سعدي يوسف .. صنع جيله بيديه!
غسان زقطان.
رحل سعدي يوسف الذي أصبح معلماً دون إرادته، وصل من زمن باهت بهّته رحيل الكبار وتركه منجزهم فقيراً ومستنزفاً ومحروثاً أمام شاعر شاب قادم من البصرة، كان التحول الأهم في الشعر العربي، الذي بدأ في العراق، قد أكمل انعطافته على يد بدر شاكر السياب، ووجدت قصيدة التفعيلة شرعيتها، وكان محمد مهدي الجواهري يصعد بالقصيدة الكلاسيكية ويمنحها حضوراً معاصراً، وفي المشهد العراقي عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وحسب الشيخ جعفر ويوسف الصايغ وصلاح فائق وسركون بولس وآخرين. كانت البصرة والجنوب قد أنجز اقتراحه بينما بدأت تصل اقتراحات قوية وتتشكل مغامرة شعرية مختلفة في كركوك والشمال، ما زالت قادرة على تقديم رؤيتها وتعميقها عبر شاعر بقوة وحضور صلاح فائق على وجه الخصوص.

في هذا الالتباس بين جيلين كتب سعدي يوسف قصائده الأولى. لم يكن هناك الكثير ليحققه أو يضيفه، لقد أنجز الآخرون العمل وهم يواصلون الزراعة في حقولهم.

لعل قوة الموهبة ومغامرة الاختيار التي رافقته حتى قصيدته الأخيرة هي التي قادته الى مطارحه اللاحقة التي منحته دور المعلم، لم يكن يقصد ذلك، ولم يسع اليه، كان يدخل من الباب الجانبي، الباب الذي اكتشفه عبر دأبه ومثابرته.

بين جيلين صنع سعدي يوسف جيله الخاص، في استدعاءات تتسم بالمغامرة والبحث عن شركاء، قام بترجمة قسطنطين كفافيس وقدم “وداعا للإسكندرية التي تفقدها”، لا يشبه سعدي المشغول بالعاديات واللغة اليومية كفافيس الذي صبّر الزمن الهلليني واللغة الإغريقية وظلال الميثولوجيا، ولكنه قدمه بإخلاص ومنحه الكثير من لغته كمن يدير حواراً نزيهاً مع أحد أهم شعراء المتوسط، سيقدم “يانيس ريتسوس” ويتأثر به ولوركا ورفائييل البرتي وسيدخل رمادية فلاديمير هولان… وآخرين، أولئك هم جيل سعدي يوسف، الجيل الذي صنعه بيديه.
‎2021-‎06-‎24