بين القطيعة وإعادة التأسيس: السياسة الفلسطينية خارج زمنها!
بقلم : خالد صالح عطية
لم تعد الأزمة الفلسطينية أزمة سياسة فاشلة بقدر ما أصبحت أزمة زمنٍ لم يعد يعمل.
ذلك أن السياسة، في جوهرها، ليست برنامجًا ولا مؤسسة ولا خطابًا، بل علاقة مخصوصة بين الإنسان والزمن: قدرة جماعية على تحويل الحاضر إلى مسار، والألم إلى معنى، والاستمرار إلى أفق. وحين تنكسر هذه العلاقة، لا تعود السياسة ممكنة حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة، ولا تعود اللغة قادرة على حمل التجربة مهما ازدادت بلاغتها.
ما كشفته الإبادة الجارية ليس فقط وحشية العنف، بل عجز الزمن نفسه عن أداء وظيفته. نحن لا نعيش “مرحلة”، ولا نقف على عتبة “ما بعد”، ولا نتحرك داخل انتقال تاريخي واضح. نحن داخل زمن مفتوح على الاستنزاف، زمن لا يُغلق ولا يسمح بالحداد. زمن يُرتكب فيه الفعل النهائي، ثم يُطلب من الضحية أن تُفكّر سياسيًا كما لو أن الزمن ما زال خطيًا، عقلانيًا، قابلًا للإدارة.
في هذا المعنى، لا تبدأ أزمة السياسة الفلسطينية من فشل نموذج بعينه، بل من استمرار العمل السياسي داخل زمن لم يعد صالحًا للسياسة أصلًا.
1. حين ينهار الزمن قبل أن تنهار المؤسسات
التفكير السياسي الفلسطيني ظلّ لعقود يفترض زمنًا يمكن التحكم بإيقاعه: تفاوض طويل، تراكم بطيء، انتظار اعتراف، إدارة صراع منخفض الكلفة. هذا الافتراض هو ما سمح للغة مثل “المرحلة الانتقالية” و”بناء الدولة” و”تحسين شروط الحياة” أن تبدو عقلانية. لكن الإبادة أسقطت هذا الافتراض دفعة واحدة.
لم تعد هناك مرحلة تُدار، ولا انتقال يُستكمل، ولا أفق يمكن تأجيله دون ثمن وجودي. ومع ذلك، استمرت السياسة في العمل كما لو أن الزمن لم ينكسر، واستمرت اللغة في أداء وظيفتها كغطاء، لا كأداة فهم. هنا يبدأ الانفصال: السياسة تواصل الحركة، بينما الزمن خرج من المعادلة.
وحين تفقد السياسة زمنها، تتحول إلى إدارة بقاء. لا تنتج معنى، ولا تصنع أفقًا، بل تنظّم الخسارة وتُرشّد الألم. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال من يحكم، بل: لماذا يستمر هذا الشكل من الحكم في غياب أي قدرة على تحويل الواقع؟
2. اللغة ليست بريئة: حين تتحول المفردات إلى أدوات عنف ناعم
في لحظات العنف القصوى، لا تكون اللغة محايدة. الكلمات لا تصف الواقع فقط، بل تنظّم كيفية تحمّله. وحين تعجز السياسة عن الفعل، تُستدعى اللغة لتعويض العجز: الصمود بدل الفعل، الواقعية بدل العدالة، التعقيد بدل التسمية.
المشكلة ليست في هذه الكلمات بحد ذاتها، بل في استخدامها داخل زمن لم تعد صالحة له. فـ”الصمود” حين يُفصل عن أفق التحرر يتحول إلى مطالبة أخلاقية للضحايا بالتحمل. و”الواقعية” حين تُفصل عن ميزان القوة تصبح أداة لتأبيد القائم. و”الوحدة” حين تُفصل عن التعددية تتحول إلى ذريعة لإسكات المجتمع.
هكذا تصبح اللغة جزءًا من العنف: لا لأنها قاسية، بل لأنها تُطيل أمد العجز باسم الحكمة، وتحوّل الاستمرار إلى فضيلة بحد ذاته.
3. من نقد الأشخاص إلى تفكيك البنية المنتجة للعجز
الخطاب النقدي الفلسطيني أمضى وقتًا طويلًا في ملاحقة الأشخاص: قيادات، نخب، فصائل. لكن الإبادة أعادت ترتيب السؤال: ماذا لو لم تكن المشكلة في من يشغل الموقع، بل في الموقع نفسه؟ في البنية التي تُنتج السلوك ذاته مهما تغيّرت الوجوه؟
حين تتحول السلطة من أداة مؤقتة إلى نمط حياة، وحين يصبح التمثيل احتكارًا لا تفويضًا، وحين يُربط البقاء السياسي بالبقاء الوظيفي داخل منظومة استعمارية، فإننا لا نكون أمام فشل إدارة، بل أمام نموذج استنفد قدرته على إنتاج السياسة.
الاستنفاد هنا لا يعني السقوط التلقائي، بل العجز عن التحول. نموذج يستمر لأنه يعرف كيف يستمر، لا لأنه يقود إلى مكان.
4. القطيعة: مع ماذا بالضبط؟
القطيعة، في هذا السياق، ليست حدثًا ولا شعارًا ولا إعلانًا. إنها توصيف لحالة تاريخية: انفصال بين السياسة ومعناها. لكن الخلط يبدأ حين تُفهم القطيعة بوصفها هدمًا للإطار، أو قفزًا في الفراغ، أو استبدالًا رمزيًا للوطن.
ما يتضح أكثر فأكثر في النقاش الفلسطيني الراهن أن موضع القطيعة ليس الإطار الوطني الجامع، بل الصيغة السياسية التي جرى عبرها تفريغه من مضمونه التحرري. القطيعة المطلوبة ليست مع الفكرة الجامعة، بل مع تحويلها إلى بنية مغلقة تُدار بمنطق السلطة والاحتكار.
بهذا المعنى، لا نحن أمام ترميم شكلي، ولا أمام انهيار كامل، بل أمام حاجة إلى فصل جذري بين الإطار والمعنى الذي عُلّق عليه قسرًا.
5. الحامل السياسي: من السؤال التنظيمي إلى السؤال الوجودي
السؤال عن “الحامل السياسي الجديد” غالبًا ما يُطرح بوصفه سؤالًا تنظيميًا: شكل، بنية، شبكة، هرمية أو لا مركزية. لكن السؤال الأعمق هو: من يحمل الزمن الفلسطيني اليوم؟ ومن يُجبر على حمله وحده؟
حين يُترك المجتمع ليعيش العنف اليومي بلا أفق سياسي، بينما تستمر السياسة في العمل بلغة منفصلة عن التجربة، يصبح الخلل وجوديًا لا إداريًا. الحامل السياسي، في جوهره، ليس مؤسسة بل قدرة على تحويل التجربة الجماعية إلى مسار مفهوم.
من هنا، فإن أي حديث عن حامل سياسي لا يبدأ من المجتمع، ولا يعيد وصل السياسة بالألم الملموس، ولا يعترف بانكسار الزمن، سيبقى إعادة إنتاج للفراغ نفسه بلغة جديدة.
6. إعادة التأسيس: حين يصبح العبور شرطًا للبقاء
إعادة التأسيس ليست لحظة، ولا مشروعًا جاهزًا، ولا خطة انتقالية. إنها عملية طويلة لإعادة وصل ما انقطع: الإنسان بالسياسة، الزمن بالمعنى، الإطار بالمجتمع. وهذا لا يحدث عبر بيانات، بل عبر تحوّل في طريقة التفكير نفسها.
الإطار الوطني لا يُستعاد بالحفاظ عليه شكليًا، ولا بتجاوزه، بل بإعادة تعريف وظيفته: من إدارة واقع مفروض إلى تمكين مجتمع حيّ من الفعل. وهذا يتطلب قطيعة واضحة مع منطق السلطوية، لا بوصفها خصمًا سياسيًا فقط، بل بوصفها طريقة تفكير.
7. ما بعد الإبادة: السياسة بوصفها مسؤولية لا تقنية
بعد الإبادة، لا تعود السياسة ترفًا فكريًا ولا لعبة نخب. تصبح مسؤولية ثقيلة: إما أن تعيد إنتاج القدرة على الفعل، أو تتحول إلى جهاز لإدارة الانهيار. لا منطقة وسطى هنا.
لسنا في لحظة يقين، ولا نملك أجوبة مكتملة. لكن ما نملكه هو إدراك متزايد بأن اللغة القديمة لم تعد كافية، وأن الزمن تغيّر، وأن الاستمرار بلا مراجعة عميقة لم يعد حيادًا بل مشاركة صامتة في إطالة العجز.
ربما يكون أول ملامح السياسة الجديدة هو الجرأة على الاعتراف بأن ما سبق لم يعد قادرًا على الاستمرار، مع السعي إلى العبور الواعي لا إلى إنكار الماضي ولا إلى الارتماء في المجهول . الجرأة على التفكير من جديد، لا ضد أحد، ولا دفاعًا عن أحد، بل انطلاقًا من سؤال بسيط وقاسٍ:
كيف يمكن لشعب يعيش في زمن الإبادة أن يمتلك سياسة لا تُطالبه فقط بالبقاء، بل تفتح له أفقًا للمعنى؟
هذا السؤال، لا غيره، هو نقطة البداية .
2026-01-10