الدماني والعجارمة.. وتضحيات الشُّجعان مِنْ أبناء شعبنا!
سعود قبيلات
عليّ الدماني، شابّ أردنيّ وطنيّ شُجاع ومسحوق (أي ليس لديه ما يخسره سوى ذلّه وقهره).. يتكلّم بلغة الأغلبيَّة الشَّعبيَّة ذات الزَّوايا المدبَّبة، ولا يتكلَّم بلغة السِّياسيين المحترِفين المنمَّقة، كما أنَّه لا يلتفت إلى حساباتهم الكثيرة المتشعِّبة.. بل هو لا يعرفها أصلاً ولا يتفهّمها. لذلك، يتجاهله السِّياسيّون المحترِفون ويُعتِّمون عليه، ويطمسون ذِكْرَه، ويقلِّلون مِنْ شأن آرائه. وإذا لزم الأمر، ينكرونه قبل صياح الدِّيك.
عليّ الدمانيّ، عندما يتكلَّم، لا يختبئ خلف أحد، ولا يطلب مِنْ أحدٍ أن يتحمَّل مسؤوليَّة كلامه بدلاً منه؛ بل يتحمَّلها هو نفسه، ويدفع أثمان مواقفه (مِنْ كيسه وليس مِنْ كيس غيره). وقد سُجِنَ مراراً وتكراراً. وفي إحدى المرَّات، أمضى ثلاث سنين في السِّجن تحت بند «قدح المقامات»! وهو واحد من البنود القروسطيَّة العديدة في منظومة القوانين الاستبداديَّة في الأردن.
ومع الأسف، عندما أمضى عليّ ثلاث سنوات في السِّجن على كلمة عبَّر بها عن رأيه، لم يتحرَّك للتَّضامن معه علناً سوى كاتب هذه السّطور؛ حيث كتبتُ عن قضيَّته على صفحتي، وأعددتُ بياناً للتَّضامن معه ثمّ نشرته على صفحتي ووقَّعه آخرون.
ما حدث مع عليّ الدماني (وأسوأ منه) يحدث الآن مع النَّائب المستقيل أسامة العجارمة، الَّذي مضى على اضرابه عن الطَّعام أكثر مِنْ ثمانين يوماً، وعلمتُ بأنَّه قد طلب مؤخَّراً أن يأتي إليه أحدٌ مِنْ خاصَّته ليأخذ وصيَّته.
وهذا بينما الكلّ ساكت ويتفرَّج، وبينما البعض غرقان حتَّى شوشته في مناقشة «مُخرجات» ما سُمّي «لجنة إصلاح المنظومة السِّياسيَّة»! وبينما البعض الآخر يتنكَّر لكلّ تضحيات الوطنيين الأردنيين ومواقفهم المشرِّفة، ويسعى إلى طمسها وتبخيسها، معلناً بغير وجه حقّ أنَّه لا يوجد رجال في البلد!
إذا فقد أسامة العجارمة حياته، هل سترتاح ضمائركم؟ هل ستعتبرون أنفسكم أبرياء من المسؤوليّة عن هذه الجريمة الشَّنعاء، وتتابعون اهتماماتكم الروتينيَّة البليدة وتلهِّيكم.. كأنَّ شيئاً لم يكن؟!
الدماني الآن خارج السّجن، ورغم كلّ ما مرّ به، يواصل النِّضال بطريقته الخاصَّة. وقد يئسوا مِنْ إمكانيَّة ترويضه و«تدجينه» في النِّهاية؛ ولذلك، صاروا ينسبون بعض ما يكتبه إلى بعض السِّياسيين المعروفين، لممارسة الضَّغط عليهم ودفعهم إلى التَّبرّؤ من الكلام الَّذي يقوله.. أي التَّبرّؤ من الكلام الَّذي يقوله معظم الشَّعب في الغرف المغلقة ويقوله البعض علناً.
وفي ما يخصّ أولئك الَّذين يتجاهلون كلّ هذه التَّضحيات الجسام الَّتي بذلها (ويبذلها) أسامة العجارمة وعليّ الدماني وأمثالهما من الوطنيين الشُّجعان، ويتصايحون بأسلوب دراماتيكيّ مفتعل، مؤكِّدين أنَّه لا يوجد رجال في البلد!..
نقول: لصالح مَنْ تُردِّدون هذا الكلام النَّمطيّ المتجنِّي على الحقّ والحقيقة وعلى الرِّجال (والنِّساء أيضاً)؟! وما هو منتوجه الوطنيّ (أو الفكريّ) في النِّهاية؟!
ثمَّ، قبل أن تُلقوا كلامكم على عواهنه، أين أنتم مِنْ سجن الأحرار واضطهادهم.. الأحرار الشُّجعان مِنْ أمثال عليّ الدماني وأسامة العجارمة وسواهما؟!
أبسط قيم الرُّجولة (الرُّجولة غير الذّكورة بالمناسبة، والشَّاعر البدويّ يصف الذُّكور بأنَّهم مجرَّد «فحول نسوان») هي أن نُنصف الرّجال (والنِّساء) الَّذين يُصرُّون على البقاء في ميادين النِّضال، ونحترم مواقفهم، ونُقدِّر تضحياتهم (ولا نبخسها)، وأن لا نترك الرِّجال يُضامون، فيُوضعون في السُّجون ظلماً، على مواقفهم الشُّجاعة من القضايا الوطنيَّة، بينما نحن نتفرَّج عليهم مِنْ دون أن نُحرِّك ساكناً، ثمَّ ننام (ليلنا الطَّويل) في سكينة وهدوء، وعندما نصحو في اليوم التَّالي، لا ننفكّ نصيح قائلين: لا يوجد رجال في البلد!
لا يوجد رجال في البلد!
إنَّه شيء يُذكِّر بصيحة «يا وحدنا!» الشَّهيرة (أو «أنا يوسف يا أبي») الَّتي نعرف جميعاً إلى أين قادت في النِّهاية.
بالمقابل، مِنْ حقّ الرِّجال الشُّجعان، أمثال عليّ الدماني وأسامة العجارمة وسواهما، أن يتساءلوا مفجوعين: أين الرِّجال؟!
أين الرِّجال؟!
والجواب في عهدتنا جميعاً.
2021-10-18