الولد وشاويش المخفر، قصة صغيرة!

رشاد أبوشاور.
كما هي عادته، كان يلوّح بعصا قصيرة سوداء، وكأنه يتوعد أحدا ما، وهذا ما يعطيه شيئا من الهيبة.

وهو يقف في مدخل المخفر، فوق درجته التي تؤدي إلى المصطبة، بين نباتات البوص الوارفة الأوراق، ما أن شاهده يتجه صوب الإسفلت، حتى أشار له بطرف العصا مع لهجة آمرة:

-تعال يا ولد.

وقف قليلا وهو يسدد نظرة حائرة مترددة باتجاه الشاويش، فأمره بلهجة أكثر حزما مع التلويح بالعصا:

-تعال ولك..تعال.

حرك قدميه ببطء وهو يدير فكرة في رأسه بأن يطلق ساقيه للريح مبتعدا، مؤملا أن لا يعرفه، ولا يعرف إبن من هو، لكنه مضى وقطع الإسفلت وبخطوات قليلة صار أمام الشاويش.

أشار الشاويش بطرف العصا:

-شايف السطل إحمله واملأه من الجدول..وتعال ونظّف المرحاض، يلاّ.

مرّ بجانب الشاويش، وحمل السطل، ثم توجه إلى الجدول، وغطس السطل في الماء، ثم انتشله وهو يستدير ويرمق الشاويش الذي وقف يراقبه،ثم انشغل بالترحاب برجل ما لعله أحد المخاتير.

تنبه على صوت باص نابلس الذي يصعد وينعطف ويهتز على طريق نابلس. وقف وترك السطل ثم راقب اندفاع الباص وارتجاجه وبوزه الأفطس، وتمنى لو يسافر فيه إلى نابلس. تساءل: هل نابلس بعيدة؟ وكم يأخذ الباص أُجرة منه لو سافر فيه؟ من أين سيأتي بالمصاري، وماذا سيفعل في نابلس التي لا يعرف فيها أحدا؟

لو لم يكن أبي سجينا في المقاطعة في أريحا لرجوته أن يأخذني إلى نابلس، ولحكيت للأولاد عن نابلس، وما شاهدته فيها.

رآها قادمة على الشارع وحدها. هي تأتي لتراه في هذا الوقت الذي يكون الحر فيه شديدا، فترك السطل ومضى باتجاهها. سألته:

-شو بتساوي في هالحر الشديد؟

-وأنت وين رايحة في هالحر الشديد؟

ابتسمت فابتسم

-شو هالسطل اللي كنت تحمله؟

-هذا سطل المخفر.

-وليش تحمله؟

مشى معها إلى الحنفيات، فملأت جرتها، فرفعها والتقت أصابعهما..فارتجفت أصابعه وقلبه.

قالت له بصوت خائف:

-لا تمش معي..رح بعيدا، خلاص شفنا بعضنا..يلا رووووح.

أسرع مبتعدا حتى لا ينتبه الشاويش أنه لم ينظف المرحاض.

هل سيعرف ابن من هو؟ لا ، كيف سيعرف أن والده الشيوعي محبوس في مخفر المقاطعة، وأنه ينتظر خروجه من الحبس ليزور معه نابلس في الباص الأفطس؟

تأمل مدخل المخفر، فرأى الشاويش يخرج مصطحبا الرجل، ويتوقف متأملا السطل، مديرا راسه في شتى الجهات علّه يرى الولد. أشار الشاويش بطرف عصاه للرجل والسطل، فتوجه الرجل وحمل السطل ودخل في الممر بين البوص…

أدار ظهره ومشى بخطى سريعة مبتعدا وكأن الأمر لا يعنيه. عندما يخبر والده بأنه لم ينظف مرحاض المخفر سيفرح به، وسيفرك جلدة رأسه قصيرة الشعر: هيك بدّي إيّاك دايما يا بطل…
_________
“كنعان” نشرة
‎2021-‎07-‎10