلسطينيين، كما طبع كتاباً لعبد الرزاق الصافي بعنوان “كفاحنا ضدّ الصهيونية”، وكتاباً لماجد عبد الرضا بعنوان “القضية الكردية في العراق”.[6]
وفي حديث مع الصديق يحيى يخلف في منتدى أصيلة في (المغرب 2018) استفسر منّي عن كتابي “مذكرات صهيوني” [7] الذي كان قدّم له في العام 1986 بعد أن نشرته على 5 حلقات في مجلة الهدف الفلسطينية العام 1985، وقلت له أنني أعدّه للطبعة الثانية الموسّعة وأشرت إلى شيء من قصته في ما كتبته بمناسبة رحيل جورج حبش[8] وهي قصّة تستحق التوقّف عندها لما فيها من إحاطة ودلالة على التواطؤ الصهيوني مع النازية، وذلك من خلال مذكّرات إيغون ريدليخ عضو المنظمة الصهيونية ماكابي هاكير الذي كان معتقلاً في معسكر تيريزين (تشيكيا) قبل أن يتم نقله إلى معسكر أوشفيتز (بولونيا) وكلاهما تحت إشراف الغوستابو النازي، حيث تم إعدامه، بعد أن قضى في المعتقل نحو أربع سنوات، ولعلّ ذلك وجه آخر للصهيونية، كانت العصبة قد حذّرت منه في وقت مبكّر، وكشفت بعض جوانبه.[9]
وكان ييرجي بوهاتكا (وهو اسم مستعار لأحد كبار ضباط المخابرات التشيكية العاملة في كشف النشاط الصهيوني) هو الذي عرّف القرّاء في مجلة تريبونا بالمذكرات[10]، خصوصاً عن العلاقة السرّية بين النازية والصهيونية، فالأخيرة لا تتورّع عن استخدام جميع الوسائل لتحقيق أهدافها، ولم تترك في تاريخها وسيلة إلّا واتّبعتها لتأكيد روايتها للأحداث التاريخية، وخصوصاً الزعم بكون فلسطين وطن اليهود، وسواءً كانت تلك الأحداث بعيدة الغور في التاريخ أم قريبة وراهنة، فإن ذلك لا يمنعها من تقديم روايتها حتى وهي تدرك أنها ملفّقة، فتعيد وتصحّح فيها وتضيف إليها وتحذف منها كلّما اقتضى الأمر ذلك، بقصّ ولصق وإلغاء وإضافة، بما في ذلك استخدام وسائل التضليل الأيديولوجي والدعائي والحرب النفسية وجميع عناصر ما نطلق عليه “الحرب الناعمة”، للتأثير على الرأي العام في محاولة إقناعه بروايتها، خصوصاً حين تغيب الرواية الأخرى النقيضة.
تزعم الصهيونية أنها تمثّل يهود العالم وأنهم يقفون خلفها استرشاداً بالعقيدة الصهيونية، بمن فيهم يهود العالم العربي، في حين أن ما سنذهب إليه وعبر الوثائق يؤكد رؤية نقيضة للرواية “الإسرائيلية” وللمزاعم الصهيونية، بخصوص موقف نخبة متميّزة من يهود العراق التقدميين الذي خاضوا حرباً شعواء من أجل فضح المزاعم الصهيونية، بل وشنّوا كفاحاً فكرياً بين جماهير اليهود لدحض الرواية الصهيونية، فلم يكن يهود العراق وعلى العموم يهود العالم العربي في غالبيتهم يؤيدون الحركة الصهيونية، بل كان معظمهم يعتزّ بوطنيته وعروبته، وقد اقتُلعوا بأساليب ماكرة وخبيثة قامت بها الحركة الصهيونية بهدف هجرتهم إلى “إسرائيل” وساهمت بعض التوجهات القصيرة النظر والتي تعرّضت لهم لإجبارهم على الهجرة دون أن ننسى التواطؤ الصهيوني الرجعي الذي قاد إلى النتيجة العملية وهو تغذية المشروع الصهيوني بالعنصر البشري الذي كان شديد الحاجة إليه والذي يستمرّ بالبحث عنه كلّما عصفت به أزمة دولية، والأمر لا يتعلّق بفترة التأسيس حسب، بل شهدت ثمانينيات القرن الماضي وما بعدها صفقة اليهود الفلاشا في أثيوبيا والسودان والأخطر منها خطة هجرة اليهود السوفييت عشية إنهيار الاتحاد السوفيتي.
ووصف شامير هجرة اليهود السوفييت ﺑ “المعجزة اليهودية الثانية” وهو يعني بالمعجزة الأولى “قيام دولة إسرائيل“، لأنه يدرك الأهمية البالغة لعملية الهجرة التي تستهدف مواجهة القنبلة الديموغرافية الفلسطينية التي تهدّد بالإنفجار وتغيير التركيب السكاني لدولة “إسرائيل”. [11]
دور ريادي
تعرّض اليهود المعادون للصهيونية إلى حرب مزدوجة ومركّبة، الأولى من الحركة الصهيونية ذاتها التي ناصبتهم العداء، بل حاولت أن تُفشل خططهم في معاداة الصهيونية، بإثارة يهود ضدّهم والتشكيك بنواياهم وأهدافهم، ناهيك عن محاولة إثبات العكس، خصوصاً من خلال القيام بتفجير محال تجارية وبيوت وأماكن عبادة يهودية، لخلق حالة من الرعب والفزع والخوف في أواسط عموم اليهود، وبالتالي إظهار لا واقعية الحديث عن مهمات وطنية وعربية عامة، تلك التي كانت جماعة عصبة مكافحة الصهيونية تدعو لها، بالضدّ من الصهيونية ربيبة الإمبريالية.
ومن جهة ثانية تعرّض اليهود المعادون للصهيونية لحملة قمعية من جانب الحكومات الرجعية لاتهامهم بالتواطؤ المباشر وغير المباشر مع الصهيونية عدوّتهم الأساسية، بل افتعال قضايا وكيل اتهامات لدمغهم بالعداء للعرب باعتبارهم طابوراً خامساً، وحاولت تلك الحكومات قمع حركتهم الاحتجاجية وكبت أصواتهم، بل وعرّضتهم للاعتقال والسجن وحكمت على عشرات منهم بأحكام ثقيلة، بتهم الترويج للصهيونية، بهدف ذر الرماد في العيون ومحاولة تضليل الشارع واسترضائه، خصوصاً استدرار عواطفه المؤيدة لحقوق عرب فلسطين التي كان يتطلّع إلى تحريرها من ربقة الانتداب البريطاني ومحاولات الصهيونية الاستيلاء عليها.
وتعتبر عصبة مكافحة الصهيونية أحد النماذج المشرقة ذات البعد الأممي والتضامن الإنساني في فضح الرواية الصهيونية وفي الانتصار لعرب فلسطين، باعتبار أن قضية الحريّة والتحرّر لا تتجزّأ، وأن الصهيونية هي عدوة العرب واليهود في آن، وهي محاولة جريئة وشجاعة ورؤيوية، خصوصاً حين نستعيد بعض تفاصيلها لنرى كم كانت مبادرة رائدة ومقدامة؟ وكم كان القائمون عليها يمتلكون حسّاً وطنياً عالياً وإنسانية راقية ونظرة تقدمية؟
التاريخ وسبل المواجهة
الزمن يسير منتصب القامة حسب شكسبير، ولكن التاريخ ماكر حسب هيغل، بل ومراوغ أيضاً، ولهذا لم تكتفِ الحركة الصهيونية بالرواية التاريخية وتزوير الحقائق، بل امتدّت إلى التراث ورسم الخرائط وأعمال المسح الميدانية محاولة عبر الصورة والمعلومة والأسطورة والخرافة والكتابة تأكيد الوجود اليهودي وشرعيته في فلسطين، بغضّ النظر عن اختلاق وتلفيق بعض “الحقائق” التي حاولت تعميمها عبر وسائل متنوّعة وبلغات متعدّدة، الأمر الذي أصبح من الواجب عدم الاكتفاء بالثقة في النفس عربياً وفلسطينياً باعتبار فلسطين عربية في الوجدان والضمير والواقع والتاريخ، بل مواجهة آلة التضليل الإعلامي والأيديولوجي والتاريخي الصهيوني، بفضحها وتقديم الرواية الفلسطينية والعربية على نحو مقنع وعلمي وبمنهجيّة جديدة تأخذ بنظر الاعتبار وسائل الحرب النفسية وأساليب الدعاية وجميع عناصر الحرب الناعمة، فالحقيقة تخجل حتى الشيطان على حدّ تعبير شكسبير، وذلك بالتوجه إلى الرأي العام العالمي لإزاحة القناع عن الصهيونية وأعمالها العدوانية وسياستها العنصرية الشوفينية الاستيطانية الاجلائية.
لم يعد الاكتفاء بالردّ باللغة العربية ومخاطبة أنفسنا كما يقال لإقناعها بعروبة فلسطين، بل نحن نحتاج إلى جهد فلسطيني وعربي منظّم دبلوماسياً وقانونياً وتاريخياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وثقافياً وفنياً ورياضياً وفي جميع المجالات واللغات، وكان في مبادرات المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد وعدد من المثقفين والمؤرخين الفلسطينيين والعرب بمن فيهم عبد الوهاب المسيري دوراً في ذلك، فالحقائق مهما تكن دقيقة وصحيحة، لكنها تحتاج إلى ترويج وإقناع ووسائل للوصول إلى عقول الناس وقلوبهم، ليس للأصدقاء حسب، بل لمن يقفون على الحياد أو حتى من يؤيدون الطرف الآخر، أولاً لنقض ما يقال ودحضه بالوقائع الملموسة والحسيّة والمنطقية والمدعومة علمياً وإنسانياً، وثانياً لتأكيد صحة الرواية العربية والفلسطينية، أي استخدام ما يسمّى “بالضدّ النوعي” لتأكيد حقوق عرب فلسطين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
ومنذ ثيودور هرتزل الأب الروحي للحركة الصهيونية، فإن الرواية التي كان يتم الترويج لها تقدّم أشياءً وتؤخّر أخرى تقول ما تريد وتخفي ما تريد بما يخدم هدفها التضليلي. ويعتبر ذلك نهجاً للحركة الصهيونية سار عليه ورثته من بعده لمواصلة مشواره ، بل زادوا عليه أحياناً في تضخيم مزاعمه وترويج أكاذيبه ليس تاريخياً حسب، بل شمل كل ما هو قائم من تقدّم وتطلّع إلى الحداثة في فلسطين قبيل اغتصابها، بادعاء أنه من عمل المستوطنين الإسرائيليين، لدرجة أن الحركة الصهيونية تجهد نفسها حتى في سرقة التراث الفلسطيني وإنسابه إليها بما في ذلك “صحن الحمص” و”قرص الفلافل” و”الثوب الشعبي” وصولاً إلى “قبور الموتى” وهو ما تحاول الحفريات الإسرائيلية إثباته، وهكذا تريد مصادرة كلّ شيء.
لم تنشر الرواية الإسرائيلية صور 650 ألف فلسطيني عاشوا في الخيام وفي بيوت الصفيح ينتظرون الإعانة بعد تشريدهم من فلسطين العام 1948، وتزعم أن الفلسطينيين هاجروا من فلسطين بمحض إرادتهم وبناءً على نداءات الحكومات العربية كي يتم إخلاء المواقع للقتال ضدّ قيام دولة إسرائيل. ولم تنشر الرواية الإسرائيلية صور عدوانها على البلدان العربية مصر وسوريا والأردن العام 1967، وضم القدس وكامل فلسطين التاريخية إليها خلافاً لجميع قرارات الأمم المتحدة.[12] ولم تنشر صور اللّاجئين الجدد الذين انضموا إلى من سبقهم ليصبحوا من فلسطين الشتات، ناهيك عن مخالفتها للقرار.
ومن المزاعم الصهيونية أن هجرة يهود البلاد العربية هي بسبب “معاناتهم” من أجل الحريّة والكرامة ليكونوا على أرضهم “أحراراً”، في حين أن تشريد الشعب العربي الفلسطيني من أرضه إلى المنفى واللجوء ليس سوى عمل يجسّد استبدال ثقافة بثقافة وشعب بشعب وامتثالاً لأمر الله في أرض كنعان التي مثلها “حق” المستوطنين في الاضطلاع بذلك، وليس مهماً أن يتم التعامل مع سكّان البلاد الأصليين بقسوة ودون الخضوع للمعايير الأخلاقية والقوانين الدولية والإنسانية العامة.
تلك هي النظرية التي استند إليها هرتزل [13] وحسب وجهة نظره: “فإذا أردتم فإنها ليست خرافة” أي تحويل الخرافة إلى واقع يتجسّد بادعاءات وتلفيق تاريخ واغتصاب أرض وتحويل المتخيّل إلى واقع مفروض أو حقيقة ثابتة.
المبادرة في تأسيس العصبة
“لطالما كانت قضية فلسطين هي قضية البلاد العربية بأسرها،
فلا يمكن إذن أن نقف إلّا بجانب عرب فلسطين ونؤيدها…
ونحن إذ نتصدّى لمكافحة الصهيونية علانية وعلى رؤوس الأشهاد،
ذلك لأننا يهود ولأننا عرب بنفس الوقت”
من رسالة العصبة الموجهة إلى وزير الداخلية
لم تكن المبادرة بتأسيس “عصبة مكافحة الصهيونية” بمعزل عن سياسة الحزب الشيوعي ومواقفه إزاء القضية الفلسطينية، وذلك قبل تغيير القيادة السوفيتية رأيها وانتقالها من الدعوة إلى إقامة دولة ديمقراطية مستقلّة موحدّة في فلسطين بإنهاء صكّ الانتداب البريطاني إلى تأييد قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، وهو الموقف الذي أثار ارتباكاً في أواسط الحركة الشيوعية واليسارية بشكل خاص ولدى الجمهور العربي بشكل عام، حيث انقلب الموقف بنسبة 180 درجة، وهو ما ظلّت الأحزاب الشيوعية العربية تعاني منه وتتراوح مواقفها بين التمسك بالماضي وبين غضّ الطرف عنه في بعض الأحيان أو تجاهله أو مسّه بالنقد على نحو خفيف باستثناءات محدودة، تلك التي ذهبت إلى نقده والدعوة إلى إعادة قراءته لتصحيح المسار والتوجّه[14].
وكان تأسيس العصبة يعود إلى تقدير نظري سليم قبل تغيير الموقف السوفييتي باعتبار “أن للمشكلة اليهودية جذور عميقة في النظام الاجتماعي، وهي ليست كما تبدو لمن ينظر إليها نظرة سطحية على أنها وليدة اختلاف ديني أو تمايز عنصري أو عدم ائتلاف في العادات والأخلاق…” ولطالما كانت قضية فلسطين هي “قضية البلاد العربية بأسرها، فلا يمكن إذن أن نقف إلّا بجانب عرب فلسطين ونؤيدها …” [15]
ولتأكيد هذا الموقف عملياً، خصوصاً بعد الدعوات التي تردّدت في الأواسط الدولية بشأن الدعوة إلى تقسيم فلسطين، وجّهت العصبة رسالة إلى ستالين أمين عام الحزب الشيوعي السوفيتي جاء فيه: ” إننا نتضرّع إليكم أيها الرفيق ستالين أن تؤيّدوا قضية فلسطين عندما تطرح أمام الأمم المتحدة…لا التباس في حق شعب فلسطين العربي بالاستقلال، وقضيّتهم لا علاقة لها بمخاوف اليهود المعتدلين” وجاء فيها “إننا واثقون أن حكومتكم التي تعتمد مبادئها وسياستها الخارجية على احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، ستقف إلى جانب العرب في محنتهم.”[16]
ويمكن تحديد أهم ما جاء في العريضة (المذكرة) الموجّهة إلى وزير الداخلية من مطالب أساسية:
-
العداء للصهيونية عداءً صميمياً كما ورد في النص.
-
الدعوة إلى تعاون العرب واليهود على دعم قضية فلسطين.
-
منع الهجرة اليهودية.
-
إيقاف إنتقال الأراضي العربية إلى أيدي الصهاينة.
-
(إقامة) دولة ديمقراطية عربية مستقلة إستقلالاً تاماً.
-
ضمان حقوق المواطنين كافة عرباً ويهوداً.
إن الأساس في هذا التوجّه الإيجابي يقوم على رفض الانعزالية التي حاولت الصهيونية بثّها بين اليهود، بهدف فصل اليهود ( عن مجتمعاتهم العربية)، وبالمقابل سعي النخبة اليهودية المتقدمة والمؤمنة بمبادئ التضامن والعيش المشترك إلى الفصل بين اليهودية كدين وبين الحركة الصهيونية كحركة عنصرية رجعية، وهو الأمر الذي فات على الكثير من “القوميين”، ولاسيّما المتعصّبين الذين لم يفرقوا بين اليهود وبين الصهيونية، وظلّ مثل هذا الالتباس قائماً وشمل في الكثير من الأحيان توجّهات دينية، نظرت من موقع عدائي وكأنه صراع بين الأديان والمقصود بين الإسلام واليهودية، وهو ما حاولت الرواية الصهيونية أن تعزف عليه، باعتباره صراعاً إقصائياً إلغائياً لا يمكن حلّه، وأن اليهود محاطون بالمسلمين من كلّ حدب وصوب وهم “أغلبية” عددية على المستوى العالمي، في حين أن اليهود “أقلية”.[17]
الصهيونية وأكثر من حجر
تحاول الصهيونية أن ترمي أكثر من حجر لتصيب ذات الهدف، والمقصود بذلك إثبات صحة روايتها بشأن أحقيّتها في فلسطين، وهي دائماً تريد الترويج إلى عدد من القضايا بقصد لفت الأنظار عالمياً لتصديق روايتها من خلال ما يأتي:
أولاً – أن اليهود مهدّدون بالإبادة من جانب المسلمين ، وأن الصراع إلغائيّ إقصائيّ لا مجال إلى حلّه، في حين أن المشكلة هي اغتصاب حقوق شعب ومنعه من تقرير مصيره بطرده خارج أراضيه وإحلال مستوطنين محلّه من كلّ بقاع الأرض. أي أنه صراعٌ على الحقوق في الأرض وليس حول قيم السماء أو تعاليم الأديان.
وثانياً – الزعم بأن الصراع ديني والهدف من ذلك هو فصل المسيحيين عن المسلمين، في محاولة لمنعهم من المشاركة في النضال ضدّ الصهيونية ونظام الأبرثايد الجديد، بل والعمل على إجلائهم وتهجيرهم كي يظهر الصراع بوجهه الديني اليهودي – الإسلامي وليس بوجهه الوطني الفلسطيني العربي ضدّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي وضدّ الصهيونية.
وثالثاً – أن الصهيونية تمثّل يهود العالم وتنطق باسمهم، وذلك بتأسيس كيانية سياسية لها تمثّل جوهر العقيدة الصهيونية والمقصود (إسرائيل) التي تأسست بقرار من الأمم المتحدة، وينبغي حمايتها، وظلّت تغزل على هذا المنوال منذ قيامها وإلى الآن، على الرغم من عدوانها المتكرّر واحتلالها للأراضي العربية وتوسّعها وتنكّرها لجميع قرارات الأمم المتحدة وما يسمّى بالشرعية الدولية وبينها القرار 242 لعام 1967 و338 لعام 1973، ناهيك عن تجاوزها على القرار 181 باحتلال كامل فلسطين وضمّها القدس الشرقية، والقرار 194 الخاص بحق العودة للّاجئين.[18]
أهداف العصبة وأساسها القانوني
حدّدت المادة الثانية من عصبة مكافحة الصهيونية أهدافها ﺑ :
-
مكافحة الصهيونية.
-
فضح أعمالها ونواياها بين جماهير الشعب العراقي، ولاسيّما اليهود.
-
الوقوف ضدّ الصهيونية ودعايتها.
-
القضاء على النعرات الطائفية التي تمزّق الشعب العراقي.
-
خلق جو من التفاهم بين مواطني الشعب العراقي.
-
بث روح الديمقراطية بين سائر أفراد الشعب العراقي.
أما الأساس القانوني، فقد أختار مؤسّسوها والحركة الشيوعية التي تقف خلفها نقطة مفصلية في تاريخ العراق، وهي ما نطلق عليه “اللحظة الثورية” (مجازاً) أي تناسب الظرف الموضوعي مع الظرف الذاتي، خصوصاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتشار الأفكار الديمقراطية وإبداء الأمير عبد الإله الوصي على العرش استعداد المملكة العراقية للانفتاح وذلك في خطابه يوم 27 كانون الأول / ديسمبر 1945 الذي أعلن فيه موافقته على تأسيس الأحزاب “التي لا يصحّ بقاء البلاد خاليةً منها”، الأمر الذي التقطته الوزارة التي شكّلها توفيق السويدي بتاريخ 23 شباط/ فبراير 1946 وكان لوزير الداخلية سعد صالح (جريو) دوراً مهماً على هذا الصعيد وهو القانوني والأديب القريب من الحركة الوطنية فأقدم على عدد من الخطوات الجريئة منها إجازة العصبة قانونياً بعد الاطلاع على منهاجها وانسجامها مع الدستور والقوانين والأنظمة المرعية بتشكيل الجمعيات.[19]
وقد اتُخذ قرار إجازة العصبة في 16 آذار / مارس 1946، وسُمح لها بإصدار جريدة علنية أطلقت عليها إسم “العصبة“، وقد صدر عددها الأول في 7 نيسان (أبريل) من العام ذاته، واستمرّت في إصدار أعدادها التي وصلت إلى العدد 51، ثم توقفت عن الصدور بسبب قرار حكومي بعد استقالة وزارة توفيق السويدي.
في مؤتمرها الأول انتخبت العصبة هيئة إدارية ضمّت يهودا صديق [20] الذي أُعدم في العام 1949 بعد أن أصبح مسؤولاً أولاً للحزب الشيوعي مع مالك سيف إثر اعتقال فهد أمين عام الحزب وكان قد ترأس هيئة الرقابة في العصبة؛
-
يوسف هارون: رئيس العصبة؛
-
يعقوب مير مصري: سكرتير العصبة؛
-
يوسف زلوف ومسرور صالح قطان ويوسف هارون زلخا ويعقوب قوجمان : أعضاء.
وكلّفت قيادة الحزب زكي بسيم ( عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي) العلاقات والتنسيق والإشراف على العصبة، وقيادة الفراكسيون الحزبي ( المكتب الحزبي الخاص بتنظيم العصبة)، وكان للأمين العام فهد دوراً مهماً في نشاطها، بما فيها كتابة بعض افتتاحيات جريدة العصبة. وقد تمّ جمع مقالاته لاحقاً بكراس سمّي “رسائل العصبة“، وكراس آخر بعنوان: نحن نكافح من أجل من؟ وضدّ من نكافح؟ وعالج في العديد من كتاباته المشكلة الفلسطينية بفصل الصهيونية عن اليهودية وربطها بالاستعمار بما فيه الاستعمار الأمريكي الصاعد.[21]
لم تقتصر عصبة مكافحة الصهيونية على الشباب اليهودي، بل ضمّت عدداً من الوجوه الوطنية العراقية مسلمين ومسيحين وقامت بتنظيم اجتماعات حاشدة في بغداد والبصرة بلغ عددها 22 إجتماعاً واستفادت من العمل العلني لتعبئة الرأي العام ضدّ الصهيونية ومشاريعها العنصرية.
وساهمت العصبة في كسر التردّد الذي كان ينتاب بعض أفراد المجموعة الثقافية اليهودية من المشاركة في العمل السياسي وكان من أبرز التوجهات الإيجابية التي اعتمدتها هو في الذكرى 28 لصدور وعد بلفور، فأصدرت أعلنت فيها استنكارها لوعد بلفور.
ومما جاء في البيان: ” أن الإستعمار يستطيع أن يتكرّم بفلسطين مئات المرات، طالما أنها ليست بلاده وطالما أنه يجد في ذلك ربحاً له ومغنماً لأن غايته وعميلته الصهيونية هي تحويل “نضال العرب الموجه ضدّ الاستعمار نحو جماهير اليهود، وبذلك تخلق منهم حاجزاً يختفي وراءه الاستعمار، ولو كان المستعمرون يعطفون حقاً على اليهود لعاملوهم معاملة طيبة في أوروبا”.[22]
كان خطاب العصبة جامعاً وموحداً ووطنياً، وقد بادرت إلى التظاهر في 28 حزيران / يونيو 1946[23] بدعم وتوجه من الحزب الشيوعي، وتعرّضت تلك التظاهرة إلى قسوة وقمع شديدين من جانب الأجهزة الأمنية، فسقط أول شهيد شيوعي يهودي هو شاوول طوّيق (عضو العصبة) وجُرح عدد غير قليل في هذه التظاهرة السلمية المتضامنة مع فلسطين. وعلى أثر التظاهرة اتخذت السلطات الحكومية قراراً ﺑ :
-
حظر نشاط العصبة.
-
إيقاف صحيفتها.
-
إحالة المشاركين في التظاهرة ممن ألقي القبض عليهم إلى القضاء.[24]
وأصدرت محكمة الجزاء يوم 15 أيلول / سبتمبر 1946 قرارها بالحكم على كلّ من : يعقوب مير مصري ومسرور صالح قطان بالحبس الشديد لمدّة سنة واحدة، وعلى كل من خليل نصيف بالحبس لمدة ستة أشهر، وعلى سامي ميخائيل وعمانوئيل بطرس بالحبس البسيط لمدة ثلاثة أشهر وفقاً للمادة 89 بدلالة المواد 53 و 54 و 78 من قانون العقوبات البغدادي.
وأصدرت المحكمة حكماً بالسجن المؤبد على يوسف هارون زلخا رئيس العصبة، بزعم أنه يترأس عصبة للكفاح من أجل الصهيونية وليس ضدّها.
وكان من أبرز ما قامت به العصبة هو التنبيه إلى العدو المشترك للعرب واليهود وأهمية التضامن إزاء المخاطر المشتركة وسلّطت ضوءًا على نشاط الوكالة الصهيونية وبعض أركان الحكومة العراقية الموالية لبريطانيا، لتهجير اليهود العراقيين إلى فلسطين.[25]
كانت مبادرة تأسيس العصبة إحدى مآثر الحزب الشيوعي وزعيمه “فهد”، إضافةً إلى الدور المتميّز للشيوعيين اليهود الذين وقفوا ضدّ الصهيونية وعارضوا منطلقاتها الفكرية وكشفوا زيفها بادعاء تمثيل اليهود بغضّ النظر عن بلدهم الأصلي وميّزوا بين الصهيونية كعقيدة عنصرية واليهودية كدين، وهو ما جاء في كتاب أوريت باشكين. [26]
جدير بالذكر إن عدد الشيوعيين اليهود في الحزب الشيوعي العراقي كان حينها حوالي 300 عضواً كما تقول تشلسي سيمون ماي[27] التي سلّطت ضوءًا على الشيوعيات اليهوديات اللواتي كن ملتزمات بمستقبل العراق من خلال برامج الحزب، فضلاً عن معاداتهم للصهيونية والفاشية، حيث استطاع الحزب استقطاب عدد غير قليل منهن لمواقفه من تأييد حقوق المرأة.
وحسب سجلات التحقيقات الجنائية (أجهزة الأمن العراقية) واستجوابات العديد منهن فقد برز عدداً منهن مثل: إلين يعقوب درويش ودوريس وأنيسة شاؤول ونجيّة قوجمان وسعيدة ساسون مشعل (سعاد خيري – زوجة زكي خيري) وعمومة مير مصري (عميدة مصري) ومارلين مائير عيزرا (زوجة بهاء الدين نوري) وكامن سعيدة سلمان وألبرتين منشّي وراشيل زلخا. وكانت النساء اليهوديات الشيوعيات فخورات بهويّتهن العراقية بشكل عام مثل اليهود الشيوعيين. ومثلما نشطت الحركة الشيوعية داخل الوسط اليهودي ، ولاسيّما النسوي، فقد نشطت الحركة الصهيونية على نحو واسع مستقطبةً عدداً أكبر من النساء اليهوديات، حيث بلغ عدد الناشطات نحو 600 إمرأة صهيونية قبل الهجرة الجماعية (1951) كما ورد في Encyclopedia of Jewish Women [28].
الموقف السوفيتي
انعكس تغيير الموقف السوفيتي من القضية الفلسطينية سلباً في الشارع العربي، فبعد أن كان موقفه ضدّ قرار التقسيم تحوّل إلى تأييد له، وتحضرني مفارقة نقلها منير شفيق في مذكراته، ومفادها أن فؤاد نصّار (أبو خالد) الذي كان حينها مسؤولاً عن الجريدة وعضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني قبل أن يصبح أميناً عاماً له، وكان ينام في مطبعة الحزب، وفي الساعة الرابعة صباحاً جاء مصفّف الحروف وقال له استيقظ يا رفيق فقد أيّد المندوب السوفيتي قرار التقسيم، فنهض كمن لسعته أفعى، فطلب منه التقاط محطّة راديو موسكو للتأكّد من الخبر، وبعد أن اطمئن إلى أن الخبر صحيح، قام بسحب المقالة التي كتبها للتنديد بقرار التقسيم والدعوة إلى دولة ديمقراطية موحّدة، واستبدلها بمقالة أخرى كتبها بالضدّ من مقالته الأولى أعرب فيها عن تأييده لقرار التقسيم كما أشاد فيها بالموقف السوفيتي، ، وهو ما سارت عليه الغالبية الساحقة من الأحزاب الشيوعية العربية، بل إنه يمثّل نموذجاً لطريقة التفكير التعويلية والعلاقة التبعيّة بالمركز الأممي. [29]
وظلّ موقف الحزب الشيوعي العراقي متحفّظاً في البداية، وهو ما يمكن تلمّسه من توجيه داخلي للحزب جاء فيه:
“إن موقف الاتحاد السوفيتي بخصوص التقسيم وفّر للصحف المرتزقة ومأجوري الإمبريالية فرصة لا للتشهير بالاتحاد السوفيتي فقط، بل أيضاً بالحركة الشيوعية في البلدان العربية… ولذلك على الحزب الشيوعي تحديد موقفه من القضية الفلسطينية حسب الخطوط التي انتمى إليها والتي يمكن تلخيصها بالتالي:
-
إن الحركة الصهيونية حركة دينية رجعية ومزيفة بالنسبة للجماهير اليهودية.
-
إن الهجرة اليهودية.. لا تحلّ مشكلات اليهود المقتلعين من أوروبا، بل هي غزو منظّم تديره الوكالة اليهودية.. واستمرارها بشكلها الحالي… يهدّد السكان الأصليين في حياتهم وحريّتهم.
-
إن تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع إمبريالي قديم… يستند إلى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب.
-
شكل حكومة فلسطين لا يمكن أن يتحدّد إلّا من قبل الشعب الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين فعلاً، وليس من قبل الأمم المتحدة أو أي منظمة أو دولة أو مجموعة دون أخرى.
-
إن التقسيم سيؤدي إلى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة.
-
إن التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد الخصومات الوطنية والدينية وسيؤثر جديّاً على آمال السلام في الشرق الأوسط.