كانت الممالك والامبراطوريات وكذلك الامارات الصغيرة ، تخضع في وجودها وحدودها وانبثاقها ثم انحطاطها وتلاشيها لموازين القوى القائمة ولكن المتغيرة في كل لحظة تاريخية ، وفق قانون كوني ، يشمل جميع الظواهر الانسانية ، من الفرد حتى الجماعة ومن الامارات الصغيرة حتى الامبراطوريات ، وقد عرف العرب والمسلمون ذلك بقانون ” الكون ، والفساد ” بمعنى التكوّن والانحلال ، وهو في واقع الامر ديالكتيك الحياة الاساسي او منطقها الجوهري…
وفي انبثاقها وصعودها و تربعها على مركز القوة والقرار ثم في انحطاطها وتفككها وانبثاق اخرى جديدة بدلا عنها ، كانت الحدود تتبدل والتخوم تتغير تتبعها الاسماء والمسميات سواءا وفقا لرغبة الغالب او لتسوية مع المغلوب او لعوامل اخرى كثيرة ثم تستقر في الذهن والمعرفة الجغرافية والسياسية حتى تأذن الأقدار بتحول جديد ….
لكن امكانية تغيير الحدود او الغائها والحاق الدول وضمها وفقا لفكرة القوّة والغلبة او المجال الحيوي او غيرها تم تحديدها ومحاولة منعها وتحريمها في اعقاب الحرب العالمية الثانية وما شهدته من مآسي وانتهاكات وعذابات طالت حياة الملايين من البشر ، ومنذ ذلك الحين والقانون الدولي يعتبر هذا الامر من الكبائر والمحرمات التي لا تجوز ابدا ، رغم الخروقات التي تحدثها القوّة هنا او هناك ….
بيد ان بعض المطالبات وكذلك التسميات بقيت كامنة في خرائط الواقع الدولي الراهن مصدرا للصراعات والتوترات ، تستفيد منها المصالح الدولية الكبرى ومراكز الهيمنة بؤراً للتوتر المستدام وتنفخ فيها العصبيات القومية والجماعات الموتورة كلما وجدت الى ذلك سبيلاً ، غير ان العقلانية والحكمة تستدعي دائماًوضع تلك الامور في اطارها الصحيح والبحث عن تسويات وحلول مرضية لجميع الاطراف لتجنب الصراعات التي لاطائل من ورائها والهدر والضياع في الطاقات والفرص البشرية وما يترافق معها من دماء وإمكانات وآمال …
اما الصراع حول التسميات التاريخية فهو من اكثر الصراعات التي يجب ان تجد لها حلولا عقلانية وتسويات تستند الى المنطق وتجنب ان تتحول الى سبب للكراهية او التأليب او التوتر ….
فبالنسبة لتسمية الخليج مثلا ، وفيما اذا كان يجب تسميته فارسيا او عربيا فمن المعلوم ان المصادر التاريخية الغربية كانت تسميه “الخليج الفارسي ” او خليج فارس في حين كانت الخرائط العثمانية تسميه ” “خليج البصرة ” حينما كانت ولاية البصرة تضم كل الساحل المطل على الخليج وتمتد حتى ساحل عُمان، اما بعد منتصف القرن العشرين فقد غلبت عند العرب والدول العربية واستقرت تسمية ” الخليج العربي” وهذا منطقي وصحيح خصوصا بالنسبة للدول العربية العديدة التي تحيطه وتطل عليه فيما بقيت ايران تسميّه الخليج الفارسي استمرارا للتسمية القديمة ولكونها كذلك تطل عليه من اغلب سواحله الشرقية ، وهو امر منطقي ولا اعتراض عليه ، فهل يصلح هذا الامر ان يكون بؤرة للتوتر ومحلّا للصراع ومبعثاً للكراهية ؟!
في الواقع ان لا أمة او مجتمعا يخلو من الجماعات العنصرية والقوى المتعصبةوالأحراقيين الأفراد الذين يجدون في هذه الموضوعات ضالتهم المنشودة بغض النظر عما اذا كانت هذه التوترات والدعاوى تخدم مصالح تلك الامة او ذلك المجتمع او على العكس تجلب له الكراهية وتخلق له الاعداء وتؤذي مصالحه الحقيقية ، ومن ذلك ما صدر عن اتحاد الكرة الايراني من اعتراض ومطالبة استفزازية بل ومفتعلة وفي غير محلها تماما حول تسمية كأس خليجي ٢٥، مما تلقفته وسائل الاعلام ومواقع التواصل ، بل وهللت له ، واشعل جوا مشحونا بالتوتر والشكوك ضد ايران نفسها ، دون ان يعود عليها باية فائدة متوقعة ، في المقابل !