هل ان التأريخ هو تأريخ الأمة ام تأريخ الحكّام ؟
د. صلاح حزام.
يكتب لي احياناً بعض الاصدقاء على الحساب الخاص وهو يعاتبوني على مايعتقدون انه بمثابة ” نشر غسيل الحكومات العراقية السابقة” ،
عندما اكتب عن ممارسات خاطئة في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع الخ ..
وحجة هؤلاء الاصدقاء ان ذلك يشوّه صورة تاريخ العراق ويعطي صورة سلبية عن تاريخ بلاد الرافدين العظيم وعن الفكرة التي ترسّخت في عقول الجمهور العربي عن عظمة العراق وكونه رائداً في كافة ميادين النهضة والتقدم ..
ملاحظات من هذا النوع تجعلني استحضر الفكرة التي كانت تسود في فترة ما والتي تقول : علينا تنظيف الشارع وتجميل الرصيف وعدم رمي الأزبال لانه قد يأتي سائح اجنبي ويأخذ فكرة سلبية عن اوضاعنا !!
نحن لانطلب تلك الاشياء الجميلة لاننا نحتاج اليها لجعل حياتنا أفضل ، بل لكي يراها السائح الاجنبي !!!
اي رأي سقيم هذا واي تبخيس للذات واي معايير بائسة للرفاه تلك التي يجري تداولها !!
في البيوت ، كان يجري ادّخار الاواني الجميلة وادوات الطعام وكذلك أجمل غرفة واحسن أثاث ، لغرض استخدامها عندما يأتي الضيوف !!
انها “غرفة الخطّار” المقدسة التي سوف تنزل لعنة الآلهة على الطفل الذي يتسلل اليها خلسة وربما بدافع الفضول !!
كيف له ان يلوّث الغرفة وقد يأتي الضيوف فجأةً ؟
في التعامل مع التاريخ احياناً يحكمنا نفس المنطق ، ماذا سيقول عنا الناس الاجانب عندما يعرفوا اننا كان لدينا حاكم ظالم ؟ انه لأمرٌ مخزٍ ان نكشف عيوبنا للآخرين ..مع ان العالم يعرف الحقائق وكان يتابع ويوثق مايجري في بلدنا..
العالم يدرس ويُشرّح ويَفضَح التاريخ من أجل استنباط الدروس ولغرض تجنّب ارتكاب نفس الأخطاء وتسمية الأشياء بأسمائها ، ونحن نُزَيّن التاريخ الاسود ونجد المبررات للممارسات الخاطئة لاننا منقسمون وطنياً الى فئات تناويء بعضها البعض ونقرأ التاريخ تَبِعاً لتلك الانقسامات .
لدينا تاريخ حكومي وتاريخ مجتمعي وتواريخ فئوية وتواريخ حزبية ايديولوجية ، ولدينا تواريخ شخصية !!
لاتوجد لدينا قضية واحدة نتفق عليها تاريخياً ولدينا سرد وتفسير موحد لتلك القضية واسبابها ونتائجها ودوافعها..
البعض يقول هذا الحاكم بطل والآخر يقول انه خائن وعميل وفاسد ..
رواية تأريخية لحدث معين تتناقض مع رواية أخرى .
حتى في الدين والفقه ومعارك الاسلام والفتوحات والثورات وعمليات التمرد على السلطة وفي تحليل ميول الشعراء والفلاسفة والمثقفين ، لاتوجد رواية موحدة !!!
كيف يجد الجيل الجديد طريقه الصحيح ؟
كيف يستطيع هذا الجيل رفض الخطأ اذا كان التاريخ يخلو من الخطأ ؟؟
لاننا نفتقد الموقف الوطني الموحد، اصبحنا نعبث بالرواية والتحليل التاريخي حسب اهوائنا وبما يخدم مصالحنا الضيقة دون الاكتراث بذاكرة الوطن ..
ومجتمع بدون ذاكرة موحدة وموضوعية لايمكن ان يكون مجتمعاً سليماً.
‎2021-‎06-‎13