عمل السفير القُرق ( أبو صالح) سفيرا لدولة الإمارات العربية المتحدة في بريطانيا لأكثر من عقد من الزمان وكان عميد السلك الدبلوماسي العربي في فترتين عصيبتين هما الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000- 2003 والعدوان الامريكي – البريطاني على العراق وما تلاه من احتلاله وتدمير دولته وجيشه وحضارته وتمزيق أواصر شعبه العربي بالتطييف والتقسيم الذي خدم مصالح فئة طائفية ضالة وأحد جيران العراق ولم يخدم مصالح الشعب العراقي لامن قريب او بعيد ولا الأمة العربية التي كانت عنوانا للعراق بغض النظر عن الموقف السياسي من نظام حكمه غير الديمقراطي. وكان ضد الغزو ويعي بأنه تم لخدمة إسرائيل وحدها ولإضعاف الأمة العربية ولاعلاقة له بمصالح شعب العراق والعرب مهما اتخذ من عناوين ومسميات براقة.لقد سعدت بالعمل كسفير للجامعة العربية بلندن في الفترة من عام 2000 وحتى عام 2005 وخلالها كنت قريبا سياسيا ووجدانيا من المرحوم السفير أبو صالح وأزعم أنه كان يسرني بمالم يكن بسر به أحد من أعضاء مجلس السفراء العرب.وعلى سبيل المثال لا الحصر كان من حقه كنائب لعميد السلك الدبلوماسي العام أن يصبح العميد العام لكل السلك الدبلوماسي في بريطانيا وعندما أنهى العميد العام مهمته طلبته الخارجية البريطانية وأبلغته بوضوح تام بأنه سيصبح العميد التالي وهذا يتطلب منه أن يلتقي بسفير إسرائيل ويستقبله في مكتبه ويحضر مناسبات اسرائيل” الوطنية” ويلبي دعواته المتعددة الأغراض ولايعرض عنه في المناسبات العامة. وكعروبي لم يقبل أن تصافح يده يد ممثل سلطة اغتصبت فلسطين وشردت شعبها واعتذر فورا.وغير دقيق ماذكره سفير السودان د.حسن عابدين في مذكراته بأنه اعتذر لأنه يهتم بالتجارة أولا.العمادة في لندن حلم سفراء كثيرين وبعض الدول لاتغير سفيرها – العميد وتتركه في موقعه لسنين طويلة. وللأسف لم يكن لدى سفير عربي آخر اعتراض لأن يصافح ويتعايش مع سفير الكيان الصهيوني وقد قبل مالم يقبله فقيد فلسطين والعروبة السفير القرق. وعلى المستوى الشخصي كان يحميني من ذئاب ثلاثة في مجلس السفراء العرب ويشخص لي أسباب عداءهم لي واعتراضهم أحيانا على جهودي المتواضعة في خدمة قضية فلسطين و القضايا العربية أو إحباطهم لجهود المجلس في دعمها والترويج لها لدى الرأي العام البريطاني وقد انتقد السفير غازي القصيبي سفير السعودية رحمه الله أحدهم في المجلس قائلا له لم الاعتراض على عمل هادف قمت به طوعا ويساعد المجلس في عمله وعلى جدول أعماله..ولن أنسى ماحييت موقفه من الانتفاضة الفلسطينية وقوله أنه كان يستيقظ في الليل ويتقفز على السرير ويدعو الله أن ينصر الفلسطينيين على عدوهم التوسعي الصهيوني ويصرخ أحيانا أين أنت ياالله؟. وعندما طلبت منه التبرع لصالح الانتفاضة أوضح لي أنه لايمكنه القيام بذلك منفردا وإنما ضمن دعم إماراتي حكومي وشعبي يجب أن تكون السعودية السباقة فيه. وعندما بدأت التبرعات كان هو المتبرع الأكبر الثاني ب3 مليون درهم. لم يكن المرحوم يخفي معاناته كبقية مواطني الإمارات قبل النفط وحكم حكيم العرب الشيخ زايد رحمة الله تغشاه. ولم يزعم أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب وكان يتحدث عن الافتقار للضروريات في ظل حكم المستعمر البريطاني وبالذات في مياه الشرب والتطبيب. وفي مذكراته “ينابيع الذاكرة” ذكر أن مواطنا في دبي كان يعاني من الصرع ولم يعالجه منه سوى سيٌد من اليمن.وعن علاقته باليمن فقد كانت قوية لأن عدن كانت من مقاصده قبل استقلال الجنوب ولأن له أواصر قربى مع عدنيين أغرتني بأن أقترح على المرحوم د. عبد الكريم الارياني وزير الخارجية حينذاك باستضافته في صنعاء وحثه على الاستثمار في اليمن وفعلا وجهت له دعوة مكتوبة ورسمية ولكنه اعتذر لأنه كما قال يعي معوقات الاستثمار في اليمن وعدم وجود بيئة سياسية صالحة له . تكرر هذا الموقف مع رجل الأعمال العراقي نظمي أوجي الذي كان يقول أنا جاهز بس انتوا مش جاهزين. كان المرحوم يفتخر بعروبته ويعلن عن حبه لجمال عبد الناصر ومما قاله لي أنه كان عضوا في مجلس إدارة بنك بريطانيا والشرق الأوسط وأنه دعي لاجتماع مجلس الإدارة في مصر وأن بعض الأعضاء المصريين بدأوا حديثا فيه سخرية من عبد الناصر وحينها كان الجفاف في دول الساحل الافريقي يفتك بحياة الآلاف ولم يطق صبرا وبصوت منخفض وبمنطق لايرد قال لهم أتعرفون لمن الفضل في أننا نتناول طبق السلطة الذي أمامنا..إن الفضل للسد العالي الذي بناه عبد الناصر وقاوم كل الضغوط وكان عدوان السويس من أسبابه ولولا السد العالي لعانت مصر من الجفاف كدول الساحل وخجل شانئي عبد الناصر مما قالوه واستغربوا أن يقول مثل هذا الكلام رجل إماراتي وثري ولم ينبس أحدهم ببنت شفة. كان المرحوم يعاني من آلام شديدة في مفاصل القدمين تعوق حركته إلى حد ما وبالذات صعود السلالم وقد اقترحت عليه أن يذهب للعلاج في امريكا ولكنه لم يقبل أن يذهب للعلاج في دولة عدوة. كان المرحوم رجلا خيرا وقد أسهم في بناء عدد من المساجد في بريطانيا ورمم أخرى وقد شاهدت بنفسي مسجدا في مدينة ليدز عام 2004 قال لي مسلمون هناك بأن السفير القرق أسهم في تكاليف ترميمه وتحسين وضعه وقال لي هو في منزله بلندن بعد أن ترك منصبه كسفير بأنه رمم قبة وضريح الإمام الشافعي بالقاهرة.ومن مآثره الخالدة والعظيمة مساهمته في تأسيس وتمويل المركز الإسلامي بمدينة أكسفورد التي بلغت تكلفة انشائه عدة ملايين عديدة من الجنيهات الاسترلينية وكان ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز ولايزال رئيسه الفخري وله ممثل في مجلس إدارته ومكتب فيه وكان السفير القرق عضوا في مجلس إدارته كأحد كبار المساهمين في تكلفة بنائه في المدينة التي بها أحد أقدم جامعات العالم وأهمها.
رحم الله السفير القرق وخالص العزاء وأصدقه لأسرته ومحبيه ولشعب الإمارات والأمة العربية كلها.الفاتحة إلى روحه الطاهرة.