أوكرانيا: تجار الحرب الأوروبيون يشاكسون ترامب، لكن لا اجماع على “تحالف الراغبين”!
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن ما يسمى بقوة “الضمانات” الأوروبيّة التي يشكلها “تحالف الراغبين” للانتشار في أوكرانيا حال التوصل إلى تسوية للحرب هناك ستتبلور خلال الشهر المقبل، حيث سترسل فرنسا وبريطانيا ضباطاً عسكريين إلى كييف لوضع خطط محددة.
سعيد محمد *
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن ما يسمى بقوة “الضمانات” الأوروبيّة التي يشكلها “تحالف الراغبين” للانتشار في أوكرانيا حال التوصل إلى تسوية للحرب هناك ستتبلور خلال الشهر المقبل، حيث سترسل فرنسا وبريطانيا ضباطاً عسكريين إلى كييف لوضع خطط محددة.
وقال ماكرون على هامش قمة في باريس حضرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقادة ومسؤولون من ثلاثين دولة بما فيها بريطانيا: “أعتقد أنه في غضون ثلاثة إلى أربعة أسابيع، سنسوى هاتين المسألتين: كيفية رفد هيكلية الجيش الأوكراني وبنية (قوة الضمانات)، وبالتالي انجاز خطة عمل دقيقة إلى حد ما بعد تحديد الاحتياجات، وكذلك أدوار الفرقاء المساهمين”. وأضاف: “إن مسؤولين عسكريين فرنسيين وبريطانيين سيذهبون إلى هناك حتى يتمكن الأوكرانيون من إخبارنا بالضبط بما يحتاجون إليه، والمواقع التي يريدون نشر القوات فيها “. مؤكداً على أن “لا شيء خارج الطاولة، لذلك يتم النظر في القدرات البحرية والجوية والبرية”.
من جهته قال رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر الذي حضر القمة أن “أعضاء تحالف الراغبين تقدموا بعروض لمساهمات في كل الجوانب من الخدمات اللوجستية والقيادة والسيطرة إلى عمليات الانتشار في البر والجو والبحر”. وقال للصحافيين: “هذه أوروبا تحشد معاً وراء عملية السلام على نطاق لم نشهده منذ عقود”.
وبدا زيلينسكي الذي ظهر في باريس منتشياً بفضل تجدد الدعم بعد إذلاله العلني الشهر الماضي في البيت الأبيض، وقال للقمة: “إن قوة وحجم الجيش الأوكراني سيكونان دائماً الضامن الرئيسي لأمننا”، مضيفاً: “نحن بحاجة إلى بناء كل شيء آخر حول ذلك – قواتنا الدفاعية ومعداتها وتقنيتها وفعاليتها: هذا يظل الأساس”. وأجابته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن الاتحاد الأوروبي سيدفع حصته من قرض بقيمة 50 مليار يورو لأوكرانيا يتم العمل بين القوى الأوروبيّة على توفيره لمنح نظام كييف أموالاً تشتد الحاجة إليها لشراء المزيد من الأسلحة.
وتنسق فرنسا وبريطانيا مبادرة أطلقتا عليها اسم “تحالف الراغبين” بغرض نشر قوات أوروبية في أوكرانيا لتأمين المواقع الأكثر حساسية مثل المدن والموانئ والمباني الرسمية عند نضوج التسوية هناك، ولتكون بمثابة رادع ضد أي عدوان روسي مستقبلي، لكن التحالف اضطر إلى تقليص طموحه في الأسابيع الأخيرة بعد اجتماع تقني في لندن الأسبوع الماضي، وبدأ يتحدث أكثر عن تعزيز قدرات الجيش الأوكراني والاقتصار على تقديم دعم جوي ولوجستي وذلك وسط انقسامات تفاقمت بين أعضائه بسبب استمرار رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الالتزام بتوفير الحماية لقوات أوروبيّة على الأرض، أو دعمها استخباراتياً ولوجستياً.
وبينما وافقت بعض الدول مثل الدنمارك ودول البلطيق (أستونيا، وليتوانيا، ولاتفيا) على مبدأ إرسال جنود إلى جانب فرنسا وبريطانيا، فإن دولاً أخرى مثل بولندا واليونان قالت إنها لن تشارك بقوات لا يتوفر لها غطاء أمريكي، وستكتفي بتقديم المعدات والدعم اللوجستي، فيما رفضت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، فكرة نشر قوات أوروبيّة في أوكرانيا تجنباً للظهور في موقع المعطّل لجهود التسوية التي تتولاها الولايات المتحدة، واعتبرت أن النقاش برمته “سابق لأوانه”.
ويشدد خبراء عسكريّون بأن أي قوّة أوروبيّة بريّة لن تتمكن عملياً من الانتشار في أي موقع في أوكرانيا دون حماية أمريكيّة، وقللوا من قيمة ادعاء ماكرون (الأربعاء الماضي) بإن قوة تحالف الراغبين سترد إذا تعرضت لهجمات روسيّة لأن ذلك قد يعني فتح حرب مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو أمر يتعارض كليّة مع أهداف الإدارة الأمريكيّة الجديدة بشأن أوكرانيا.
ويبدو أن الفرنسيين والبريطانيين – أهم منتجي السلاح الأوروبيين – لديهم مصالح تتعلق ببيع المزيد من أدوات القتل سواء للجيش الأوكراني أو لتسليح قوة “ضمانات” أوروبيّة ولذلك يدفعون نحو العسكرة بخطاب عال، فيما تتمهل بقية القوى الأوروبيّة ولا ترغب بالتشويش على المسار الذي أطلقه الأمريكيون بغرض التوصل إلى تسوية للحرب المستمرة في أوكرانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات.
واستخدم الفرنسيون القمة منصّة لمشاكسة خطط الرئيس ترامب عبر الإعلان عن رفض المطالب الروسيّة برفع العقوبات الغربيّة على قطاعات الأسمدة والمحاصيل الزراعية لأجل تحييد البحر الأسود عن الأعمال القتاليّة، وأبلغ ماكرون الصحافيين، بأنه “على العكس تماماً. إن ما ناقشناه (في قمّة باريس) هو كيف يمكننا زيادة العقوبات وفرض مزيد من الضغوط لجلب روسيا إلى طاولة المفاوضات”. كما وأصدرت المتحدثة باسم إدارة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي بياناً قالت فيه إن أحد “الشروط المسبقة الرئيسية لرفع أو تعديل العقوبات المفروضة على روسيا هو إنهاء العدوان الروسي غير المبرر على أوكرانيا، والانسحاب غير المشروط لجميع القوات العسكرية الروسية من كامل الأراضي الأوكرانية”.
على أن الأمريكيين تجنبوا إلى الآن التعليق على تفلسفات الأوروبيين، ووجهوا في المقابل رسالة صارمة إلى أوكرانيا بشأن صفقة شاملة أكثر تطلباً للسيطرة على المعادن الثمينة وأصول الطاقة في البلاد، ودون تقديم أي ضمانات أمنيّة مستقبلية، فيما استغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارته لغواصة نووية من طراز جديد للدعوة إلى وضع أوكرانيا تحت شكل من أشكال الإدارة المؤقتة للإشراف على انتخابات جديدة.
وقال بوتين: “إن هذا من شأنه أن يمهد الطريق للسلام”، مؤكداً على رغبة روسيا بالتوصل إلى “حل سلمي للحرب، لكن ليس على حسابنا”.
ونقل الإعلام الروسيّ عنه قوله: “يمكن إدخال إدارة مؤقتة في أوكرانيا تحت رعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة والدول الأوروبية وشركائنامن أجل إجراء انتخابات ديمقراطية وتشكيل حكومة تتمتع بثقة الشعب، ومن ثم بدء محادثات مباشرة معها حول معاهدة سلام دائم”.
وقد سارع متحدث باسم البيت الأبيض إلى رفض الاقتراح الروسيّ، لكن تجاهل كلا الطرفين – الروسي والأمريكي – لقمة باريس كان لافتاً.
وكانت صحيفة بريطانية قد كشفت إن مسودة اتفاق جديد أرسلتها الولايات المتحدة إلى كييف يوم الأحد الماضي تتضمن سيطرة أمريكيّة شاملة على جميع الموارد المعدنية – بما في ذلك النفط والغاز وأصول الطاقة الرئيسية – في جميع أنحاء الأراضي الأوكرانية وبأوسع مما كان يدور النقاش حوله سابقاً.
ووفق المسودة الجديدة تريد الولايات المتحدة تشكيل مجلس أمريكي-أوكراني للإشراف على صندوق استثمار مشترك لتقسيم الدخل من مشاريع النفط والغاز والمعادن بين البلدين، تعين واشنطن ثلاثة من أعضاء مجلس إدارته الخمسة، ما يمنحها حق النقض الكامل على قرارات الصندوق. ولا تذكر المسودة ملكية الولايات المتحدة لمحطات الطاقة النووية الأوكرانية كما اقترح الرئيس ترامب سابقاً، ما يشير إلى أن الروس قد رفضوا ذلك بشكل قاطع.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسينت إنه يعتقد أن الصفقة يمكن توقيعها في وقت قريب خلال الأسبوع المقبل، ما قرأه مراقبون دلالة ثقة متزايدة لدى الإدارة الأمريكيّة بفرص نجاح مفاوضاتها مع روسيا لإنهاء الصراع، وإطلاق صيغة تعاون بين الدولتين العظميين لاقتسام الكعكة الأوكرانيّة.
وعلى الرّغم من حذر الرئيس الأوكراني بشأن إعلان موقفه حول المسودة الجديدة واكتفائه بالشكوى من استمرار الأمريكيين بتغيير مواد الصفقة العتيدة، إلا إن عدة مسؤولين أوكرانيين كبار قالوا للصحف بأن الاقتراح الأمريكي الجديد “غير عادل”، ويقوض سيادة بلادهم، ويوجه الأرباح من مواردها إلى الخارج، ويعمق اعتمادها على واشنطن، فيما شبهه أحدهم ب ““السرقة في وضح النهار
لندن
2025-04-02