افكار بين شقي الرحى
العراق والسبل الى نشدان السلم والامن والاستقرار!
ا.د. عامر حسن فياض
تتحكم في العلاقات الدولية ومشتقاتها (السياسات الدولية – السياسات الخارجية – الدبلوماسية – السياسات الاستراتيجية – والجيواستراتيجية) معادلة الصراع والتعاون . والعراق كان ولايزال اقرب الى دائرة الصراع منها الى دائرة التعاون في منظومة العلاقات الدولية فمرة يكون طرفا في الصراعات والاخرى يكون جغرافية لها وهو اليوم حلبة لصراعات اقليمية ودولية الامر الذي يسلب منه الارادة ويشل عنده القدرة في ان يلعب ،عمليا، دور الوسيط رغم ان كل ذلك لا يمنعه من ان يعلن ،كموقف فقط، انه مستعد للعب هذا الدور .
و كذلك من مصلحة العراق ان يكون ساحة حوار بين المتخاصمين الاقليميين والدوليين كيما يتخلص من كونه ساحة صراع فيما بينهم . وان تشخيص الحال بهذا الشأن يشير الى ان وحدة الخطاب السياسي الخارجي للعراق تكاد ان تكون مفقودة لأسباب تتمثل في ان الاطراف السياسية العراقية المتنفذة والتي تمتلك صلاحيات اتخاذ القرار السياسي الخارجي لا تستقوي بذواتها ولا تستقوي ببعضها بقدر ما يستقوي كل طرف منها بالخارج البراني .
وفي اطار تشخيص واقع الحال ايضا نرصد حالة تفيد ان نظرة دول الجوار الى العراق هي نظرة استعلائية تتعامل مع العراق بوصفه كيان لا بوصفه دولة بسبب وحدة الخطاب السياسي الخارجي المفقودة ولأسباب اخرى تتصل بالارقام القياسية السلبية التي سجلها العراق على نفسه في السياسة ولواحقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .ولا يفوتنا التأكيد ، ضمن الاطار التشخيصي لواقع الحال ، ان نرصد الانشغال العبثي العراقي بأن اسس المشاكل هو الاخر الخارجي فقط في حين ان الاخر الخارجي يتعامل معنا من منطلق مصلحته اولا ومتى ما يجد فراغ في دواخلنا يتدخل لينصب نفسه فيه ، وبالنتيجة فأن الملام ليس الاخر الخارجي هنا بل الملام هو من صنع الفراغات او تسبب في صناعتها وعجز عن سدها وطنيا .
ما تقدم تشخيص لواقع يقتضي المغادرة فما هي سبل الخروج للخلاص من هذا الواقع ؟
المطلوب خطاب سياسي خارجي عراقي موحد يقوم على داخل معافى وتوظيف سليم للقدرات واستخدام صحيح للموارد . والخطاب المنشود لا يقوم على الانتظار الموضوعي بل على المبادرة الوضعية لأن عملية الاصلاح والتغيير لا تنتظر توافر اوتوماتيكي للظروف موضوعيا بل تقتضي المبادرة وضعيا ، والمبادر هو نظام سياسي يمتلك الارادة والحزم القادرين على التوظيف الصحيح والاستخدام الصحيح للموارد لاسيما ان العراق لا يعاني فقر في الموارد الطبيعية ولا شحة في الموارد البشرية بيد انه يعاني ضعف في القدرة على التوظيف الصحيح والاستخدام السليم للموارد الطبيعية والبشرية الامر الذي سيجعل من الموارد الغنية عامل نقمة لا عامل نعمة .
ولما كانت العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية هي علاقة المولود بالرحم ، فأذا كان الرحم معافى فأن المولود معافى والعكس صحيح فأن الخطاب المنقذ من واقع يقتضي الاصلاح والتغيير ينبغي ان ينطلق من رحم معافى هو الداخل العراقي ، والعافية تتأتى من تشخيص ومعالجة عيوب الداخل التي تحمل عناوين العوز التشريعي والعجز الخدمي والعوق المؤسساتي والعمى بالاولويات والعطب المعرفي والعقم الانتاجي والعبث بالمال العام والعشق للماضي وهي ابرز العيوب وليس كلها .
وتلك العيوب ينبغي ان تعالج من قبل رجال دولة يتمتعون بخصال ابرزها توسلهم نهجا تكميلي لا تصغيري في العمل يمتلكون ثقافة الاستقالة لا ثقافة الاستطالة في المناصب العامة ، وثقافة المعارضة لا المحاصصة ، ومن المتفاعلين لا الانفعاليين مع المختلف ، ومن النازعين الى التسوية لا التصفية مع الاخر ، ومن حملة ثقافة التعددية لا الشمولية الاحادية في اتخاذ القرار ، ومن المدركين ان السياسة هي ليست حل مشاكل قائمة محسب بل حل مشاكل قادمة ايضا ومن عشاق المستقبل .
اذا كانت تلك ركائز الخطاب السياسي العراقي سوف لن يكون خطاب نزوة نرغب بها او امنية نحلم بها بل خطاب تفكير وسلوك معا ، وخطاب برامج واجراءات معا ، خطاب ينشد دخول العراق شريكا وطرفا فاعلا في دائرة التعاون لبناء السلم والامن والاستقرار في المنطقة والعالم .
2021-12-12