مدد يا آل بيت النبى!
د. محمد السعيد إدريس.
أن أكتب فى حب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب آل بيته الكرام فهذه مكرمة كبيرة من الله سبحانه وتعالى . لسنوات طويلة بقيت بعيداً عن الخوض فى كتابات من هذا النوع معتقداً أن هذا النوع من الحب يجب أن تبقى له خصوصيته، لكن إقدامى على الخوض فيما ترددت كثيراً فى السابق عن الخوض فيه، له قصة من حق القارئ الكريم أن يتعرف عليها ، ومن واجبى أن أعرضها بتسلسل حدوثها لعل ذلك يلقى مزيداً من الضوء على ما أريد أن أصل إليه.
بدأت القصة بزيارة قمت بها إلى مقام سيدتى “فاطمة النبوية” الواقع فى قلب حى الدرب الأحمر. كنت قد اعتدت الزيارة لما يربطنى بالسيدة النبوية ، التى هى السيدة فاطمة بنت مولانا الإمام الحسين، من روابط نسب ومحبة، فهى الجدة الكبرى للسادة الأدارسة من زوجها الحسن المثنى ابن عمها سيدنا الحسن بن علىّ بن أبى طالب. فمولاى إدريس الأكبر جد الأدارسة المنتشرين فى كثير من الأقطار العربية هو حفيد السيدة فاطمة بنت الحسين من ابنها عبد الله الكامل أو عبد الله المحض، أى كامل أو محض الانتساب النبوى لأنه جمع بين سيدنا الإمام الحسن بن على من أبيه الحسن المثنى، وبين سيدنا الإمام الحسين من أمه السيدة فاطمة بنت الحسين . عدت من هذه الزيارة مهموماً بعد ما تكرم علىّ شيخ المسجد بدخول المقام الكريم وبقائى وحدى داخله لفترة ممتدة عشت فيها أجمل لحظات العُمر، وأدركت أن السيدة تخاطبنى بحنو آسر أن أكون حفيداً باراً بها وبمقامها ومسجدها .
خرجت من المقام وأنا مفعم بالهموم وأتساءل من أين وكيف يمكننى أن أفى بكل متطلبات تطوير وتجميل المقام والمسجد، خاصة أن المسجد يقع فى نهاية شارع الدرب الأحمر ولا يربطه بما حوله غير شوارع ضيقة ، وليست له ساحة كغيره من المساجد الكبرى . كانت المهمة ثقيلة الوطأة على قلبى ، ووصلت إلى قرار مفاده أن أقوم بأفضل ما أستطيع بإمكانياتى المحدودة ، والله المستعان .
وما هى إلا أياماً معدودة وبالتحديد يوم الأحد (25 يوليو الفائت) حتى قرأت توجيهات السيد رئيس الجمهورية لكبار المسئولين بتجديد وترميم أضرحة ومقامات “آل البيت” الكرام، وأن الرئيس يتابع بنفسه تطوير مسجد السيدة زينب والسيدة نفيسة وسيدنا الإمام الحسين رضى الله عنهم جميعاً . عندها أدركت أن هذه فرصتى وما على إلا أن أكتب زاوية من الزوايا التى يكتبها الزملاء فى “الأهرام” بصفحات الرأى، أناشد فيها المسئولين إعطاء مسجد السيدة “فاطمة بنت الحسين” التى يسميها أهالى الدرب الأحمر بـ “النبوية” تكريماً لها وتقديراً لمكانتها المحورية بين آل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن لأسباب تخص قواعد النشر عرفت بتعذر كتابة تلك “الخاطرة” فى مربع صغير، وكانت الرسالة ، التى أحمد الله عليها هى: لماذا لا تكتب مقالاً كاملاً تقول فيه كل ما تريد فى المكان المخصص لك أسبوعياً فى “الأهرام” ، وهنا كان التحدى.
لم يعد الأمر مجرد كتابة “خاطرة” أناشد فيها المسئولين العناية بمقام ومسجد السيدة فاطمة بنت الحسين، ولكن وجدتنى أمام متسع من المعانى والمفاهيم التى تخص آل بيت النبى عموماً وفى مصر على وجه الخصوص وبالتحديد لماذا أحب المصريون ، إلى درجة العشق، سيدنا النبى وآل بيته ، ولماذا أحبهم أيضاً آل بيت النبى وقبلهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن هذا الحب المتبادل يكشف الخصوصية المصرية فى قلب الرسالة المحمدية، ويفسر أحد الجوانب المهمة فى الحب المصرى الجارف لآل بيت النبى الذى حمى المصريين من السقوط فى أتون الصراعات المذهبية بين سنة وشيعة كما هو حادث فى بلدان إسلامية وعربية أخرى كثيرة. فالمصريون هم أهل السنة العاشقون لسيدنا رسول الله وآل بيته الكرام عشقاً يفوق كثيراً ممن تشيعوا وانغمسوا فى صراعات مذهبية لا طائل منها مع إخوانهم من أهل السنة، صراعات لا تخدم غير أعداء الأمة.
وإذا كان التعرف الأول للمصريين على آل بيت النبى قد بدأ بتشريف السيدة زينب فى وقت عصيب حيث جاءت إلى مصر فى أعقاب فاجعة استشهاد الإمام الحسين وأبنائه وآله وأنصاره فى كربلاء يوم العاشر من شهر المحرم عام 61 هجرية الذى يصادف غداً الأربعاء، فإن تواتر دخول آل البيت أخذ يتزايد خاصة بعد تعاقب وصول ثلاثة رؤوس لثلاثة من الأئمة الكبار من آل البيت قطعها غدراً واستكباراً هؤلاء المتكالبين على السلطة والسلطان خشية على سلطانهم فى وجود مثل هؤلاء السادة الأشراف من بيت النبى. كانوا على يقين داخلى أنه “لا شرعية لحكمهم فى وجود الأئمة من آل البيت الذين هم أحق بالسلطان”.
والرؤوس الثلاث الشريفة حسب أسبقية وصولها إلى مصر جاءت على النحو التالى:
الأول: رأس سيدى زيد بن سيدى على بن الحسين (زين العابدين) إثر خروجه على حكم الأمويين بعد نكبة كربلاء. والثانى: رأس سيدى إبراهيم (الجواد) بن عبد الله (المحض) ابن الحسن المثنى بن الحسن بن على رضى الله عنهم . فهو شقيق الإمام إدريس الأكبر والإمام محمد النفس الذكية. جدتهم السيدة فاطمة النبوية. خرج وشقيقه محمد النفس الذكية على أبناء العمومة العباسيين لغدرهم للاتفاق بينهم على أن يتولى محمد النفس الذكية بن عبد الله المحض الولاية عقب سقوط حكم الأمويين ، قتلهما الخليفة أبو جعفر المنصور، ووصل رأس إبراهيم “الجواد” إلى مصر ودفن فى المسجد المعروف باسمه فى المطرية. أما الرأس الثالثة فهى رأس سيدنا ومولانا الإمام الحسين.
وصول هذه الرؤوس الثلاث الشريفة إلى مصر لم يكن محض صدفة ، بل هو امتداد للمعنى الكبير والمغزى الذى اختارت به السيدة زينب مصر مقراً لها بعد ثورة المدينة المنورة التى أعقبت نكبة كربلاء ضد حكم يزيد بن معاوية ، والتى كان للسيدة زينب الدور الأكبر فيها مما جعل عمرو بن سعيد والى المدينة المنورة يستنجد بيزيد قائلاً: “أنى أخاف على ملك الأمويين من زينب بنت علىّ فقد اجتمع الناس حولها”، وهنا يأمر يزيد بأن تغادر زينب المدينة إلى حيث تشاء من أرض الله غير الحرم الشريف فى مكة المكرمة، واختارت السيدة زينب مصر لتهاجر إليها ولتغرس فى تربتها غصناً طيباً من الدوحة المحمدية المباركة.
لماذا اختارت السيدة زينب مصر بالذات؟
الجواب على ذلك ورد على لسان ابنة عمها السيدة زينب بنت عقيل بن أبى طالب وقولها: “يا بنت عماه، قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبؤ منها حيث نشاء. فطيبى نفساً وقرى عيناً وسيجزى الله الظالمين… إرحلى إلى بلد آمن”. هل هو الأمن والأمان فقط؟
كلا أنه الحب والمودة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإعمالاً لقول الله سبحانه وتعالى فى خطابه لنبيه الكريم (( قُل لاَّ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23(. فلم يغب عن المصريين أبداً قول الإمام الشافعى رضى الله عنه فى حب آل البيت:
يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ​​فَرضٌ مِنَ اللَهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ
يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ​​مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ
مدد يا آل بيت النبى ..

mohamed.alsaid.idries@gmail.com
‎2021-‎08-‎18