وحدة اليسار الفلسطيني أم الوحدة الوطنية الفلسطينية الشاملة ؟
عربي عواد*
تطلق بعض القوى اليسارية الفلسطينية في الآونة الأخيرة ، دعوة لوحدة اليسار الفلسطيني لمواجهة الانقسام الخطير الذي أصاب الساحة الفلسطينية إثر الصراع الدائر بين حركتي فتح وحماس وما تركه من ضرر جسيم على القضية الفلسطينية ومن أجل إعادة اللحمة للعمل الوطني الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية لحماية المصالح العليا للشعب الفلسطيني .
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل الدعوة لوحدة اليسار الفلسطيني هي الطريق المؤدي للوحدة الوطنية الفلسطينية وحمايتها وتعزيزها ؟ مع أنه بات من المعروف أن الساحة الفلسطينية تتميز بالتعددية الأيديولوجية والسياسية، فهناك إلى جانب الفصائل اليسارية عدة فصائل وقوى قومية وإسلامية ووطنية بالإضافة للشخصيات والمنظمات الشعبية. وبالتالي ألا تؤدي الدعوة للوحدة بين فصائل وقوى تنتمي إلى تيار أيديولوجي معين إلى إضعاف الوحدة الوطنية الفلسطينية ؟
إن الذي يحكم التحالفات في صفوف أي شعب هي طبيعة المرحلة التي تمر بها قضيته ، وقضيتنا الفلسطينية تمر في مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الاستيطاني المدعوم من الإمبريالية العالمية ، مما يستدعي توحيد كل طاقات شعبنا وجميع قواه وفصائله رغم التباينات الأيديولوجية والاجتماعية في صفوفه وتغليب العامل الوطني على هذه التباينات .
ومن المناسب في هذا المجال التنويه بتجربة اليسار في أبرز ثورتين من ثورات التحرر الوطني تكللتا بالنصر في القرن العشرين : الثورة الفيتنامية والثورة في جنوب إفريقيا.
فثورة فيتنام التي قادها الحزب الشيوعي الفيتنامي واستمرت زهاء أربعين عاماً استندت إلى جبهة التحرير الوطني الفيتنامية التي ضمت عشرين حزباً من مختلف التلاوين الأيديولوجية والدينية والسياسية وتمكنت من تعبئة قوى الشعب الفيتنامي في حرب ضارية كان من نتيجتها إلحاق الهزيمة بقوتين استعماريتين كبيرتين : فرنسا في معركة ديان بيان فو سنة 1954 ، والولايات المتحدة التي حلت محل فرنسا في جنوب فيتنام سنة 1975 والتي ظلت هزيمتها المهينة في فيتنام عقدة تلاحقها حتى أيامنا هذه خاصة بعد ورطتها في العراق.
لقد ظل الحزب الشيوعي الفيتنامي طوال الثورة الوطنية حريصاً على إبراز دور جبهة التحرير الوطني الفيتنامية وبقائه في الظل .
والثورة في جنوب إفريقيا التي استمرت قرابة خمسة وثلاثين عاماً وألحقت الهزيمة بنظام التمييز العنصري سيئ الذكر الذي كان النموذج الملهم لهرتسل مؤسس الحركة الصهيونية قادها المؤتمر الوطني الإفريقي ثنائي التركيبة المكون من الجناح القومي برئاسة منديلا والحزب الشيوعي الذي تولى قيادة الجناح المسلح للمؤتمر الوطني وظل حريصاً على البقاء بعيداً عن الأضواء . وبقي المؤتمر الوطني محافظاً على وحدته رغم الضغوطات التي مارستها الإمبريالية العالمية والنظام العنصري عل التيار القومي لفصم تحالفه مع الحزب الشيوعي ، ورغم الاتهامات التي تعرض لها الحزب الشيوعي على يد متطرفي اليسار بتذيله لحزب المؤتمر الوطني .
إن انتصار الثورتين الوطنيتين في فيتنام وجنوب إفريقيا لم يستند فقط إلى وحدة القوى الوطنية ، بل اعتمد أيضاً على عاملين أساسيين : العامل الأول التمسك بهدف التحرر الوطني المتمثل في فينام بطرد الاستعمار الأجنبي ، وإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وإقامة دولة ديمقراطية تضمن المساواة بين جميع الأعراق والألوان ( السود والبيض والخلاسيين والهنود ) . والعامل الثاني تمسك قيادة الثورتين ، جبهة التحرير الوطني الفيتنامية والمؤتمر الوطني الإفريقي بحقهما في المقاومة وفي مقدمتها المقاومة المسلحة ، ورفضهما التنازل عن أهدافهما الوطنية أو حقهما في المقاومة ، رغم التضحيات الجسيمة وشدة الضغوطات التي واجهتاها .
إن الانقسام الخطير في الساحة الفلسطينية ليس وليد أحداث غزة في حزيران في هذا العام والخلاف بين فتح وحماس ، بل يعود في الأساس إلى الميول السائدة لدى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية للمساومة والتنازل عن الأهداف الوطنية وحق شعبنا في المقاومة ، وما ترتب على ذلك من ضرب للوحدة الوطنية وبروز الانقسام في الساحة الفلسطينية . وقد تجلت هذه الميول في اتفاق أوسلو المشؤوم الذي نص على اعتراف منظمة التحرير بدولة ” إسرائيل” والتنازل عن 78% من أرض فلسطين واستعدادها لمحاربة العنف والإرهاب ، أي التخلي عن حق المقاومة . وتوالت التنازلات في اتفاق باريس الإقتصادي الذي ربط اقتصاد الضفة والقطاع بالاقتصاد الإسرائيلي ووضع شؤون الجماهير المعاشية وتمويل موازنة السلطة رهينة بيد المحتلين الصهاينة، وفي وثيقة جنيف التي تضمنت التخلي عن حق العودة ، وما تبع ذلك من شطب عدد من البنود الأساسية في الميثاق الوطني الفلسطيني .
وقد استغل المحتلون الصهاينة خط المساومة والتنازل لدى قيادة السلطة ومنظمة التحرير وما نجم عنه من انقسام وارتباك في الساحة الفلسطينية فتضاعف الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية وتواصل بناء جدار الفصل والتوسع وتفاقمت إجراءات تهويد القدس ، مستغلين الدعم غير المحدود من الإمبريالية الأممريكية في ظل إدارة جورج بوش وحالة التخاذل والانقسام التي تسود النظام الرسمي العربي .
وجاء مؤتمر أنا بوليس ومؤتمر باريس الإقتصادي اللذان تولى الرئيس الأمريكي الدعوة لهما والإشراف عليهما ليكشف مدى خطورة المخططات الأمريكية الصهيونية الهادفة لتصفية قضية فلسطين . فكلمة بوش التي تضمنت الدعوة لاعتبار ” إسرائيل دولة للشعب اليهودي” والإبقاء على الكتل الإستيطانية في الضفة الغربية وإلغاء حق العودة وإدانة المقاومة بوصفها إرهاباً والتحريض على حركة حماس تتطابق مع سياسة الكيان الصهيوني التوسعية العدوانية .
وأخطر ما في الأمر ما صدر عن كل من محمود عباس رئيس السلطة ورئيس وزرائه سلام فياض فيما يخص العلاقة مع حماس والمساعي لإعادة اللحمة للعمل الوطني الفلسطيني .فقد طرح عباس شروطاً جديدة للحوار مع حماس لا تقتصر على دعوتها إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل حزيران سنة 2007 في قطاع غزة ، بل طالبها بالالتزام بكل الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير بما في ذلك إتفاق أوسلو سيئ الذكر وكل القرارات الصادرة عن المنظمة ومن ضمنها شطب البنود الأساسية في الميثاق الوطني الفلسطيني ، ما يعني إدارة الظهر لكل الإنفاقات حول الوحدة الوطنية التي تم لتوصل إليها بعد حوارات طويلة متعددة ، بما في ذلك إتفاق القاهرة سنة 2005 حول إعادة بناء منظمة التحرير ووثيقة الوفاق الوطني ( وثيقة الأسرى) ، واتفاق مكة حول حكومة الوحدة الوطنية . وما يلفت الانتباه أن تصريحات عباس عن العلاقة مع حماس قد تزامنت مع تصريحات أولمرت التي أعلن فيها أنه يشترط للحوار مع حماس استجابتها لشروط اللجنة الرباعية . أما سلام فياض فقد أعلن بعد مؤتمر باريس الاقتصادي والمبالغ المالية التي أقرها لدعم السلطة أنه يعتبر ذلك بمثابة منح الثقة بحكومته، ما يعني أنه لم يعد في حاجة إلى ثقة المجلس التشريعي الذي انتخبه الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع.
وليس غريبا بعد ذلك كله ، وبعد مؤتمر أنا بوليس مباشرة أن يمضي المحتلون الصهاينة في تنفيذ مشاريع الاستيطان خاصة في محيط القدس والحفريات حول المسجد الأقصى ومواصلة إجراءات القمع في الضفة الغربية بالاعتماد على التنسيق الأمني بين قوات الاحتلال وأجهزة أمن السلطة برعاية أمريكية وتشديد الحصار على قطاع غزة وارتكاب أعمال القتل والاغتيال التي ذهب ضحيتها عشرات الشهداء خلال أيام قليلة، وإعلان أولمرت مؤخراً أن جيشه يخوض حرباً حقيقية في قطاع غزة هدفها حسب زعمه ، إسقاط حكومة حماس واستعادة سيطرة سلطة عباس عليه، ساعياً بذلك لتعميق الانقسام في الساحة الفلسطينية .
إن بقاء الانقسام في العمل الوطني الفلسطيني يزيد في المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية . وبالتالي فإن المهمة الأساسية العاجلة التي تنتصب أمام شعبنا هي حشد طاقاته ووحدة جميع قواه بمختلف تلاوينها : الوطنية والقومية والإسلامية واليسارية دون استثناء في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بناء مؤسساتها على قاعدة الميثاق الوطني الفلسطيني والبرنامج المرحلي المتمثل في إزالة الاحتلال والاستيطان الصهيوني من جميع الأراضي المحتلة منذ سنة 1967 وفي مقدمتها القدس وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وضمان عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي هجروا منها منذ سنة 1948 . وتحقيق هذه المهمة يقع على عاتق كافة القوى والفصائل الفلسطينية وبوجه خاص حركتي فتح وحماس وما يتطلبه ذلك من تسامٍ فوق الجراح والاعتبارات الفئوية.
الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري*
2021-07-26