وهل اتخاذ موقف يتنافى وشعب يقاوم الاحتلال يحقق السلام علما الاحتلال الصهيوني لن يقبل وجود شعب فلسطيني على هذه الأرض.. ولن يحقق للمطبعين ما يأملون..
الصراع مع الكيان صراع وجود لن ينتهي إلا بالمقاومة والصمود
دكتورة خديجة صبار من اللوبي السياسي إلى الدولَة القومية
لم تنشأ دولة إسرائيل عن كفاح من أجل استقلال أطاح بالإدارات والقوات العسكرية الإمبريالية كما في الدول المستعمَرة بل ظهرت إلى الوجود بدعم الدول الإمبريالية الغربية وأعطتها حرب الأيام الستة الثقة بالنفس لبناء مشروعها الإقليمي والقومي. ولم يكن تأسيسها مختلفا عن الدول المختلَقة حديثا، المنشأة عن مسعى إزالة الاستعمار بل تم إنشاؤها وتمكينها كدولة حديثة بدعم الدول الإمبريالية الغربية تكفيرا عن إحدى أكبر مآسي القرن العشرين، إنجلترا في بداية السيرورة والولايات المتحدة منذ عام1967. فإسرائيل تعني بداية إمبراطورية تؤسس بالعنف ومركزا مهما وقاعدة عسكرية للقوى الإمبريالية العالمية وقنطرة عظمى للاستغلال الرأسمالي الغربي لخيرات العرب وأفريقيا وغيرها. قبلت إسرائيل أن تكون قنطرة للاستعمار الغربي مؤقتا وقبولها هو الذي يعطيها وجودها. وتأسيس دولة إسرائيلية عالمية ليست وليدة الغرب للحفاظ على مصالحه الحيوية فقط، بل هي فكرة يهودية سابقة في الزمن عن اكتشاف أمريكا وميلاد كثير من دول الغرب الأوربي، اتخذت لها مراحل تاريخية يعرفها كل من اطلع على الثورات التي اندلعت في الشرق والغرب. ومواقفها التاريخية هي التي خلقت العداء للسامية عند بعض الشعوب في أزمنة مختلفة لما رأوه في تعاليم قادة اليهود من خطر عليهم وعلى الإنسانية.
في تطور موقف حنة أرندت(Hannah Arendt)السياسي النقدي للسياسة الصهيونية لدولة إسرائيل في الأعوام 1944- 1948، واستنادا إلى التطور الفكري الذي اختبرته، برزت هذه الفيلسوفة كناقدة شرسة لتأسيس دولة إسرائيل المنشأة حديثا، وعبرت عن قلقها من إنشاء دولة يهودية تقوم على ترحيل العرب وحرمانهم من حقوقهم الشرعية، وعن الصراع على ما يجري فعله باسم الشعب اليهودي من خلال وقائع المحاكمة الشهيرة التي قامت بتغطيتها وصدرت في كتاب وضحت فيه مساوئ التواطئ مع قوى الشر المتوحشة التي تدمر الحضارات.[1] خلقت آراؤها وتأويلاتها، المخالفة للإجماع، صدمة وضجة كبيرة في الأوساط الصهيونية وجدلا واسعا بالأخص- جانب تحميلها المجالس اليهودية جزءا من المسؤولية بتلميحها إلى أن قادتهم سمحوا لأنفسھم دون قصد بالوقوع في فخ شيطاني وبالتحول إلى جزء من نظام القتل- لدرجة التشكيك في أصالة هويتها اليهودية، إذ اتهمت بالعداء للسامية ووصفت بأنها “يهودية كارهة لذاتها”، واتهمها غرشوم شولم بأنها “بلا قلب” بسبب انتقاد السياسة اليهودية في ذلك الوقت وبأنها من اليسار الألماني ولا تحب الشعب اليهودي، فكان ردها بأن حبها هو للأشخاص وليس للشعب.” وكان تعليقها: أنها لا ” تحب” اليهود ولا ” تؤمن” بهم”، بل ” تنتمي إليهم فحسب” كأمر واقع وخارج نطاق السجال أو الجدال.”[2] وكونها يهودية هو ببساطة معطى ولا خلاف حوله علما أنها كانت من أتباع ” كيرت بلومفيلد” قبل أن تقطع صلاتها بالصهيونية، وهو الذي قدمها لخلية الصهاينة ودعا إلى المساومة مع الفلسطينيين إما عن طريق إعادة رسم الحدود وإما بتأسيس دولة علمانية مزدوجة القومية.
عرفت حنة أرنت بنقدها اللاذع للدولة الحديثة التي تعتمد على النزعة القومية في كتابها “أصول الشمولية” عام 1951، لارتباطها، لأسباب بنيوية، بإنتاج أعداد ضخمة من اللاجئين أو الأشخاص بلا دولة لتصون تجانس الأمة التي تسعى إلى تمثيلها بما في ذلك تأسيس إسرائيل على مبادئ السيادة اليهودية، مع العلم أن الطرد المتكرر والمدمر للسكان من الدولة القومية ينتج أزمة تتطلب إعادة تفكير في النزعة القومية والدولة القومية. وشمل نقدها العلني أيضا في المحاكمة الشهيرة ( آيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر) المحكمة الإسرائيلية والمؤسسات السياسية الإسرائيلية، كما احتجت على الوقائع والأسس التي بُني عليها الحكم، وشككت في شرعية المحاكمة في إسرائيل وعلى يد قضاة إسرائيليين وبهندسة بن غوريون الذي هدف من وراء توظيفها شد اللحمة الوطنية بين جماهير مكتئبة من المهاجرين الجدد لخلق الوعي اليهودي بين أعضاء التجمع الاستيطاني وأعضاء الجماعات اليهودية في العالم عن طريق تعميق الإحساس بأنهم الضحية الوحيدة وأن الآخرين (النازيين) لا تأخذهم الرحمة باليهود[3] ولجلب أموال التّعویضات من الحكومة الألمانية، مثلما نقدت أداء المدعي العام الإسرائيلي جدعون هاوزنر الميال إلى الاستعراض، بتمهيد تاريخي سيء مناقض بوضوح للهدف من المحاكمة، طاعة ل بن غوريون مهندس الدولة الإسرائيلية والذي استعمل المحاكمة لخدمة نظرته الحتمية إلى التاريخ اليهودي أثناء تقديمه لعريضة الاتهام: جاء في خطابه الافتتاحي أن الشعب اليهودي تعرض للاضطهاد والطرد والملاحقة في كل البلاد عبر التاريخ: بالفراعنة في مصر وبمرسوم هامان الذي تعهد “بتدمير وذبح وإفناء اليهود” وانتقل بعدها إلى الاستشهاد بحزقيال، وعندما أكون{ أنا الإله}، قد تغاضيتم عني، وأراكم ملوثين بدمائكم، أقول لكم ” في دمائكم تعيشون،” شارحا أن هذه الكلمات يجب أن تفهم كونها ” الحقيقة الملحة التي واجهت هذه الأمة منذ بدء ظهورها على مسرح التاريخ.”[4] وهنا تلقف محامي الدفاع الدكتور سيرفاتيوس الذي لم يستطع مقاومة إغراء هذه الأطروحة وتساءل: لماذا وقع كل هذا الحظ السيئ على كاهل الشعب اليهودي؟ ما هي طبيعة هذا الشعب الذي يجد نفسه عرضة للطرد والملاحقة أينما كان؟ أليس هناك دوافع لا عقلانية في مسار قدر هذا الشعب لعلها تفوق قدرة الإنسان على الفهم؟ أليس هناك شيء يشبه روح التاريخ التي تدفع أحداثه إلى الأمام{…} دون تأثير في البشر؟ أليس السيد المدعي العام على اتفاق مع “مدرسة القانون التاريخي” في إشارة إلى هيجل ومكر التاريخ، ألم يعرض لنا كيف أن “ما يفعله القادة لا يقود بالضرورة إلى الأهداف التي أرادوها؟{..} في هذه الحالة كان الهدف تدمير الشعب اليهودي لكن هذا الهدف لم يتحقق وها دولة جديدة مزدهرة خرجت إلى الوجود.”[5] حجة الدفاع تقترب بكيفية خطيرة من مفهوم لاسامي المحدث حول “حكماء صهيون”. أصيب الحاضرون بالذهول من تساؤلات محامي الدفاع التي لخصها حسين ذو الفقار صبري، نائب وزير الخارجية في مجلس النواب المصري بقوله:”إن هتلر كان بريئا من قتل اليهود بل كان ضحية الصهاينة الذين أجبروه على ارتكاب الجرائم التي تمكنهم من تحقيق أهدافهم: خلق دولة إسرائيل”.[6] وضع محامي الدفاع إخلاصا منه لفلسفة التاريخ التي سردها المدعي العام الإسرائيلي التاريخ محل “حكماء صهيون”.
ألا يحق لنا اليوم أن نتساءل عن مسببات ذلك القدر من الكراهية للعدو الصهيوني؟ ألا يوجد احتمال أن يكون هذا الشعب مسؤولا عما يلحق به من أذى، وأنه شعب مستفز يضطر كل الشعوب في كل زمان ومكان لطرده وملاحقته وإلا لماذا كان اليهود مكروهين؟ لماذا وقف الشعب الأوربي ضدهم وهم جيرانه؟ لماذا شددت أمريكا قوانين الهجرة وسط الخطر المتنامي الذي كان يهود أوربا عرضة له ولماذا يواجه اليهود بالكراهية في الشرق الأوسط؟. لماذا فقط بعد ثلاث سنوات من تحرير معتقلي أوشفيتز 1945، قامت الدولة اليهودية المؤسسة حديثا بعملية التطهير العرقي للغالبية العظمى من سكان فلسطين عام 1948 واقتلاع الأشجار من جذورها رغبة في محو أثر(الآخر) الفلسطيني ومصادرة البيوت وكل ممتلكات الفلسطينيين وحولتهم إلى لاجئين وسكان مخيمات يعيشون على صدقات هيأة الأمم المتحدة؟ ويدعي الكيان لنفسه شرف الأصول التاريخية ويشرعن ذاته بناء على مزيج ربوبية في التفريق بين اليهود والأغيار لحرمانهم من حقوقهم الشرعية. لماذا فقط بعد خمس سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية أحيت الدولة اليهودية قوانين العودة التي تنطوي على التمييز العنصري لمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى مدنهم وقراهم وحقولهم وبساتينهم، وتسمح للإسرائيليين الجدد بالعيش في بيوت ومدن لم يبنوها، وهي قوانين لا زالت سائرة المفعول ولا تختلف عن قوانين نورمبورغ؟ وكيف حدث أنه على الرغم من أن التاريخ اليهودي عبارة عن حكاية لا نهاية لها من المعاناة في أوربة وفي أماكن أخرى تبدو إسرائيل وجماعات ضغطها لا تتوقف عن إثارة الكراهية والعنف تجاه من تعتبرهم أعداءها(لا الفلسطينيين فقط بل أيضا اليهود المناهضون للصهيونية) ! ويستمر التمرد والعصيان والعنف والعدوان وخلق الكمائن، وهي صفات ملازمة للكيان في كل زمان ومكان. والتاريخ يحدثنا أنه في عام 70 ميلادي أخمد الحكام الرومان تمردهم وطردوهم من القدس. وقد أعرب “عارف الدجاني” أمام لجنة (كنغ كرين) التي بعثها الرئيس الأمريكي ولسون للاستماع إلى آراء الفلسطينيين عن أفكار بشأن اليهود فقال:” يثبت ماضيهم وتاريخهم أن التعايش معهم مستحيل، فهم غير مرغوب فيهم في جميع البلدان التي يتواجدون فيها في الوقت الحاضر لأنهم دائما يأتون لامتصاص دماء الجميع.”[7] حينها أدرك الصهاينة حتمية الصراع مع الفلسطينيين والعرب الآخرين مما يجرنا لطرح سؤال: لماذا يعجز السياسيون الصهاينة عن رؤية أفعالهم في ضوء التاريخ والنظر لجهة العواقب المترتبة عليها عوض البراغماتية قصيرة الأجل؟ العنف ومأسسة العنصرية
الصهيونية ليست دينا ولا إثنية بل هي خطاب داخلي ليهود الدياسبورا، ورؤية إيديولوجية وسياسية للعالم محرفة ميتافيزيقيا. والاستيلاء على الأرض وعلى فرص العمل وما يعنيه ذلك من تطهير عرقي جزء لا يتجزأ من الصهيونية منذ نشأتها بل هي المعيار الذي يميز اليهودي الصالح من اليهودي الطالح، وقد قرر هرتزل أن:” اليهودي الحق لا يمكن أن يعادي الصهيونية.”[8] وهو نفسه من اقترح تجويع أهل البلاد عن طريق السيطرة على فرص العمل المحلية ومن تم حرمانهم منها؛ فاستراتيجية الصهيونية وشروطها المسبقة لما هو متضمن في عقيدتها طرد سكان فلسطين غير اليهود الموجودين قبل 1948، أي التطهير العرقي والإبادة الممنهجة لهم والإتيان بأشتات من البشر من مختلف بلاد العالم لا يجمع بينهم سوى العقيدة الدينية، ولا يحركهم ويدفعهم نحو استعمار فلسطين العربية سوى عقيدة سياسية متطرفة وعنصرية هي الصهيونية تجسيدا لشعار(أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) حتى يومنا هذا. جاء في تصريح لمنظمة الإرغون الإرهابية بقيادة مناحم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي تعليقا على مذبحة دير ياسين التي أيدتها الهاغانا ودعمها: ننوي أن نهاجم ونحتل ونحتفظ إلى أن نحصل على أرض فلسطين وشرق الأردن كلها لنجعلها إسرائيل الكبرى.”[9] هناك عزم وتصميم على الاستيلاء على فلسطين كلها لكي يستوطنها أشتات من البشر، شعب يهودي ذو توجه عرقي يقوم على الانتماء إلى دم واحد وجنس واحد. لا يوصف الإسرائيليون المسلحون الذين يعتدون على الأرض الفلسطينية ويغتصبون بيوت الفلسطينيين ويطردون أو يقتلون سكانها بأنهم إرهابيون أو متسللون بل مستوطنون، وهي عبارة تروق للأمريكيين لأنها تستدعي لذاكرتهم الرواية الخاصة بنشأة أمريكا باسم الحرية، وجردت ملايين الأمريكيين من السكان الأصليين من حقوقهم الشرعية. وهذا أمر كان قادة من أمثال بن غوريون يحبون استغلاله؛ صار المستوطنون يُدعون مواطنين وأضحوا ضحايا لأي مقاومة، وأصبح أفراد العائلات التي يمارس المستوطنون التطهير العرقي ضدها إرهابيين أو متطرفين كلما حاولوا الدفاع عن بيوتهم وعائلاتهم وكرومهم ! ألا تؤدي كراهية التعددية الثقافية والتمييز العنصري والتطهير العرقي بأوضح أشكاله (الجدار) والتحاف اليميني الصهيوني المتطرف والنزعة التوسعية الإسرائيلية وتهديد السكان في منازلهم الوظيفة نفسها التي قدمها هتلر معاداة للسامية؟ والصهيونية نفسها في كرهها اليهود الذين لا يتماهون كليا مع سياسة دولة إسرائيل، ويقاومون التماهي معها ويرفضون القبول بها بوصفها وطنهم الحقيقي ويطرحون أنفسهم منها(اليهود اللا صهاينة شأن يهود من أجل العدالة لفلسطين) ألا يكون كل ما ذكرناه مرتبطا بالإيديولوجيا العنصرية الاستعلائية التي تغذي الصهيونية.
كان بن غوريون رئيس” اليشوف Yishuv ” وهي نواةَ الكيان الصهيونيّ وتعني المستوطنة، وزعماؤها هم زعماء الجالية اليهودية في فلسطين قد ذكر أمام اجتماع 1919:” لا يرى الجميع أنه يوجد حل لهذه المسألة، فنحن كأمة نريد لهذا البلد أن يكون لنا، والعرب كأمة يريدون لهذا البلد أن يكون لهم”.[10] ويصر فلاديمير زئيف جابوتنسكي، اليميني الصهيوني التصحيحي أن الاندماج مستحيل بسبب الشرط البيولوجي(رسالة في الحكم الذاتي1904).”[11] فالصهيونية إلغاء الآخر وإعادة خلق الظروف التي يستطيع فيها اليهود الصهاينة الاحتفاء بسماتهم وخصائصهم، هي مواجهة اندماج وانحلال الهوية اليهودية تقول غولدا مائير في كتاب حياتي: “بالنسبة لي أن يكون المرء يهوديا يعني كما عنى على الدوام أن يكون فخورا بأنه جزء من شعب حافظ على هويته المميزة لأكثر من ألفي عام مع كل الألم والعذاب الذي تعرض له.” الهدف الأساس للصهيونية هو مواجهة اندماج وانحلال الهوية اليهودية(الاندماج تهديد بالموت) واليهود لن يكونوا آمنين ولن يعيشوا حياة مشرفة إلا داخل إسرائيل دون غيرها، ظلوا دائما في عزلة ولم يندمجوا في أية دولة. واستعمار فلسطين وجه آخر من وجوه الصهيونية التي تمتد فروعها إلى ما هو ابعد بكثير، فهي منظومة عالمية تمتلك المقدرة على صوغ وإعادة صوغ مفهوم الغيتو اليهودي، تشكيل وإعادة تشكيل مفهوم ” شعب الله المختار”، موجودة للحفاظ على الاستحقاق اليهودي لوطن قومي في صهيون ودعاتها يعترفون بأن هدفهم السياسي لا يمكن تحقيقه إلا باستخدام العنف. وتقوم فلسفتها على أسلوب القتل وسفك الدماء واتهام الغير. وإشعال الحروب متأصل في ذهنيتها وسمة ملازمة لتفكيرها السياسي (اليسار واليمين والوسط) قد يختلفون حول قضايا عديدة لكنهم متحدون في محاربة أولئك الذين يعرفونهم جماعيا بوصفهم أعداء لهم. متاهات التطبيع:
ليست قضية فلسطين قضية جزء من البلاد العربية استعمره الصهاينة بعدما ساندهم في ذلك الإنجليز ثم الأمريكيين، ولكنها قضية العالم العربي الذي أريد تفكيكه وفصل أطرافه عن بعضها بعض منذ جابوتنسكي الذي آمن بفلسفة الجدار الحديدي، وآمن أنه لابد من مواجهة العرب عموما والفلسطينيين خصوصا بجسارة وضراوة. والولايات المتحدة مفتاح مخطط الصهاينة منذ شدد بن غوريون في اجتماع عقدته الهيأة التنفيذية للوكالة اليهودية:” إن أنشطتنا يجب أن تدار من واشنطون وليس من لندن،” وأضاف:” إن كانوا لا يرغبون في تدفق المهاجرين اليهود من أوربا إلى الولايات المتحدة فمن الحكمة أن يساندوا حق اليهود بفلسطين:”[12] قَدمت دولة إسرائيل حلا للشعب اليهودي وخلقت محنة للفلسطينيين. فهل يعقل التطبيع مع مشروع بنيوي ممتد تجيش رغبته في إحلال مجتمع مكان مجتمع باقتلاع البساتين وأشجار الزيتون وتدمير الكروم الفلسطينية وإزالة آثار هذا المحو ذاته كناية عن الناس المتجذرين في أرضهم بغاية طمس ومحو كل ما يبرر وجودهم مدعيا لنفسه شرف الأصول التاريخية والتجذر التوراتي في الأرض، ناسين أن الأشجار قد تقتل أو تقطع لكنها مع الوقت مثل الأثر الذي حوله “جاك دريدا” إلى شبح، تعود لتسكن أولئك الذين يظنون أنهم قد اجتثوها؟ هل اعترفت إسرائيل بالدولة الفلسطينية التي يقيمها الفلسطينيون على جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية؟ هل عاد المهجرون إلى ديارهم وأملاكهم؟ هل انسحبت إسرائيل من الجولان؟ كيف يمكن التطبيع مع دولة عنصرية تعتمد اعتمادا رئيسا على القوة العسكرية، دولة فوق القانون تنتهك جميع المعاهدات الدولية التي وقعتها، تعربد في الأراضي العربية وتمارس القهر والتعذيب والتنكيل والعقاب الجماعي والاغتيالات والتمييز العنصري وجميع أصناف الإرهاب والعدوان والإبادة الجماعية. مجتمع عسكري صمم ليكون في حالة حرب دائمة بدعم الحلفاء بالأخص أمريكا التي تنشر نفوذها وتقيم قواعدها العسكرية ظنا أن بهذا القتل سوف يغير التاريخ، لتقر في الأخير يهودية الدولة الذي يعني قطع الطريق على عودة اللاجئين، والأكثر مدعاة للتساؤل تجاهل أهم الركائز الإستراتيجية لدولة العدو الصهيوني هي إلغاء وجود شعب عربي فلسطيني والتي تنفذ الإستراتيجيات الاستعمارية ذاتها التي سنتها سابقا القوى الإمبريالية الغربية؟ يقول القس دزموند توتو: إن معاملة إسرائيل للشعب الفلسطيني تذكرني بكيب تاون في ظل الفصل العنصري {الأبارتهايد} الملونون يخرجون من منازلهم ويعاد إسكانهم في مناطق منعزلة(غيتوهات) بعيدة، أسوار غير قانونية= التعدي على البلاد العريقة للشعب، عائلات مفصولة، أملاك مقسمة، وكابوس الخضوع لنظام نقط التفتيش العسكرية المتواصلة. ألا يعلم المطبعون أنهم سيدخلون في متاهات لا حدود لها عن طريق تزوير الروايات الخيالية والادعاءات التي لا تخدم سوى المصالح الصهيونية؟ و هل غيرت إسرائيل من سياستها بعد أن تم توقيع اتفاقات تطبيع بينها وعديد الدول العربية – مصر والأردن والإمارات والبحرين والمغرب والسودان- واعترف لها بحقها في الوجود (أوسلو)؟ هل غيرت سلوكها العدواني المولع بالحرب على الساحتين الإقليمية (سوريا لبنان العراق…) والدولية واستنزاف الموارد العامة لإرضاء المستوطنين؟ ألا يتطلب منا أخلاقيا العمل على إحقاق العدالة لضحايا الاضطهاد الصهيوني. التطبيع معناه جعل العلاقات بين العرب وإسرائيل طبيعية بإزالة ما هو غير طبيعي من منظور الأعراف والقوانين الدولية الجارية فهل أزيل ما هو غير طبيعي؟
الواضح أننا لم نفهم بعد العقلية الصهيونية على حقيقتها ولم نستوعب أن العدو الصهيوني هو الخطر الأكبر علينا بالأخص المطبعون اليوم الذين يتيحون الفرصة لإسرائيل لتهاجمهم غدا في عقر دارهم بدعوى حق المتابعة. هل هذا هو الفعل البطولي أمام تبخيس عقود من التدمير والتهجير والمجازر ومسيرات الموت ولإجرام والعنف والإبادة والتطهير العرقي وحياة المخيمات وكأن الصهاينة عدو حنون؟ أما الذين يعتقدون أن التفاوض مع إسرائيل أو إقرار سلام دائم معها أو إنهاء الحرب كلها أمور غير ذات جدوى، ولن تقوم للسلام قائمة في الشرق الأوسط كما يُستنتج من سلوك الكيان. فمخططات الصهيونية الدولية بإقامة دولة اليهود على أرض فلسطين العربية لتكون نقطة انطلاق لبلدان المنطقة التي يرمون إخضاعها وإحكام السيطرة عليها واقتناص خيراتها وثرواتها تحت عباءة وعد سماوي لهم بتلك الأرض، ومن يسيطر على الشرق الأوسط يضمن الهيمنة والسيطرة على دول العالم.
لئن قبلت إسرائيل أن تكون قنطرة للاستعمار الغربي مؤقتا فإنها ترى فيه رفيق طريق ليس إلا، وريثما تصبح قوة دولية بسيطرتها على ممرات البحر الأحمر والأبيض البرية والبحرية والجوية: ما الذي يمنعها أن تأخذ ذلك لنفسها وتتصرف فيه حسب مصلحتها هي لا بحسب مصالح الغرب، وما الذي يضمن للغرب عدم تحولها إلى حليف لأية قوة دولية تتفق ومصالحها؟ فالرأسمالية يهودية بطبيعتها حسب ماركس الذي يساوي اليهود بالرأسمالية والمصلحة الذاتية ورأس المال، وكي يحرر العالم نفسه من الرأسمالية من الأفضل أن يحرر نفسه من اليهود.[13] واحتمال تمردهم على الولايات المتحدة وهي مهندسة خططهم والدول التي تدعمهم أمر وارد عند الصهاينة ومن واقع طبيعتهم متى شعروا بالأمان والسلام في إسرائيل الحالية ولم يعودوا بحاجة لدول أجنبية تدعم مشاريعهم العدوانية،[14] أو يتصدرون الصراع الإنساني الذي من شأنه أن يضعهم في صراع ضد أشقائهم والقوة العظمى التي تساندهم.
لقد اخترعت الصهيونية الأمة اليهودية وقادت وطنها القومي إلى صراع يأخذ حاليا أبعادا عالمية ويشكل تهديدا عالميا خطيرا. حذرت أرندت عام 1944 بشكل متبصر:” حتى الأقلية اليهودية في فلسطين- لا بل، حتى تهجير كل عرب فلسطين– لن يغير بشكل جوهري وضعا يجب فيه على اليهود إما أن يطلبوا الحماية من قوة خارجية ضد جيرانهم أو يتوصلوا إلى اتفاقية عمل مع جيرانهم. البديل، تكتب، هو أن تصطدم المصالح اليهودية مع مصالح كل الشعوب المتوسطية الأخرى، لذلك بدلا من “نزاع مأساوي” واحد سنواجه غدا نزاعات لا حل لها بقدر عدد الأمم المتوسطية.”[15] وجادلت في أوائل الخمسينات بأن إسرائيل قامت من خلال الاحتلال الاستعماري بمساعدة القوى العظمى وعلى أساس شروط مواطنة كانت معادية للديمقراطية بشكل شامل، وترفض النزعة القومية، على أي نظام حكم لكي يكون عادلا أن يوسع المساواة ليشمل المواطنين كافة والقوميات كافة، واستشرفت صعود الأصولية الدينية والقومية بين الإسرائيليين كتبت سنة 1948 بعد إعلان الأمم المتحدة إقامتها:”حتى لو كسب اليهود الحرب، فإن نهايتها ستشهد…تدمير إنجازات الصهيونية…اليهود “الظافرون” سيعيشون محاطين بسكان عرب معادين كليا، معزولين داخل حدود مهددة دوما، منهمكين في الدفاع عن النفس جسديا إلى درجة ستطغى على كل الاهتمامات والنشاطات الأخرى. تكتب:”أولئك اليهود الذين لم يعودوا يؤمنون بإلههم بطريقة تقليدية لكنهم يستمرون في اعتبار أنفسهم “مختارين” بشكل أو بآخر، لا يمكن أن يقصدوا بذلك شيئا آخر سوى أنهم بالطبيعة أكثر حكمة أو أكثر تمردا أو أكثر ملحا من الأرض. وهذا سيكون كيفما فتلْته وأدرْته كما تشاء، ليس سوى نسخة من الخرافة العنصرية.[16] ولعقود طويلة، ظلت أرندت منبوذة بشكل غير رسمي في إسرائيل. لم تترجم كتبها إلى العبرية ولم تناقش أعمالها لا في المجال الأكاديمي ولا في المجال العام، تعرضت للنبذ السياسي والفكري بالكامل، ولم ينشر كتاب أيخمان في القدس إلا بحلول عام 2000.
[1] – تغطية المحاكمة تمت على أعمدة أسبوعية “النيو يوركر” سنة 1961، وصدر كتاب” آيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر” سنة 1962، وترجمته إلى الفرنسية في شهر مارس 1963.
[2] – جيفاني فاتيمو ومايكل ماردر، تفكيك الصهيونية، نقد ميتافيزيقا سياسية،منتدى العلاقات العربية الدولية، ترجمة عدنان حسن، ص 86 .
[3] – Hannah Arendt ,Eichmann à Jerusalem, editions Gallimard 1966, p 53
[4]– المرجع نفسه، ص 69-70
[5]– ن م، ص 71.
[6] – Hannah Arendt, Eichmann à Jerusalem, edition Gallimard 1966, p. 70.71.
[7] – دكتور شفيق الخليل، بنو إسرائيل عبر التاريخ، القاهرة، شمس للنشر والتوزيع 2011، ص 393.
[8] – توماس سواريز إسرائيل دولة الإرهاب، كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2018، ترجمة محمد عصفور ص47.
[9]– توماس سواريز، م س، ص 13- 14.
[10] – دكتور شفيق الخليل المصدر نفسه، الصفحة نفسها
[11] – فلاديمير زئيف جابوتنسكي (1880-1940) مؤسس “الحركة الصهيونية التصحيحية” عام 1923 في ريغا، لا تيفيا، كاتب وخطيب وجندي.ولا يزال إرثه مستمرا من خلال حزب(حيروت) اليميني الذي اندمج مع أحزاب يمينية أخرى لتشكيل حزب (الليكود) اليميني عام 1973، وكذلك من خلال حركة (بيتار) الصهيونية للشبيبة
[12] – دكتور شفيق الخليل، م س، ص 136.
[13] – كارل ماركس، حول المسألة اليهودية 1844.
[14] – دكتور شفيق الخليل، م س، ص 350.
[15] – جيفاني فاتيمو ومايكل ماردر، م س، ص 101.
[16] – جيفاني فاتيمو ومايكل ماردر، تفكيك الصهيونية، نقد ميتافيزيقا سياسية، م س، ص 89.
المملكة المغربية
2021-10-29