ما وراء الرواية روايات!
درصاف بندحر
عودة البحار، رواية لجورج آمادو دي فاريا (Jorge Amado de Faria) .هو روائي وصحفي وسياسي برازيلي عاش بين عامي 1912 و2001 .
يعتبر “جورج أمادو ” من أهم كتّاب البرازيل.
“عودة البحار” تروي حكاية “فاسكو دو أراغان”، الفتى المدلل الذي ورث عن جده لأمه ثروة كبيرة، بددها على السهرات مع الأصدقاء في اللهو.
كان يخالط طبقة مهمة في مجتمع مدينة “باهيا” البرازيلية.
ضم أصدقاؤه الطبيب والضابط والقاضي والمحافظ…
كان كل واحد منهم يحمل لقبا مهماً يسبق اسمه. الوحيد الذي لم يكن لديه صفة تزين اسمه هو بطل الرواية، البحار.
“كارول”، إحدى شخصيات الرواية، صاحبة ملهى، تقدمه إلى ضيوفها بالسيد “دو أراغان”، اسم لا يحيل على أي صفة.
كان هذا الأمر يسبب له شعورا بالنقص والدونية.
انتشله صديقه، مدير المرفأ، بأن رتب له امتحاناً شفويا للحصول على لقب “رئيس بحارة”، فحصل عليه. بل وتحصل أيضا على شهادة موضوعة في إطار. هكذا أضحى بحارا وصاحب شهادة من دون أن يضع قدمه على سفينة قط. كذلك تحصل على وسام المسيح من ملك البرتغال بعد أن دفع معظم ثروته لقاء هذا الوسام.
تتبدل الحياة، ويتفرق الأصدقاء ويتبدد المال.
على مشارف الستين، يختار الكابتن المزيف قرية هادئة على ساحل البحر ليقضي فيها سنوات تقاعده، حاملا لقب رئيس بحارة سابق. يشتري منزلاً ويصبح من أهم متساكني القرية.
الكل كان يستمع إلى أكاذيبه الجميلة ومغامراته الزائفة في أعالي البحار ومضائق آسيا وافريقيا. لكن هناك من يصدقه وهناك من يكذبه.
في الحياة نصادف بحارة كثر، منهم من يصدقنا القول فنسمع منه كثيرا من الحكايات والروايات والمغامرات التي عاشها فعلا في رحلته الدنيوية. ولكن من البحارة من يروي لنا قصصا خيالية لا تمت لحقيقة مغامراته في الحياة بأي صلة مثله مثل بطل رواية “جورج آمادو”، البحار المزيف.
أما النوع الثالث فهو الذي يمزج بين هذا وذاك. يروي لك الحقائق ويزينها بالأوهام والخيال. ربما خياله هذا هو محاولة منه ليجعل من يستمع إليه منبهرا به. هو يريد أن يرى الدهشة في عيون الآخرين. قد تعوضه نظرة الانبهار هذه عن شعور دفين بالنقص.
يدفع حب الظهور العديد من الأشخاص إلى اختلاق صفات فيهم ليست حقيقية. يروجون صورة عن أنفسهم لا تطابق الواقع. يحيطون حضورهم بهالة من الغموض ويتصنعون وهجا يخطف الأنظار.
فماهو أثر ما نسمعه علينا؟
الأشخاص الذين نصغي إليهم عندما نثق بهم نصدقهم وننبهر بصفاتهم الوهمية. ربما هم أيضا يحيون الدور إلى حد تصديق أنفسهم.
الهالة التي يحيط بها هؤلاء الأشخاص أنفسهم قد تصيبك بالعمى المؤقت فلا ترى الحقيقة.
وهم يعيشون الدور ويرون نظرة الدهشة في عينيك ربما يقولون في أنفسهم كم هو طيب هذا الذي ينظر إلينا بكل هذا الإندهاش. الطيبة عندهم تعني السذاجة. هؤلاء فاتهم، فيما فاتهم، أن ليس كل طيب بساذج.
بعد أن تزول الغشاوة عن العين وتكتشف حقيقة الشخص الذي انبهرت به ستعرف أنه وبقطع النظر عن أقوال أو أفعال ذلك الشخص فإن عقلك هو الذي زيف لك حقيقته. عندما يزين لك عقلك الحقيقة فأنت تتولى صياغتها وفق أهوائك ورغباتك. الحقيقة هنا كانت محض وهم.
الوهم، لغة، هو الظن الفاسد والخداع الحسي وكل ما هو غير مطابق للواقع. أما تعريفا، فالوهم هو إدراك الواقع على غير ما هو.
بحسب “نيتشه”، مصدر الأوهام هما الفكر واللغة. الفكر لأنه يلجأ إلى الكذب والتضليل وإخفاء الحقيقة التي يتوهم أنها خطِرة على وجوده فيخفيها تحت غلاف المنطق. أما اللغة فلأنها أداة الفكر، وهي تشبيهات واستعارات يصنعها الفكر.
إن كان الفكر واللغة مصدري الوهم فإن الإنسان وحده يكون عرضة للوهم. أما الحيوان فيعيش الواقع بحسب مستوى إدراكه الحسي.
إن وقوع الواحد منا في خديعة تقييمه وانطباعاته الشخصية تجعله يتوهم أن ما يراه في لحظة ما، هو الحقيقة (على نسبيتها) في حين أنها مجرد تخيلات.
النجاة من الوهم يكون في اللحظة الفارقة التي تتفطن فيها بأن ما كنت تعتقده حقيقة هو مجرد إنطباعات عقلية نتاج وقائع وظروف هُيِّئتْ لك او حصيلة تشويش سُلِّطَ عليك تسببت كلها أو بعضها في تأخير تفطنك. بالنهاية أنت تخلص إلى أن كل ذلك لم يكن جزءا أصيلا من المشهد.
للوهم زمن وللخلاص منه ثمن، ويطول زمن الوهم أو يقصر حسب اختلاف طباع وشخصية الموهوم من حيث مدى سرعة تلقفه للإشارات من حوله.أما ثمن الخلاص من الوهم فقد يكون باهضا قد ندفعه من صحتنا ونفسيتنا خاصة إذا كان البون شاسعا بين الوهم و بين ما اعتقدنا أنه حقيقة.
فلماذا يسيطر علينا الوهم إلى حد الانبهار بالأشخاص دون إدراك حقيقتهم؟
إن عدم ثقتنا في الواقع يجعلنا عوض التأقلم مع هذا الواقع نفتش عن مثال غائب فنحاول أن نبحث عن أشخاص نلبسهم صفة المثالية ونضخم صورتهم في أذهاننا. بعدها نصاب بالصدمة عندما يظهرون على حقيقتهم. إذا المشكلة تكمن بالأساس في نظرتنا نحن وليست في الشخص الذي أحاط نفسه بهالة لا تتوافق مع حقيقته.
إن بحثنا المستميت عن صفات نموذجية للبشر هي أصلا من هواجسنا الذاتية.
إن تقصي العُمق والاهتمام بتفاصيل صغيرة قد لا يراها الآخرون تجعلك تتبين التصنع والكذب لترى أن هذا الوهج الخارجي ليس سوى قناع يغطي زيفا يسكن ذاك الذي سبق وأن انبهرت به.
يقول مثل إفريقي:”من يُمعن التّحديق يُبصر” ..
قد تكون الحقيقة العارية للأشخاص حقيقة باردة ميتة فنسعى إلى إحيائها حبا أو طيبة. نسمعهم فنحب تصديقهم ومصادقتهم لكن يذهب الجهد هدرا لأن الأرض الجدباء لا تنبت زرعا حتى وإن أغرقتها السماء ماء.
إن الشخص الحقيقي ليس الذي يبهرك بما يرويه لك بل هو الذي يبني مكانته عندك بتراكم الأفعال والمواقف. هو ذاك الذي و أنت تصغي إليه تشعر أنك تحط الرحال في أرض غنية تربتها، كلما سقيتها أخصبت.
يقول الشاعر الفقيه جلال الدين الرومي”ثمة صوتٌ لا يستخدم الكلمات، أنصِت إليه.”
عندما تصغي لذلك الصوت سينبت لك جناحان لتتمكن من التحليق بحرية خارج أسر دائرة الكلام. حينها سترى جليا الصورة وتتبين إن هي حقا الرواية أم أن ما وراء الرواية روايات.
2022-04-05