الهيمنة الامريكية!
حـ.ـرب الجيل الخامس ، اختراق العقول في المشهد العراقي
الجزء السابع عشر :
زينب مهدي*
في حـ.ـرب الجيل الخامس أعادت أمريكا تعريف السيادة العراقية لتصبح مشروطة بالرضا الأمريكي وتبقى في حالة “تبعية مستدامة”. أمريكا لم تعد بحاجة لحصار بغداد بالدبابات؛ بل تديرها عبر “ريموت كنترول” اقتصادي وتكنولوجي ومعلوماتي، يجعل تكلفة الخروج من العباءة الأمريكية تعني (انهيار العملة المحلية، توقف محطات الكهرباء، وعزل العراق دولياً).
١- هندسة البيئة السياسية والاتفاقيات الأمنية المشتركة
تضغط واشنطن من خلال مفاوضات “اللجنة العسكرية العليا المشتركة” لإعادة تعريف الوجود الأمريكي في العراق وتحويله إلى علاقات أمنية ثنائية مستدامة، مما يضمن بقاء النفوذ الاستخباري واللوجستي الأمريكي.
تخويف الحكومة من “العزل الدولي”: تهديد النخب السياسية العراقية باستمرار بأن إذا تماهت الحكومة مع مطالب الفـ.ـصائل بإخراج القوات الأمريكية ستقطع واشنطن الدعم الأمني، التكنولوجي والمالي وستعزل العراق سياسياً ودبلوماسياً.
تحييد أوراق القوة العراقية: عندما يمتلك العراق أوراق قوة (مثل موقعه الجغرافي الرابط، أو احتياطياته النفطية الضخمة)، تحرص أدوات الجيل الخامس على تشتيت هذه الأوراق عبر إشغال الحكومات بخلق أزمات داخلية متواصلة (نزاعات موجهة مثل ملف حصر السـ.ـلاح، صراعات على المناصب، عجز خدمي مبرمج)، لتصبح مستغرقة فقط في إدارة الأزمات اليومية وحماية المصالح الأمريكية لضمان بقائها في السلطة.
٢- الرهان على “الخنق الصامت”
في هذه الحـ.ـرب، يأتي التهديد عبر شاشة البنك المركزي بدلاً من المواجهة المباشرة:
إذا ابتعد القرار السياسي العراقي عن الرغبة الأمريكية، تتدخل وزارة الخزانة عبر إبطاء تدفق الأموال أو فرض عقـ.ـوبات على مصارف عراقية. النتيجة الفورية هي ارتفاع أسعار السوق، وضغط معيشي على المواطن.
الفضاء الإلكتروني والاتصالات في العراق تقع بالكامل تحت مظلة السيرفرات والشركات الأمريكية. هذا يعني أن كل حركة، اتصال، أو معلومة للنخبة المحلية مكشوفة تماماً، مما يمنح واشنطن قدرة عالية على التنبؤ والابتزاز السياسي خلف الكواليس.
٣- سيكولوجية السيطرة
الذكاء الشديد في هذا الجيل من الحـ.ـروب هو أن أمريكا تظهر في ثوب “المنقذ”:
يتم صناعة أزمة ما أو تضخيمها (مثل أزمة الطاقة والغاز، أو التهديدات الأمنية)، ثم تتدخل واشنطن لتعرض الحلول المشروطة؛ مثل عقود صيانة احتكارية لشركاتها، أو اتفاقيات أمنية تقيد تحركات الدولة.
بالنتيجة تبدو الحكومة العراقية قد عالجت الأزمة، بينما هي في الحقيقة تنفذ الإملاءات الأمريكية بعد حصرها في زاوية ضيقة جداً.
٤- إقصاء المصالح العراقية لحساب المصالح الأمريكية
تتجلى هذه السيطرة في تعارض قرارات الحكومات العراقية مع مصالح شعبها في ملفات استراتيجية:
منع التوازن الإقليمي والدولي: مصلحة العراق الحقيقية تكمن في بناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب (الصين، روسيا، الجوار الإقليمي) لجلب الاستثمارات الكبرى وبناء البنى التحتية (مثل تفعيل اتفاقيات طريق الحرير أو عقود الطاقة الشاملة). الضغط الأمريكي يحجب هذه الخيارات ويبقي العراق رهيناً للشركات الأمريكية التي تفرض شروطاً احتكارية وأسعاراً مرتفعة دون تقديم تنمية حقيقية، ليبقي الاقتصاد العراقي معتمداً على النفط، ومرتبطاً بـ “الفيدرالي الأمريكي” إلى أجل غير مسمى.
تحويل العراق إلى “حاجز جيو-سياسي”: بدلاً من أن يكون العراق جسراً للتواصل والازدهار في المنطقة، تسعى واشنطن لتوظيفه كـ “مصد أمني واقتصادي” لمحاصرة خصومها مما يجعل العراق ساحة مستمرة لتصـ.ـفية الحسابات الإقليمية.
تظهر قسوة هذا الصراع ضد المقـ.ـاومة بوضوح؛ حيث يتم استخدام طـ.ـائرات مسـ.ـيّرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاغتـ.ـيال قادة ميدانيين في قلب بغداد. هذه العمليات لا تهدف فقط للتصـ.ـفية الجسدية، بل لإرسال رسالة نفسية قاسية للحكومة بأن أجوائها وسيادتها مستباحة بالكامل.
٥- الرهان على “النخب العالمية” وإضعاف الهوية العراقية
أحد أخطر أسلحة الجيل الخامس هو اختراق البنية الثقافية والسياسية للدولة:
صناعة الولاء غير المباشر عبر برامج التبادل، والتمويل الموجه للمنظمات غير الحكومية، والمنصات الإعلامية الرقمية المموهة، يتم إعداد أجيال من التكنوقراط والنخب السياسية والشابة التي تتبنى “الرؤية الأمريكية” كمعيار وحيد للتقدم العالمي.
غرس الإحباط العام وتشويه أي جهد وطني للتحرر من الهيمنة الأمريكية، مما يسهل عملية إخضاع الحكومات لعدم وجود “ظهير شعبي متماسك ومستعد للمقـ.ـاومة الاقتصادية أو السياسية”.
حـ.ـرب الجيل الخامس حوّلت الحكم في العراق إلى مواجهة مستمرة بين “البقاء” أو “السيادة”. الحكومات العراقية ليست عميلة بالمعنى التقليدي، لكنها “وقعت في فخ التبعية الهيكلية المحكمة”. الخروج من هذا الفخ لا يحتاج إلى شعارات، بل يحتاج إلى بناء سيادة مالية وتكنولوجية مستقلة، وهي المعركة الحقيقية التي تخشاها واشنطن.
يتبع غدا
2026-0830