الحزورة التي عجزت “إسرائيل” عن حلّها!
علي فواز.
بانتظار ما سيدلي به السيد حسن نصرالله ليل السبت، تبقى معادلة الردع مُكرسة عند الحدود، فيما لا يستطيع أحد أن يضمن توقف الصواريخ المجهولة.
درست “إسرائيل” خياراتها جيداً بعد رد المقاومة اللبنانية الجمعة على اعتداءاتها. بدا أن هذه الخيارات محدودة، وأن لا مصلحة لديها في تصعيد الوضع. حتى الساعة، يبدو أن الملف أُغلق، كما يورد معلق الشؤون العسكرية في القناة 13 العبرية ألون بن دافيد. فهم كيان العدو أن أي رد من قبله على الصواريخ التي أطلقتها المقاومة، إذا كان يتجاوز قواعد الاشتباك، سيواجه برد مناسب. كان لافتاً في هذا الإطار أن الاحتلال لم ينفذ أي غارة، ولم يطلق أي قذيفة تجاه الأماكن التي انطلقت منها صواريخ المقاومة، كما أشار بيان حزب الله الصادر بعد الرد.
بدا لافتاً أيضاً، وخلافاً لجولات وحوادث سابقة، بيانات الدعم والتهنئة من قبل فصائل وشعوب المقاومة في اليمن والعراق وفلسطين على وجه التحديد، بما يوحي باستعداد هذه الجبهات وتوثبها، وبأن زمن عزل ساحات المقاومة عن بعضها قد ولّى.
بدأ الأمر بإطلاق 4 صواريخ الأربعاء الفائت، يوم 4 آب/أغسطس، تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، انطلاقاً من جنوبي لبنان. نقلت وسائل إعلام إسرائيلية تقديرات عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين تفيد بوقوف تنظيم فلسطيني خلف العملية، فيما نقل الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت في موقع “المونيتور” عن الجيش الإسرائيلي قوله “إن حزب الله لم يكن متورطًا في الحادثة ولم يعطِ الضوء الأخضر للهجوم، ما يعني أنه لم يكن على علم بالضرورة بهذا العمل”. إحاطة شكّك بها الكاتب بطريقة غير مباشرة إسوة بعدد من الكتاب الإسرائيليين، ما يطرح السؤال التالي: هل كانت هذه رواية أرادت “إسرائيل” تسويقها إلى مواطنيها بغرض تبرير تموضع أو انكفاء، وكانت بالتالي إما رواية مزيّفة أو غير مكتملة العناصر؟ أم أنها تعبّر فعلاً عن حقيقة تقديراتها؟ بكل الأحوال بقيت الصواريخ الثلاثة التي أطلقت الأربعاء الماضي ابتداءً مجهولة المصدر ولم يتبناها أي فصيل من الجانب اللبناني.
كان بإمكان أصحاب القرار في “إسرائيل” الاكتفاء برد موضعي ومحدود بواسطة المدفعية على المصادر التي انطلقت منها صواريخ الأربعاء، كما كان يحدث سابقاً، إلا أن “تل أبيب” لم تكتف بذلك. تم تنفيذ غارات طالت عمق جنوبي لبنان فجر الخميس، في حدث هو الأول من نوعه منذ انتهاء حرب تموز/يوليو 2006، الأمر الذي ظهر كأنه كسر لقواعد الاشتباك المكرّسة منذ ذلك التاريخ.
ربما السبب الذي دفع المستوى السياسي في حكومة بينيت إلى ذلك هو دفع الإحراج أمام الجمهور الإسرائيلي، في ظل وجود معارضة إسرائيلية متربّصة، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو. الخوف من اتهام بينيت بالضعف من شأنه أن يوهن موقف حكومته، ولا سيما أن هذه الحادثة تعدّ الخامسة من نوعها منذ أيار/مايو المنصرم.
إلا أن تكرار حوادث إطلاق الصواريخ المجهولة من جنوبي لبنان هو مسار لا يناسب “إسرائيل”، بمعزل عمن يترأس حكومتها. مسار يدفعها إلى التفكير ملياً ويحشرها بين خيارين أحلاهما مرّ، إما التسليم بأمر واقع لا تستطيع التعايش معه لأسباب سياسية وأمنية واستراتيجية، وقد يتفاقم إذا لم تضع له حداً، وإما أن تضع له حداً من خلال إفهام الطرف اللبناني بأن لمثل هذه الأعمال أثماناً مختلفة، وأنها لن تتوانى عن فعل ما ينبغي لإيقافه. حمّل بيان للجيش الإسرائيلي “الدولة اللبنانية مسؤولية ما يجري داخل أراضيها”. “الدولة اللبنانية” من جهتها في وضع انهيار. الصواريخ من الطرف اللبناني مجهولة المصدر.
جاء الرد الإسرائيلي مدروساً. في الشكل، كسر قواعد الاشتباك، بما يمكن أن يسوّق إنجازاً للجمهور الإسرائيلي، ويختبر في الوقت نفسه موقف حزب الله من هذا التعديل، لكنّه في المضمون استهدف مناطق غير مأهولة، بما لا يؤدي إلى استفزاز من شأنه أن يؤدي إلى التصعيد وإجبار المقاومة على الرد.
سبق ذلك نقاشات عكستها وسائل إعلام إسرائيلية طوال الفترة الماضية حول تأثير الظروف التي يمرّ بها لبنان في طبيعة عمل المقاومة. بعض التقديرات تحدثت، وربما كانت تعكس رغبات، عن أن الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يشهده لبنان من شأنه أن يقيّد خيارات المقاومة ويشكّل موانع جديدة تدفعها إلى التساهل والقبول على مضض بتجاوزات إسرائيلية، على اعتبار أن لا مصلحة لحزب الله في دخول حرب يمكنها أن تفاقم الأزمة الداخلية وتشكّل ضغطاً إضافياً عليه. بموازاة ذلك، لم يغب عن بال صناع القرار في “إسرائيل”، وكذلك مراكز أبحاثها ووسائل إعلامها، تداعيات معركة “سيف القدس” والخلاصات التي أسفرت عنها، لا سيما على مستوى الردع المتآكل، وصولاً إلى خلاصة أن الحرب ليست من مصلحة الكيان المشغول بملفات خطيرة ومعقّدة سواء في البحار أو في “النووي الإيراني” أو في الصواريخ الدقيقة.
أهمية الرد الذي حدث هو أنه حسم هذا النقاش، وأجاب عن “الحزورة”، لكن ليس من دون أن يترك شطباً على وجه “إسرائيل”. خطأ التقديرات الإسرائيلية بأن حزب الله سينكفئ عن الرد، عكسته أكثر من وسيلة إعلامية إسرائيلية، مع تسليط الضوء على تبعاتها الخطيرة. يشير الخبير الإسرائيلي بالشؤون العربية يوني بن مناحم في هذا الصدد إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية “فوجئت مرة أخرى من إطلاق الصواريخ على يد حزب الله”، وإلى أن الردع تآكل مرة جديدة. موقع “واللا” أشار بدوره إلى خطورة ما حدث من زاوية خطأ التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية. الكاتب الإسرائيلي في الموقع طال ليف نقل أن التقديرات الإسرائيلية كانت تتمحور حول أن حزب الله “سيبقى يجلس على السياج، ولن يتدخل، لكن سرعان ما تبين أنها قراءة غير صحيحة”، ليخلص إلى أن على “جيش” الاحتلال أن يفحص بعمق طريقة التحليل الاستخباراتي، و”يفحص ما إذا لم يكن هناك غطرسة مفرطة في التقديرات بأن حزب الله لن يرد”.
خلاصة ما حدث لخّصه نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم بحديثه إلى “الميادين”، قائلاً إن “على إسرائيل أن تفهم أن عليها أن تبقى مردوعة، وإلا فنحن جاهزون للردّ”.
وبانتظار ما سيدلي به الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله السبت، تبقى معادلة الردع مُكرسة عند الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، فيما لا يستطيع أحد أن يضمن توقف انطلاق الصواريخ المجهولة.
2021-08-07