حوار اعلية علاني مع وكالة تونس أفريقيا للأنباء TAP حول أحداث مالي الأخيرة!
مالي.. تصعيد أمني غير مسبوق وقلق دولي وتحذيرات من تداعيات إقليمية
تونس، 30 أفريل2026 وات/ تحرير نرجس بديرة- تشهد مالي منذ أيام -25 افريل الجاري- تصعيدا أمنيا واسع النطاق، عقب سلسلة هجمات منسقة نفذتها جماعات مسلحة استهدفت العاصمة باماكو وعددا من المدن الرئيسية .
تطور يعكس تحولا نوعيا في طبيعة الصراع داخل البلاد، ويثير مخاوف متزايدة من امتداد تداعياته إلى محيطها الإقليمي، في منطقة تعاني أصلا من هشاشة أمنية متراكمة منذ سنوات.
وكانت جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة الإرهابي، من بينها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، أعلنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات التي وصفت بأنها من بين الأوسع نطاقا خلال السنوات الأخيرة، نظرا لتزامنها الجغرافي وتعدد أهدافها، والتي شملت مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، من بينها قاعدة كاتي العسكرية شمال العاصمة، إلى جانب منشآت اتصالات ومرافق لوجستية، ما تسبب في حالة من الارتباك داخل أجهزة الأمن المالية.
تطورات ميدانية جدية
وفي هذا السياق، أكد الباحث الجامعي في شؤون الجماعات الاسلامية والجماعات المسلحة، علية علاني، في تصريح خاص لوكالة تونس إفريقيا للأنباء -وات-، أن الهجمات الاخيرة، التي أسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا بعد استهداف مقر إقامته في بلدة كاتي، تمثل تحولا واضحا في أساليب الجماعات المسلحة.
وأوضح علاني أن هذه الجماعات لم تعد تعتمد فقط على الهجمات التقليدية، بل أصبحت تنفذ “عمليات متزامنة ومعقدة تجمع بين الهجمات الانتحارية والتحركات السريعة لمجموعات قتالية صغيرة، في محاولة لإرباك القوات الحكومية واستنزاف قدراتها”، معتبرا أن هذا التطور يعكس انتقالا نوعيا في نمط المواجهة بين الدولة والجماعات المسلحة.
وأضاف أن ”الأخطر في المرحلة الحالية يتمثل في التقارب الميداني بين الجماعات الجهادية وبعض الحركات المتمردة” في شمال البلاد، موضحا أن “التحالف بين الانفصاليين من الأزواد، وهم في معظمهم حركة مدنية وعلمانية، وبين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة، يؤكد أننا اليوم أمام تهديدات أمنية نوعية وجدية”.
وبين المتحدث لوات أن هذا التحالف يتيح للجماعات المسلحة الاستفادة من تكامل الأدوار، حيث “يوفر الانفصاليون الأزواد الدعم القبلي وبعض اللوجستيك بينما يوفر الجهاديون العمليات الانتحارية ويوفرون المال والسلاح عبر شبكات عابرة للحدود، وبحماية من بعض الأجهزة الخارجية”، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويجعل الصراع أكثر تشابكا من السابق، وفق قوله.
ردود فعل محلية ودولية
أكدت تونس الثلاثاء، متابعتها ببالغ الانشغال الهجمات المسلحة الخطيرة التي استهدفت عددا من المدن المالية، ومن بينها العاصمة باماكو وأوقعت عديد الضحايا.
وأدانت بشدة اللجوء الى العنف المسلح الذي يستهدف مالي ، مؤكدة تضامن تونس الكامل مع شعبها ورفضها المساس بوحدة هذا البلد الافريقي وسيادته وأمنه واستقراره.
على الصعيد الدولي، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه العميق إزاء تصاعد أعمال العنف، مُدِينا الهجمات التي طالت عدة مناطق، ومؤكدا ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية.
كما حذرت الأمم المتحدة من تدهور الوضع الإنساني في مالي، مع ارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية وتفاقم أزمة الأمن الغذائي، في ظل نقص كبير في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، داعية إلى تعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المتزايدة ومنع اتساع رقعة عدم الاستقرار في منطقة الساحل.
وفي سياق ردود الفعل الدولية، شدد الاتحاد الإفريقي على ضرورة الحفاظ على وحدة واستقرار مالي، داعيا إلى تكثيف التنسيق بين دول المنطقة، فيما أعربت فرنسا عن قلقها من تدهور الوضع الأمني رغم تراجع حضورها العسكري المباشر في البلاد خلال السنوات الأخيرة. و حثت رعاياها على مغادرة البلاد “في أقرب وقت ممكن” عقب هجمات منسقة وقعت مطلع الأسبوع، بما شمل العاصمة باماكو.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة متابعة التطورات من زاوية مكافحة الإرهاب، بينما تدعم روسيا السلطات المالية في إطار شراكة عسكرية متنامية، في حين تدعو الصين إلى الاستقرار مع التركيز على حماية مصالحها الاقتصادية.
جذور تاريخية للأزمة
يرى علاني وهو باحث أكاديمي متخصص في الجماعات الإسلامية أن الأزمة الحالية بمالي ليست معزولة عن جذورها التاريخية، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود، مشيرا إلى أن أخطر المحطات كانت سنة 2012 عندما سيطرت ”الجماعات الجهادية ” الارهابية أهمها جماعة” التوحيد” المنتمية للقاعدة والمتحالفة آنذاك مع حركة الأزواد العلمانية وسيطرت على شمال ووسط مالي، قبل أن يتم إخراجها بتدخل عسكري فرنسي سنة 2013.
وأوضح في هذا الخصوص أن هجمات سنة 2026 كشفت أيضا عن معطيات خطيرة، حيث أصبحت دول الساحل الإفريقي تحتكر نحو نصف العمليات الإرهابية وضحايا الإرهاب على المستوى العالمي، وهو ما يؤكد عودة عدم الاستقرار بقوة رغم الوجود الروسي المكثف في مالي منذ أواخر سنة 2021 بعد الانسحاب الغربي، وخاصة الفرنسي.
يشار الى ان تداعيات سقوط النظام الليبي سنة 2011 ساهمت أيضا في تغذية الصراع من خلال تدفق السلاح والمقاتلين إلى منطقة الساحل، وهو ما زاد من هشاشة الوضع الأمني في مالي وفي المنطقة بأكملها.
وبخصوص تنامي الدور الروسي بمالي، اعتبر علاني أن ذلك “لا يعني أن روسيا أصبحت معنية بحماية كامل تراب دول الساحل الإفريقي أو دولة مالي بالأساس”، مشيرا إلى أن مساحة مالي وحدها تقدر بمليون وربع المليون كيلومتر مربع، بينما لا يتجاوز عدد القوات الروسية المنتشرة في دول الساحل الإفريقي 2500 عنصر.
وأضاف أن انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا وبالحرب الأمريكية الصهيونية على إيران يجعل تدخلها يقتصر على بعض المحطات الاستراتيجية التي تمنع سقوط النظام، دون القدرة على فرض استقرار شامل أو السيطرة الكاملة على الوضع الأمني مثلما حدث في الهجوم الأخير.
وأكدت الأنباء الأخيرة – الثلاثاء – أنّ الجيش بدأ يسترجع جزءا من مناطق الشمال بدعم روسي.
كما تحدثت وكالات الانباء في التاريخ ذاته ، عن لقاء جمع رئيس البلاد غويتا مع السفير الروسي وهو ما يعني أن روسيا متمسكة بالحفاظ على مكتسباتها في مالي وغير مستعدة لمغادرة البلاد رغم التهديدات التي أطلقتها اليوم ”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ”من اعتزامها تشديد هجماتها على العاصمة باماكو قريبا.
وبالتالي فإن مسلسل العنف لن ينتهي قريبا إلا بمقاربة مزدوجة عسكرية وسياسية.
مخاوف إقليمية
إقليميا، تتزايد المخاوف من امتداد الأزمة إلى دول الجوار، خاصة النيجر وبوركينا فاسو، في ظل النشاط المتزايد للجماعات المسلحة وضعف التنسيق الأمني في المنطقة، كما تمتد هذه المخاوف إلى شمال إفريقيا.
وفي هذا الإطار، حذر المختص في الجماعات المسلحة من أن التهديدات الأمنية قد تنتقل ”من مالي إلى دول شمال إفريقيا، خاصة عبر تنشيط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية”، موضحا أن ”من أبرز المخاطر تسلل بعض الإرهابيين ضمن موجات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا مرورا بالجزائر وتونس وليبيا”.
وأشار إلى أن بعض هؤلاء قد ”يستقرون مؤقتا في دول شمال إفريقيا أثناء طريقهم نحو أوروبا، ما يفرض تحديات أمنية مضاعفة، خاصة على الجزائر التي تبقى الدولة الأكثر تأثرا بحكم الحدود المباشرة مع مالي”.
وشدد على أن ”التصدي لتصاعد الهجرة غير النظامية عبر تونس وليبيا لا يمكن أن يتم إلا من خلال تنسيق أمني بين تونس والجزائر وليبيا ، وربط قنوات استخباراتية مع دول الساحل الإفريقي، إلى جانب التعاون مع الأجهزة الغربية.”
وحول السيناريوهات المحتملة للأزمة ، طرح المتحدث في معرض حديثه الى وات ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل مالي، أولها سيناريو تقسيم الدولة، وثانيها سيناريو تعزيز حرب العصابات بما يطيل أمد النزاع ويزيد من إنهاك الجيش المالي، أما السيناريو الثالث، الذي اعتبره الأفضل والأكثر أهمية، فيتمثل في إعلان مصالحة وطنية شاملة.
وأوضح علاني أن هذا السيناريو الأخير يشمل مصالحة مع ”حركة الأزواد والمعارضة المالية المدنية، إلى جانب دعم الجيش المالي بتقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة”، معتبرا أن “سلاح الدرون أصبح يلعب دورا فاعلا في التصدي للإرهاب والجريمة المنظمة”.
كما يتطلب هذا السيناريو، وفق تقديره، تحسين أداء الحكومة المالية من حيث الحكم الرشيد، وتوفير الخدمات الأساسية، والسيطرة على الحدود، بما ينعكس إيجابًا على استقرار مالي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا عموما.
وعلى مستوى المغرب العربي وتداعيات الأزمة في مالي على دول المنطقة، شدد علاني على ضرورة تعزيز الإجراءات الأمنية عبر مراقبة الحدود بشكل مكثف، وتحيين قواعد البيانات الخاصة ”بالجماعات الإرهابية”، و”تكثيف التنسيق الاستخباراتي بين جميع الدول المغاربية دون استثناء”.
وفي الجانب الاقتصادي، اقترح” إنشاء صندوق استثماري مشترك بين دول المغرب العربي ودول الساحل الإفريقي” ،بهدف دعم التنمية الاقتصادية وتكثيف التبادل التجاري، لأن الفقر والبطالة والأمية تمثل، وفق تعبيره، تعد البيئة الأكثر خصوبة التي تتغذى منها ”الجماعات الإرهابية”.
وتكشف هذه التطورات المتسارعة في مالي أن البلاد تقف اليوم أمام مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها العوامل الأمنية الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية متشابكة، في ظل تزايد نشاط الجماعات المسلحة وتراجع الاستقرار في منطقة الساحل.
وبين سيناريوهات التصعيد المفتوح أو استمرار الاستنزاف الأمني أو الذهاب نحو تسوية سياسية شاملة، يبقى مستقبل مالي رهينا بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على بلورة مقاربة متكاملة لا تقتصر على البعد العسكري والأمني فحسب، بل تشمل أيضا الأبعاد السياسية والتنموية والاجتماعية، بما يضمن معالجة جذور الأزمة ويحد من امتداد تداعياتها إلى محيطها الإقليمي والدولي.
https://www.tap.info.tn/ar/%D9%88%D9%8A%D8%A8-%D8%B3%D9%8A%D8%AA-%D8%A3%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-Portal-Top-News/20129899-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%AA%D8%B5%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A
حوار اعلية علاني مع وكالة تونس أفريقيا للأنباء TAP (وكالة حكومية للإعلام)الصادر في 30 أفريل 2026 حول أحداث مالي الأخيرة!
العالمي-بن
2026-05-05