سعدي يوسف.. رحيل “تروبادور” المنافي مُضرّجاً بالأحلام!

كتب يوسف الشايب.

“كنت زرته قبل عامين في بيته في ضواحي لندن.. قرية صغيرة هادئة لدرجة تبعث على الملل فوراً.. هذا على الأقل ما شعرت به وأنا أسير في شوارعها الفارغة إلا من بعض المسنين الذين يسيرون ببطء، باحثة عن اسم الشارع والبيت الذي كتب لي الشاعر عنوانه في رسالة هاتفية”، هكذا بدأت الروائية الأردنية كفى الزعبي تتذكر الشاعر العربيّ العراقيّ الراحل سعدي يوسف.

تساءلت عبر صفحتها في “فيسبوك”: ما الذي جاء به إلى هنا؟ أيشعر بالغربة؟ هل بات ينتمي لهذا المكان؟.. استحضرتُ، وهذه الأسئلة تجول في ذهني، مأساة العراق.. هناك صوت الدمار لا يفتأ يدوي/ وهنا هدوء يجعل من تقلبات الجو حدثاً مُهمّا.

“عثرتُ على البيت. إنه صغيرٌ مُكوّن من طابقين. يعيش هو في الطابق الثاني. في طرف البيت باب أخضر. كان مفتوحاً. حينما وقفت فيه واجهني شاحط ضيق من الدرج.. ارتفع نظري فيه إلى أن ثبت على آخر نقطة: مربع صغير يجلس فيه سعدي يوسف على كرسي إلى جانب النافذة، ويُدّخن”.

قال لي: أهلاً وسهلاً، تفضلي!.. أصعد السلم وأفكر: ما الذي يفعله هذا الشاعر في هذه المساحة الضيقة، وهذا الصمت؟. يجيبني من دون أن أطرح السؤال: في كل يوم في هذه الساعة من النهار أدخن سيجارة عند هذه النافذة. إنها سيجارتي اليومية الوحيدة.

تعترف الزعبي: لم يعرفني من قبل، ولم أعرفه شخصيّاً من قبل. لهذا يبدو الحديث عشوائياً حول مواضيع كثيرة نمرّ بها سريعاً، لكنّي طوال الوقت وأنا أجلس معه في غرفة صغيرة، ثم ننتقل إلى مطبخ صغير، كنت أظل أسأل نفسي: ما الذي يفعله هذا الشاعر الكبير ابن العراق العظيم، الواسع في الجغرافيا والتاريخ هنا؟

في طريق عودتي، والحديث للزعبي، وحيث أصرّ على توصيلي إلى محطة القطار في سيارته، طرحت عليه السؤال: بعد هذه السنوات الطويلة من العيش هنا، هل بتّ تنتمي إلى هذا المكان؟، فأجاب بأن “لا”.. هل ثمة مكان آخر تنتمي إليه؟، فكانت “لا” ثانية.. لم أصدقه بالطبع. لكن هذه الـ “لا” جعلتني أشعر بالحزن على العراق.. مثلما أشعر الآن بالحزن على سعدي يوسف، فقيد الشعر والأدب، أشعر بالحزن على العراق.. إنها مأساة أخرى أن يرحل شعراؤه غرباء، مُعزّين أنفسهم بفقدان الوطن بأنهم: أولاد طلقاء”.

وكان لافتاً تعقيب الروائية العراقية إنعام كجه جي على منشور الزعبي، مخاطبة إيّاها، هي المنفية عن عراقها أيضاً، بأن “صدّقيه في انتمائه إلى اللامكان”.

نص قد يكون الأخير
المؤرخ والأكاديمي اللبناني فواز طرابلسي، كتب على صفحته في “الكائن الأزرق” أيضاً: ما عاش إلا للشعر.. كلّ شيء يتحول بين يديه الى شعر: أشياوات الحياة اليومية، الحبّ، المرأة، الشيوعية، وصولاً الى ملاحم العراق ومآسي شعبه: بلاداً بين نهريَن /بلاداً بين سيفيَن.. عشنا معاً في بيروت التي تقاوم الحصار الاسرائيلي بـ”قلبها الياقوت”، ورافقته متنقلاً في منافيه بين دمشق، وقبرص، وعدن، وفرنسا إلى ان استقرّ في انكلترا.

وكشف طرابلسي: في آخر اتصال أرسل لي هذه القصيدة التي تقول الكثير عن سعدي الشاعر والإنسان..

“أن تكونَ على التلّ …
أرتقي في الصباحِ الـمُـبَكِّر، تلّةَ هَيْرْفِيلْد
معتمِداً عَـصَـوَيَّ اللتينِ تُعِينانِ ساقَيَّ
(قد وهَنَ العظْمُ مني كما تعْلَمُ ) …
العشبُ أخضرُ
والـمُرْتَقى ضيِّقٌ
(هو أصْلَحُ للماعز)
الشمسُ أوضَحُ في الـمرتقى آن أبْلغُ هضْبَتَهُ؛
من هنا سأرى كونَ هَيْرفِيلدَ أوضحَ:
تلكَ البيوتَ التي جئتُها منذُ ألفَينِ …
تلكَ البيوتَ المطابخَ
أو غُرَفَ النومِ،
حيثُ الخنازيرُ ترعى نهاراً
لكي تتسافدَ في الليلِ.
ألْمحُ طائرةً تُشْبِهُ الحوْمَ
(مدرسةُ الطيَرانِ القريبةُ سوف تؤهِّلُها للقنابلِ)
كان ضبابٌ شفيفٌ على القريةِ.
الشارعُ انطَمَسَ …

***

أنْ تكونَ على التلِّ
أفضلُ من أن تُخَوِّضَ في الوحْلِ …

***

ما هذه الحكمةُ المتأخرةُ؟

***

الآنَ تهبطُ،
لكنْ لتنتظرَ الصبحَ
والـمُرتقى!

الشيوعيّ الأخير
الروائي اللبناني إلياس خوري كتب عن سعدي يوسف: الشاعر الذي حوّل الحياة اليومية إلى ايقاع والتفاصيل إلى موسيقى، آخر الكبار يموت وحيداً خارج عراقه المطحون بالاحتلال والفساد والطائفية.. سعدي يوسف الذي كان يشبه الشعراء في تشرده ونزقه وجماليات الروح التي تشعّ منه، يترك لنا إرثاً من الرؤى الشعرية، وشعاع ضوء وسط عتمة العرب.. وريث الألم السيّابي، الذي جعل الشعر مصيراً، والموقف علامة.. الشيوعي الأخير يموت مضرجاً بأحلامه ومعانقاً الحضور في غيابه.

وردة لياسر عرفات ولعدن
الشاعر الفلسطيني راسم المدهون، كشف في صفحته الفيسبوكية: عقود طويلة من سنوات الصداقة العذبة مع سعدي يوسف، كان خلالها “تروبادور” المنافي الجوّال والقريب من كل حدث ولو كان صغيراً في بلاد العرب (…) سأتذكر قصائده كلها، لكنني سأتوقف دائماً وطويلاً أمام بعضها، أعني تلك القصائد التي وشمت ذاكرة تاريخنا، ومنها: “نهايات الشمال الإفريقي” التي لامست كفاح الجزائر، و”الوردة” التي كتبها لياسر عرفات خلال حصار بيروت 1982، مثلما سأذكر بالتأكيد “الأخضر بن يوسف ومشاغله” و”كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته الجديدة”.. من دمشق الى عدن والجزائر وبيروت، وأيضاً إلى “جزيرة الشمس” قبرص، يطلّ وجه سعدي من كل تلك النوافذ ضاحكاً، فلا أجد ما أقوله سوى “هلا سعدي”.

أما الروائي اليمني علي المقري، فكتب: كانت عدن تبدو كفقاعة في ذاكرة سعدي يوسف، تظهر دائماً في أحاديثه وكتاباته حيث كان شاهداً على فورة أحلامها وفجيعة خرابها.. برحيله تفقد عدن أحد أعلامها الذين مرّوا ولم يغادروها أبداً.. تفقد الكتابة العربية أحد المشاغبين الكبار، مجد الكتابة وحرّيتها.

وأختم بما اكتفى به الروائي السوري خليل النعيمي، حيث نشر تعقيباً مقتضباً ومعبّراً في آن.. “سعدي يوسف هي الأرض وراءك، ألا تراها؟ شكراً لعبورك هذا الوجود”.
‎2021-‎06-‎23