الحرب الاوكرانية… 3!
اضحوي الصعيب*
تقع اوكرانيا جغرافياً مقابل القلب الروسي والقلب الاوربي في نفس الوقت. كان فيها عندما تفكك الاتحاد السوڤييتي أكثر من 2000 رأس نووي مما جعل الدول الكبرى تنشغل زمناً بكيفية التخلص من تلك الترسانة. وكان فيها مقر قيادة اسطول البحر الاسود السوڤييتي. فلما حسمت أمرها واتجهت غرباً منذ عام 2014 قرر الروس التصدي لها بالقوة اذا لزم الامر.
اتخذ الغربيون من اتفاقية مينسك غطاءً لكسب الوقت ريثما يكملوا إعداد اوكرانيا للوقوف بوجه روسيا. وفي المقابل أعد الروس عدتهم كاملة للمنازلة، ودعوا الغرب للتفاوض حول الموضوع. والتقى الرئيسان بوتين وبايدن اواخر عام 2021 عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، حيث طرح الروس ان دخول اوكرانيا حلف الناتو يشكل خطراً على أمنهم القومي، وطلبوا من الغرب عدم قبولها عضوًا في الحلف. فرفضت الولايات المتحدة ذلك وقالت ان اوكرانيا حرة في اختيار الوجهة التي تريدها.
يعلم الامريكان ان جوابهم هذا يقود الى حرب مؤكدة، وكانوا يريدون اقحام روسيا فيها. وكانت اوكرانيا على درجة من الاستعداد لم يتوقعها الروس. فلما اندلعت الحرب وجد الروس انفسهم في مأزق.
وقبل الحديث عن مجريات الحرب لا بد من كلمة للتاريخ. ان دخول الحروب ليس مزحةً يتعاطاها السياسيون عندما يرغبون، فالحرب مأساة يجب ان يفكر القائد الف مرة قبل الإقدام عليها،. ان يحاول تجنبها بكل الوسائل اذا استطاع، وان يقدم التنازلات الممكنة لتجنيب شعبه ويلاتها. فما بالك بحرب طرفها الاخر ثاني اقوى دولة في العالم!!.
كان المطلوب من زيلينسكي كلمة واحدة تقيه وشعبه هذه الكارثة الكبرى فبخل بها على أمن وطنه ومستقبل أمته. المطلوب فقط ان يتعهد بعدم الانضمام للناتو وتنجو اوكرانيا من هذه النكبة التي قد تقضي عليها كدولة من اكبر دول اوربا، فرفض ذلك واختار الحرب. فهل اصبح عضواً في الناتو؟ لا، لم تقبله الدول التي شجعته على رفض التعهد!. لقد أعطته كل ما يحتاج من اسلحة واموال، لكنها لم تعطه جندياً نظامياً واحداً فواجه العملاق الروسي بشعبه وحده.
كان عليه ان يتساءل لماذا يغريه الغربيون كل هذا الاغراء لمحاربة روسيا، وكان عليه الادراك بأنهم يفعلون ذلك استهدافًا لروسيا لا حبًا بأوكرانيا.
خلال الحقبة الشيوعية كان الناس في المعسكر الشرقي ساخطين على انظمتهم الاشتراكية ويحلمون بالتحول الى النظام الراسمالي. وثاروا مراراً: في المجر (1956) وفي چيكوسلوفاكيا (1968) ثم في بولندا سلمياً منذ عام 1977. وكان الشيوعيون يقمعون تلك الثورات بلا هوادة حتى خرجت الامور عن السيطرة اواخر عام 1989 بسقوط جدار برلين المتزامن مع ثورة الشعب الروماني، فانهارت بذلك الكتلة الشرقية وتجربتها الاشتراكية.
ان مواقف الشعوب تلك مفهومة ومبررة، لكن بعد سقوط الكتلة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوڤييتي لم يعد لتلك المواقف ما يبررها. فالدول الشيوعية اصبحت راسمالية هي الاخرى وانتهجت ذات النظام المتبع في الغرب.. أليس هذا ما كان يحلم به الناس؟ فماذا يريدون بعده؟.
ان مواقف الشعوب لا تخضع لحسابات الربح والخسارة والخطأ والصواب، وانما لها معاييرها النفسية والمزاجية والروحية المنفصلة عن الاعتبارات السياسية. الموقف الشعبي يشبه امواج البحر العاتية، يتجه الى اليمين حتى يستنفد كل طاقته ثم يتباطأ ويتوقف ويعود الى اليسار حتى منتهاه. حسابات الربح والخسارة ليست مطلوبة من المجتمع كمجتمع بل مطلوبة من السياسيين ان يحسبوا الامور جيداً ويقودوا شعوبهم بالحكمة لا بالعواطف، فيجنبونهم المخاطر والمصائب. وكان على الرئيس الاوكراني ان يفعل ذلك طالما ان الثمن مجرد اعلان بعدم الانضمام الى الناتو، فلم يفعل وجعل من شعبه وبلاده أداةً في صراعات دولية اكبر من حجمه بكثير.
( اضحوي _ 1835 )
يتبع
2024-08-22