الأبراهمية ، وصفقة القرن!
رنا علوان
قبل البِدء بالتعريف عن هذه الديانة ، [دعونا نمسك بطرف الخيط] عبر سؤالٍ بديهي
من يقف وراء هذا المشروع ؟!؟
يقف وراء مشروع “الديانة الأبراهمية” مراكز بحثيّة ضخمة وغامضة ، انتشرت مؤخرًا في ربوع العالم ، وأطلقت على نفسها اسم [مراكز الدبلوماسية الروحية] ، ويعمل على تمويل تلك المراكز أكبر وأهم الجهات العالمية ، مثل ( الاتحاد الأوروبي ، صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، والولايات المتحدة )
ناهيك عن العديد من المُنظمات ، اهمها ” منظمة إسرائيلية تعرف بـ IEA organization”
وبما ان العدو يعرف جيدًا من اين تُأكل الكتف ، فإن هذه المُنظمة ترى أن الدين يمكن أن يكون حلاً لجميع الصراعات ، حيث تدعو المنظمة إلى “التسامح” و”التوّحد بين الأديان” وتقوم بأعمال إنسانية لإظهار الوجه الإنساني للدعوة المشبوهة
ولا يمكن لنا التحدّث عن هذه الديانة دون التطرق للمُفكر الفرنسي “روجية جارودي” الذي يُعتبر من أبرز الذين دعوا لوحدة الأديان وذلك قبيل إسلامه حتى بعد إسلامه بقليل ، فطرح نوعيّن من الوحدة [أحدهما وحدة صغرى وهي “الإبراهيمية”، ويهدف من ورائها إلى توحيد الأديان التي تُعلن انتماءَها إلى أبي الأنبياء إبراهيم وهي الإسلام والنصرانية واليهودية ، والنوع الآخَر وَحدة كبرى تشمل الجميع حتى الوثنية والملحدين] ، ولكن لم تكن تلك هي الخواتيم في عالم الأفكار والمواقف ، وشخصيًّا لا ادري هل طرحها “جارودي” كفكرة تحمل نوع من انواع البراءة ، ومن ثم تم شيطنتها مِن مَن يهمه الأمر ، ام هي في الاساس كانت فكرة شيطانية مذ ولادتها
إذًا ، في التعريف الظاهري ، هي ديانة تهدف الى صهر الديانات الثلاث [الإسلامية ، والمسيحية ، واليهودية ] التي تعود الى “جذرًا تاريخيًا واحدًا” يربط بين عقائدهم التي يتّبعونها اليوم ، وإن ابراهيم (ع) المذكور في كتبهم المقدسة كمؤسس وأب للشرائع السماوية التي انتشرت في منطقة الشرق الأوسط ، على اعتبار أنه الجذر الرابط بين أديان المنطقة التي انتشرت في مختلف انحاء العالم ، حتى وصل أتباع الأديان الإبراهيمية الثلاثة إلى أكثر من نصف سكان العالم اليوم
لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا ، وهي “أبراهمية نسبة لـأبراهم” وليست “الإبراهيمية نسبةً لإبراهيم (ع) ” وهذا هو جوهر الإختلاف ، بيد انه في الواقع هو “مشروع صهيوني غربي يهدف إلى توظيف رمزية النبي إبراهيم (ع) أما لماذا اسم ابراهيم ام ابراهم تحديدًا دون انبياء آخرين كـ موسى (ع) لأن مصطلح “الإبراهيمية” قديم نسبيًا ( وقد بدأ كمشروع في أروقة مراكز البحوث والدراسات الأمريكية والأوربية ، وجامعات عالمية كجامعة هارفارد الأمريكية المعروفة بإنحيازها الكبير إلى الصهيونية ، حيث أرسلت في التسعينات خبراء إلى المنطقة لإيجاد “مشترك” يمكن من خلاله تنفيذ مشروع يهدف إلى إضعاف تمسك المسلمين بالإسلام وتمييع الهوية الدينية والتمهيد لاحتلال المنطقة بأسلوب ناعم وخبيث
وجد أولئك الخبراء أن سيدنا إبراهيم (ع) هو المشترك بين ما يسمونها الأديان الثلاثة ” فقرروا قاعدة نظرية يمكن من خلالها إخراج المسلم من دينه إلى فضاء اللادين ، ثم استبعاد الإسلام والمسيحية ويتم الإبقاء على اليهودية ، وتنص هذه القاعدة على أن :
[الإسلام يعترف بالمسيحية واليهودية … والمسيحية تعترف باليهودية … واليهودية لا تعترف بأحد ] ، وهذه حقيقة “المشترك الإبراهيمي”
أما السؤال الذي يفرض نفسه ، هل هناك علاقة بين المشروع الأبراهيمي وصفقة القرن ؟!؟ بالطبع نعم
ان مشروع الديانة الابراهمية قديم وليس وليد السنوات الأخيرة ، وهو اقدم من اوسلو ، التي اتى على ذكره اسحاق رابين خلال توقيع الإتفاق بحضور الرئيسين بيل كلينتون وياسر عرفات حيث قال المجرم رابين خلالها [ انهم جميعهم ابناء ابراهيم ]
وفي اتفاق وادي عربة بين الأردن والكيان الصهيوني اكتفى كلينتون بإقتباس آيات من القرآن ، للقول أن السلام سيعم على “أبناء إبراهيم”
وفي العام 2013 خلال زيارة الرئيس باراك اوباما ، الكيان الصهيوني ، امتدح التجربة الصهيونية في إنشاء دولة لكل اليهود من كل أنحاء العالم وقال [إن هذه تجربة إنسانية عالمية بكل معانيها ، ويجب ان يتظلى تحتها الديانات الأخرى ويتوحدوا]
وفي العام 2015 أصدرت جامعة فلوريدا الأميركية ، وثيقة رسمية تتحدث عن “الاتحاد الفيدرالي الإبراهيمي”، وذلك تمهيد لما يسمونه الولايات المتحدة الأبراهيمية ، التي تنصهر فيها الحدود السياسية ، بغيّة إكتساب “حدود جديدة”
أما حدود هذه الولايات المتحدة الإبراهيمية (أو “الديانة الإبراهيمية”) هي نفس الحدود التي وضعها العدو اللقيط (من النيل إلى الفرات)
ففي المشروع الأبراهيمي ، يَفترض أن تُلغى “الحدود السياسية” بين الدول “لا حدود سايكس بيكو ” والتي تُمثّل ما يسمى بالمسار الإبراهيمي ، وهي الرحلة التي قام بها نبي الله إبراهيم (ع) من العراق إلى مصر حسب الرواية المسيحية … وإلى مكة حسب الرواية الإسلامية
هذه الحدود هي للمُفارقة نفسها الحدود التي يصبو إليها الكيان الإسرائيلي [ من النيل (مصر) إلى الفرات (العراق) ، وأما الحجاز (مكة والمدينة) فهي مما يعتبرها اليهود من ممتلكاتهم التي هُجّروا عنها]
كما نجد في كتاب “العودة إلى مكة” للكاتب اليهودي “دينيس آفي ليبكين”، والذي عمل لسنوات كضابط في جهاز الموساد الإسرائيلي ، وهو يحلم بـ “العودة إلى مكة” ما يدّل على أن مكة المكرمة ستكون ضمن حدود ما يسمى الولايات المتحدة الإبراهيمية
أما معهد space Island والمجلس الدولي للمسيحيين واليهود في أمريكا كلاهما بشر بـ “الديانة الإبراهيمية” من قديم ويقومان بالدور الأكبر في الدعوة إلى الدولة الإبراهيمية وينظمان العديد من المؤتمرات برعاية الأمم المتحدة وتحت راية “الحوار والتوحيد بين الأديان الثلاثة”، تقام بعض تلك المؤتمرات في ألمانيا ويتم دعوة الكثير من الشباب من جميع أنحاء العالم والدعوة إلى “الدين الرابع الجديد” بدعوى أنه القادر على نشر السلام
نأتي الى الصرّح الإبراهيمي في العراق
يبني هذا المشروع امتداده على اعتبار أن النبي إبراهيم (ع) تحرك في مسار بدأ من مدينة “أور” بالعراق … ثم إلى الشام وتركيا ومصر … واستقر في مكة
لذلك يرى صُنّاع هذا المشروع أن البلدان التي مر منها هذا المسار (وهي عشر دول) يجب أن تكون تحت سيطرة “الكيان الإسرائيلي”
وللتنويه ان هذا المشروع لم يستثنِ ايران من الدول العشر هذه ، لسببين (الأول أنها دولة نفطية ويجب الاستيلاء عليها ، والثاني أنها ستكون “حجر عثرة” أمام نجاح المشروع فيما لو تُركت حُرة بسبب توجهاتها الثورية وانخراطها في محور المقاومة وعدائها الصريح للكيان الصهيوني الوظيفي
وعليه تم إعادة إنشاء “بناء المسار القديم” في عام 2007 من قبل مبادرة “مسار أبراهام”، وهي منظمة غير ربحية مسجلة مقرها في كامبريدج ، ماساتشوستس ، الولايات المتحدة ، مع شبكة عالمية من الشركاء
وتم اعتماد مبادرة مسار إبراهيم من قبل منظمة “السياحة العالمية” التابعة للأمم المتحدة ، وتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة وشركاء دوليين آخرين
هذا المشروع كأي شيء يخص الصهيونية “العلمانية” له وجه ظاهري عقائدي ، الذي (ما هو في حقيقة الأمر سوى شماعة للوصول الى الوجه الإقتصادي الأساسي والأهم لديها) ، فهذا الصرح هو “للإستثمار السياحي” ، وبسط الهيمنة وسرقة موارد وثروات الدول ، والاهم طمس المعالم التاريخية الحقيقية التي هي بمثابة حُجة لتبيان زيفهم وكذبهم ، كما الوصول بجميع الأديان الى الإلحاد
وكما هو معلوم للجميع ان ارض العراق كانت ولا زالت ساحة لحرب باردة بين الشيطان الأكبر اميركا والتنين الصيني الذي يعمل منذ سنوات على مشروع “ميناء الفاو الكبير” في البصرة جنوب شرق العراق ، ويُعدّ نقطة انطلاق لمشروع “طريق التنمية” الذي سيربط البلاد بأوروبا من خلال تركيا عبر محافظات الديوانية والنجف وكربلاء وبغداد والموصل ، وبحسب خبراء الملاحة الدولية سيغير الميناء خارطة النقل البحري العالمية ، وسيتم نقل البضائع من الصين واليابان وجنوب شرق آسيا إلى أوروبا عبر العراق وبالعكس ، وسيكون منافسًا قويًا لقناة السويس على البحر الأحمر ، بالإضافة إلى أنه سيكون قادرًا على نقل النفط والغاز والمواد الكيميائية ، وجميع منتجات التجارة العالمية الأخرى ، ما يعني أن هذا الطريق سيعمل على تقليل الوقت اللازم للنقل بين أوروبا وآسيا 11 يومًا أقله
وقد صدرت وثيقة في جامعة هارفارد عام 2013 تعزز هذا التوّجه ، وقد سُميت هذه الوثيقة بـ “مسار إبراهيم”
ومن الملاحظ أن البنك الدولي يروّج لما يسمى بالمسار الإبراهيمي عبر “مبادرة المسار الإبراهيمي” التي تفترض السير على خطى نبي الله إبراهيم عليه السلام في عشر دول بما تسميه “السياحة الثقافية” التي لا تقتصر على الرحلة والاستهلاك بل “سيبث السواح أفكارًا جديدة ويعقدون لقاءات على طول المسار”
كما يُبشر البنك الدولي بالآثار الاقتصادية والمميزات التي سيحصل عليها أبناء القرى والمدن الواقعة ضمن المسار ، وقد ذكر البنك الدولي أن ثمة مسارات مشابهة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية ، ولم يتبقَ سوى “الشرق الأوسط”
ختامًا ، يسعى هذا المشروع إلى تعزيز “الإلحاد” والدعوة إليه من خلال نشر الأسئلة المشككة والمحيرة بين أوساط الشباب غير المتعلمين وقاصري الوعي الديني ، إذ لا يشترط “الدين الأبراهيمي” المزعوم على معتنقيه أن يكونوا أصحاب دين ، بل قد يقبل فيه اللادينيون، “فالدين الإبراهيمي” دين عالمي يدخل فيه من يشاء
ناهيك عن أن مفهوم الديانة الإبراهيمية يمثل خطرًا كبيرًا على القضية الفلسطينية ، إذ يزعم المؤيدون لهذا المفهوم أن لليهود الصهاينة حق بمدينة القدس وبالتالي يحق لهم السيطرة عليها وإدارتها ، وبالتالي “تهويد القدس” كما يؤدي إلى :
-تقويض الهوية العربية والإسلامية للقدس ، من خلال تهديد طمس المعالم الإسلامية والمسيحية في المدينة وتغيير طابعها التاريخي والحضاري
-شرعنة الاحتلال الإسرائيلي الغاصب ، حيث يُمنح الاحتلال غطاءً دينيًا يبرر سياساته التوسعية في القدس
-ويضاف إلى ذلك إضعاف الموقف الفلسطيني ، من خلال تشتيت الجهود الفلسطينية وإضعاف موقفها في أي مفاوضات كانت
ولا بد لنا ان نذكر بند في “اتفاقات ابراهم” المُكمّلة لصفقة القرن ينص على ان [ كل سلالة إبراهيم مُطالبة بالصلاة في جبل الهيكل (المسجد الأقصى) ما يعني وضع اليد عليه وإلغاء قدسيته
ومما يُثير الحيرة أيضًا ، [هو جمع هذا المشروع بين المتناقضات] ، لأنه كما هو معلوم (أن الدول الغربية تدّعي العلمانية وتتخذها منهجًا لها في علاقاتها بين الدين والدولة ، ولا تعتمد “الدين” لحل النزاعات السياسية بين الدول ، بل وتحاول استبعاد أي وصف للنزاعات بأنها نزاعات دينية) ، بينما في هذا المشروع الأبراهيمي نجد العكس تمامًا ، فالعنوان بحد ذاته ديني” والنزاعات دينية والديبلوماسية روحية ، والسلام سيعم بفضل الدين المزعوم ، بعد أن كان الدين سبب “شقاء المجتمعات كما كانوا يدّعون”
ومن جانب آخر يظهر المشروع داعيًا إلى “دين” جديد بينما مبادئه وآلياته تسمح باللا ديني والملحد وأتباع ما تسمى بالديانات غير السماوية بل وتعمل أجنحة خفية من المشروع على نشر الإلحاد والترويج له بالتدريج ، كما العمل على تحويل بعض المشاعر المقدّسة إلى منتجعات سياحية وسلبها الطابع الديني ، وبالتالي ستكون النهاية القضاء على جميع الفرائض مع تقديم البديل وهو (المسار الإبراهيمي)
2024-08-22
