العدالة….!

هيثم الناهي

التفريق ما بين العدل ومفاهيم أخرى، أمرٌ ذو دلالاتٍ بنيويةٍ لم يعتد الكثير على فهمه الفكري والتفريق بينه وبين المفاهيم القريبة منه أو المتضادّة عنه.

فالبعض لتعليله مفهوم العدال يلتجأ إلى المساواة، أو – كما يحذوا الرياضيون – يبرهنون المطلوب بعدم صحة الضدّ. وللحيلولة دون هذا الالتباس لعلنا ننخرط رويداً ضمن المفهوم اللغوي لنعود إلى الفكر والفلسفة بعد حين، نزولاً عند التفريق بين المفهوم الحديث والقديم للعدل والعدالة. وبهذا الصدد يقول لسان العرب في العدل “هو الإنصاف والقسط وإعطاء الحق من غير جور أو ظلم، أو إفراط أو تفريط، وهو أيضاً وضع الأمور في مواضعها الصحيحة وتسويتها”. ولكن لو انطلقنا من هذا المفهوم إلى لغة العدل وهي العدالة لوجدنا أن أي مُنظم لحياة البشرية (وهي نقصد الدين والمعتقدات) أن العدالة بمفاهيميها المتباينة والمتسقة هي محور أساسي في التشريع.

لنكن محقين في توفيق الآراء بهذا الصدد والإلتجاء إلى المفاهيم التي وردت إلينا من ديانات غير سماوية، فهذا بوذا (483-562) ق. م. يتشدق في العدالة فيعض اتباعه بالقول “لا تستسلموا لعبودية الذات فتقعوا في أعمالكم، واعلموا إنكم لا تجنون من المر عِنباً” . أي إنه إراد العدل الإجتماعي من خلال نبذ الغبودية. في حين ترى الكونفوشيوسية (551-479) ق.م. إن الأخلاق فطرية الوجود عند الجنس البشري لا انفصام لها عنه مادامت الروح سارية في الجسد. متخذةً من هذه الفطرية مساراً للوصول إلى فعل الشر سببه الجهل في فعل الخير. ولعل هذا أيضاً منحاً آخر خلط ما بين مفهوم العدل والعدالة بمفهوم فطرية الخير والشر عند الإنسان وجهله، وهو ما نرى أنه خلط ودمج لمفهوم العدل والعدالة.

الديانات السماوية الثلاثة الأساسية، ميّزت العدالة بشيء من الجدية في وضع الكون والخلق في إناءٍ من الوجود والتلاحم، فاليهودية على سبيل المثال تصف العدالة في العهد القديم بـ “كلامُ الربِّ مستقيمٌ، وكلُّ أفعاله حقٌ، يحبُّ العدلَ والأنصافَ، ومن رحمته تمتليء الأرضُ” (مزمور، 33 :4-5). وعلى نفس الخُطى شددت المسيحية على العدالة واتباعها، ووجدت أنها مساراً للسلام والانسانية، على عكس التحريف الذي جاء بالتلمود الذي وصف العدالة بالحق لأتباع اليهودية دون غيرهم فحسب. المسيحية في العهد الجديد ترى العدالة حقٌ في الوجود ولا بد أن تكون جزءاً من القدر البشري ووجوده كي يعم السلام كما أراده السيد المسيح (ع)، فلذا شدد بالقول: “أيها السادةُ عاملوا عبيدكم بالعدْلِ والمساواةِ عالمينَ أن لكم أنتم أيضاً سيداً في السماءِ” . أما الأسبان، فلم يختلف في وصفه للعدالة عن اليهودية والمسيحية، بل تعمق أكثر في المفاهيم اللغوية لتفسير العدالة وتطبيقها، وركز عليها في العديد من الآيات القرأنية، واعتبرها منهجاً في بناء المجتمع، فأطر ذلك في سورة النحل (الآية 90) بالقول: ﴿للّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وهو ما يدلل ويؤكد على أن الوجود لا يمكن أن يستقيم من دون العدل.

هنا لا نُريد أن ننحى منحاً دينياُ وعظياً افتراضياً بقدر ما نحاول أن نصل لمفهوم اتفقت عليه الديانات السماوية وغير السماوية لنصل من خلاله لأهمية العدل في استقامة المجتمع. ولعلنا لإكمال الصورة أن نتطرق لموقف الفلاسفة التي جاءت أرائهم قبل حتى أول الأديان التي اعتنقها الإنسان بكل صورها. فهذا أرسطو يرى العدالة مفهوم محدد بما يقابله من ظلم ليضع مفهومها بما يقابلها من سلوك وفق القانون والرعاية والمساواة، مبيناً أن الظلم الذي هو مضاد للعدالة يمثل السلوك اللاقانوني المنفي للمساواة، ليصل في نهاية مطافه ليفند هذه المفاهيم بقوله: “العدالة هي الفضيلة الكاملة، وكل الافضائل تنطوي تحت مظلة العدل”. وهنا نجد أنفسنا نفهم أن العدل والعدالة عند أرسطو ليس بالتوجه الذي أردنا أن نستوفي شروطه الاجتماعية، بقدر ما هو خلط عند أرسطو لذلك المفهوم بما يحيط به من بيئات متعددة، ولو صورها فلسفياً حسب سلوكيات المجتمع. ويبدو أن ما سدده من مفاهيم بحق العدالة عند أرسطو، وجد العديد من المحثين من مفكرين وفلاسفة لا ضيّر من الاستناد لمقولة أرسطو والبناء عليها.

رغم الزمن الشاسع ما بين اليونانية بفلاسفتها والفارابية، نجد أن الفارابي (873-953)  قد تأثر بمفاهيمهم، فالعدالة عنده لا تعني عدالة مساواة. ويتضح  ذلك من قولته بأن: “العدل قسمة الخيرات المشتركة لأهل المدينة جميعه، أن لكل واحدٍ من أهل المدينة قسطاً من هذه الخيرات”. ولكي تكتمل صورة العدالة عند الفارابي قسم مدينته إلى أفراد وجماعات واعتبرهم هم طبقات تتصارع فيما بينها، فمن فالغالب هو الفائز السعيد، وهي من طبائع الإنسانية فبالتالي الغلبة تمثل عنده العدل. والواقع هذا مخالفٌ جداً في مفهوميته لما جاء بع بعد نيف من الزمان ابن خلدون (1332-1406) الذي وصف الإنسان بكونه كتلة صراع ما بين الخير والشر والعدل هو الميزان النهائي للحيلولة دون القياس على الفارابي ومدينته الفاضلة. وهو ما يعني أن العدالة عند الفلاسفة والمفكرين تختلف عن العدالة عند الأديان. فالأولى تعتبر العدالة جزء من الأخلاق والسلوكية للحفاظ على سلوكية المجتمع وعدم تدهوره ضمن منظومة قوانين معينة، باعتبار العدالة قيمة مطلقة فوق أية حركة مجتمعية. لأن الفلسفة ومفكريها ينظرون للمجتمع صراع ما بين الخير والشر وتتسق بينهما أو حولهما المفاهيم الأخرى، ولما كان القانون الطبيعي والوضعي سلاحان لتنظيم المجتمع فإن العدل سيكون سياق في سلوكية المجتمع الفاضل.

حتى الفلاسفة والمفكرين الحديثيين ينظرون للعدالة بنفس الرؤيا التي يراها اليونانيون ومَن أخذ منهم، فهذا سبينوزا المفكر الغربي الحديث نجد نظرته للعدالة لا تختلف عن ما أراد أرسطو قبل بضعة الآف من السنين توجيه المفهوم فيقول “قد ينتهك الأفراد القانون، لكن الدولة لا يمكنها أن تنتهك القانون باعتبارها هي العدل الضامن لاستمرارية العدالة، وإن العدالة هي تجسيد للحق وتحقيق له”. وهو بذات الشيء يحاول وضع المفهوم ضمن انعكاساته الطبيقية وليست البشرية. وليتبعه بعد حين الفيلسوف الألماني ماكس شيلّر (1874-1928) ليصف المساواة الجائزة بالعدالة. لأن العدالة المنصفة عنده هي تلك التي تراعي اختلافات الناس في تمايز الطباع والقدرة والاستعدادات والمؤهلات التي بحوزتهم، لأن البشر يتفاوتون في كل هذه الأمور سلباً وإيجاباً لغرض إقرار المساواة المطلقة، المطروحة ضمن الأخلاقيات الحديثة والتي لا يمكن أن تتحقق إن ضمن مفهوم العدالة. وليس بعيداً عنه نرى الفيلسوف الأميركي راولس (1921-2002) يرى في العدالة قاعدة للإنصاف والتساوي بالحقوق الأساسية.

بين المفهومين الديني والفلسفي فرق شاسع في مستلزمات الاتفاق حول مفهوم العدالة، الأديان تؤمن بالعدل الإلهي المطلق المنزه عن الجور والتعسف والظلم. خصوصاً وإن الإله بشتى الأديان يرى أن الظلم من يد الإنسان ولا بد من تطبيق العدالة في الآخرة. في حين إن الفلاسفة المجتمعيين يرون أن الشر والخير كلاهما من يد الإنسان ولا يمكن أن تتسم العدالة إلّا بوضع السلوكية المجتمعية اساساً للقياس وضمن القوانين الوضعية.

السؤال المطروح هنا هو: مهما كانت العدالة، بشرية أم إلهية، هل معناه أن العدالة تمنع المعلومة والتعلّم والتفكّر عن بني البشر وعن المجتمع؟ وهل الحقّ في العدالة يكون بعدم الإسهام في نقل المعرفة والمعلومة للمجتمعات حين توفّرها؟ وهل هناك عدالة وعدل في دعم ما لا يُعطي المجتمع دفعة تقدّمٍ، وبمنع المعرفة التي هي استثمارٌ مجتمعيٌّ أزليّ؟ أسئلة كثيرة وهذه منها تبحث عن عدالة في يومٍ لا عدل فيه. فالترجمة ومآربها وصولاتها ودخولها في عالم المعرفة تبحث عن العدالة المجتمعية والإلهية لتأخذ بسلوكيات الفرد والمجتمع نحو المدينة الفاضلة وليس لتنتهي بازدراءٍ في مدينةٍ لا فضائل فيها. فالكلّ عدولٌ في كلّ شيء، إلّا بالترجمة ونقل المعرفة والعلم والتعلّم، وكأنّي بالترجمة تنادي الأمّة بما قاله المتنبّي:

يا أعدَلَ النّاسِ إلّا في مُعامَلَتي فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ

هذا ما قاله أبو الطيب المتنبي الذي يكتم في داخله صورته الشعرية دون أن نعي ما المقصود منها على الرغم من بلاغتها اللغوية، ولكنه بين هذه وتلك بالتأكيد كان يؤكّد على العدل والعدالة ومردودهما على السماحة والأمن الإنسانية.

وحين نبحر أكثر ونحاول أن نجمع أشتات أفكارنا وما يُقصد بطبيعة الأشياء وازدهارها وعلاقاتها بين الواقع وبين المضمون للمفهومين، سننجد أن العلاقة المادية والروحية تنسجم في تبريراتها عندما تكون العدالة جزءاً من الوجود الإنساني وفكراً يحاول الإنسان أن يصفه ضمن مفاهيم متعددة قد تنطلق إما لجعل المجتمع راقياً أو تسؤه لتجعله متدنياً.

هكذا وصف جبران العدل والعدالة في أبياته التالية:

وَالعَدل في الأَرض يُبكي الجنّ لَو سَمِعوا      بِهِ وَيستَضحكُ الأَموات لَو نَظَروا

فَالسِّجنُ وَالمَوتُ لِلجانينَ إِن صَغرُوا         وَالمَجدُ وَالفَخر وَالإِثراء إِن كبرُوا

فَسارق الزَّهرِ مَذمومٌ وَمُحتَقَرٌ         وَسارِقُ الحَقل يُدعى الباسِلُ الخطرُ

وَقاتلُ الجسمِ مَقتولٌ بِفعلَتِهِ          وَقاتلُ الرُّوحِ لا تَدري بِهِ البَشَرُ

بعد هذا الوصف الكبير… فهل من مغيثٍ للعدل والعدالة!

‎2022-‎02-‎24