توضأت بنادق الحرية
سجدةٌ للرصاص
تحصد القابعين خلف متاريسِ الوهم
يقطف تشرين
عناقيد التأمل لأغصان امتدت نحو العودة
هل اعتنق السياج الاسلام
واُعتِق الحصار من براثن العبودية ؟!
تتبادل السنابل شمسها
آسر مأسور
قاتل مقتول
وصرخات البنادق
تروي لمن سفك الدماء
كيف تئن فاء الفواجع
في قعر لام اللواجم؟!
وسين الساهرات تعجنّ الخوف بالدعاء؟!
أيها الطين طاؤك
مدّ ياء مُخضّبة بالصابرين
والنون نازحٌ يبدأ وينتهي في فلسطين
ما أوحش الغربة
وإن طال فيها الهوى والتدليل
ما أصعب الحياة موتا
وإن قصُر عليها الوقت والتدوير
أخبرني ياصديقي
عن حجر سد فجوة الفراغ
وحدثني أين صوت الضجيج
الذي كان يُزعج عكاز جارنا؟!
هل مات حيّ المدينة ؟!
واختنقت أصوات الشوارع؟!
لقد قتلوا الأرصفة والطرقات
وسفكوا دماء الذكريات
اِسألني عن فجوة القهر في مديح الصباح
وعن حجرٍ يسدّ فجوة القبر
لكل من سكن الشوارع والأحياء
الطائرات تتعب في السماء
تنحني من ثقل القنابل
كي تستريح فوق أجساد الآمنين
تحمل من أرواح الأرض
وتترك أجساد العالقين بين الحياة والموت
الخائفين من فاجعة النجاة
ومن لضم فوهات الفجر المترهل في الاستيقاظ
نم يا صديقي ساعة
قبل أن يكشف النهار حجم الدمار
قبل أن يسكب الحزن غمامة التوقع وأمطار الانهيار
المدافع تعصر المدينة
والمباني تشتكي كُفر الحجارة
لم تؤمن الجدران بعدْ
لم يكن تحتها كنز للأيتام
لا تقام الأنقاض المتشابكة بأصابع الانسان
من سيرفع ثِقل المارين في ذاكرة الركام؟!
من قضاءٍ إلى قضاءْ
ستنام الأحلام فوق أروقة الدمار
تئنُّ الطرقات ليلاً
والنهار أفرغ الشواهد من العابثين
صوت الصفير لا يجذب مسامع العابرين
دوي انفجارات تخطف بصر العاضّين على أنامل الضوء
أفرغ حقائب العلم يا بني
القنابل تجهل لغة الرسائل
فكيف نكتب لها أننا نحب الحياة؟!
كيف تقوى هذه الثكلى على حمل
ما فُطم منذ سنوات
كغصن يميل كلما نضجت براعم قلبها
وأورق بين ذراعيها
نواح الأطفال
اختلط الحابل بالنابل
في المدارس الحروف ماء
الأرقام دواء
الشهادات إيواء
المعلمون رجال اصلاح
طوابير النشيد صوت مذياع
يُعلن الحرب كلّما اصطفّت الأمنيات
أخشى أن يُطلق سراح الكلمات
عابس وجه البكاء
حزينة حناجر النساء
رجال يعجزون عن ستر عورات المساء
وأبناءٌ بين أحضان الضباب
الجرافة تُكشّر عن أنياب مِشطها
تُريد فرد خُصل الحديد
لتفتح ممرات لضوء الحياة
الشمس تدمع على من علق بين أسنانها
أولئك من خبأتهم الحصى والسواد
متى تلعق السماء رائحة الدماء
وتمسح عن قلوبنا ذنوب الأمل في النجاة؟!
رحل المارون في أوقاتنا
القابعون فوق بندول حكاياتنا
العالقون بين ألسنة النداء
يا يوسف
الطائرات أكلت اخوتك الكبار
والحرب إلتهمت ابن أمك في مخاضها الأخير
حاصروا الرجاء بالقنابل
وزرعوا ألغام الحزن
كي يُفجروا السمانَ عجاف
ابوك فقد عزمه
ولا ريح تبشره بعد الفراق
وحده حسيس الدعاء
من يؤنس وحدة من قبع تحت الركام
الذئب يا ليلى
عشق الكعك يفوح من بين أنامل برائتك
مخلص هو في الغابة
خائن حين يعتلي شوارع المدينة
الكعك لا يسد رمق المتعطشين للدماء
ماتت الجدة دون أن تخبرنا
اين خبأت ليلى أساور قلبها؟
وأين طار منديل رأسها
الذي.كان يغطي شعر الحكايات؟
سينام الذئب مطمئنا
وغزةَ لا يبقى فيها جدة وأطفال!!
حديث الأنامل بعضه لبعض
ماتت أمي
ومات أبي
ولازال أخوتي تحت أنقاض البيت
وتجلس في طابور الخبز؟!
من ستطعم بعدهم ؟
سأطعم الركام علّه يستحي
ويترك لي أحد اخوتي
أو صورة كانت على الحائط تجمعني بهم
وحدها السماء من تستحي
حين نصبح أكبر من حجم القنابل
سنطعمها بأكفّ قلوبنا صور الأحباب
لن تعيد لنا من ذاق حلاوة النهر
وأكل من تفاحة الجنان
سنبني سفينة على الأرض
نحمل عليها أشلاءنا
نُخزن فيها دموعنا
ونُجدّف بأذرع مابقي منا
إلى عالم لا يقرأ الكتب الغربية
ولا يكتب قصصا عن العروبة
إلى حياة تُشبه رحم الأمهات
نتكوّر فيها وننام بسلام
محمود البسيوني
2023-11-25