أبطال الصمت يستحقون كلامنا!
مصطفى عبيد.
ليست مهمة الكاتب أن يكتب، أن ينقل ما يقوله الآخرون، أن يُكرر ويُساير ويُشيد ويمدح.
إنما دوره فى الحياة هو أن يكتشف ويجدد ويُغيّر ويطرح ويبتكر، أن يُخربش العقل الصامت الساكن ويستحثه أن يُخالف ما يراه، أن يُفكر بعمق، ويستعر تأملا وتدبرا وبحثا.

لذا أولع بقصص المنسيين، وأغرم بحكايات المُهمشين، وأسعد بمن يُلملم تفاصيل تبدو جانبية ليُقدم لنا سجلا معرفيا يكتسب خلوده بالكتابة.

من ذلك كتاب رقيق سهل، ممتنع، للأديب الجميل أحمد الخميسى، الذى يمتلك قلما ساحرا، وروحا وثابة شابة، تتحمس لمن هم خارج المشهد، وتنتبه لمن يغردون بعيدا مسجلا حيواتهم بإجلال ومحبة.

يقدم لنا الأديب المبهر كتابا صغيرا بعنوان «أبطال فى صمت» يضم بين ضفتيه حكايات الأبطال المنسيين، النابتين من تربة مصر، العاديين، أبناء العوام، الذين أثبتوا وطنيتهم أفعالا لا أقوالا، ليُخبرنا أن هناك أناسا كثرا تخفق قلوبهم بمحبة الأرض الطيبة ولا يعرفهم الناس لقلة الحظ.

منهم مثلا ضابط الشرطة المصرى مصطفى حمدى، والذى كان أحد أعمدة التنظيمات السرية المسلحة لثورة 1919، والذى كان مسئولا عن اعداد المتفجرات وتجهيز القنابل، وفى إحدى المرات كان مع أحمد ماهر، مهندس العمل الفدائى، والسياسى فيما بعد، فى صحراء حلوان يجربان قنبلة للمقاومة، فانفجرت فيه لتودى بحياته، فما كان من «ماهر» سوى أن قام بدفنه، ثم بعث برسائل إلى أمه يُخبرها فيه أنه سافر فجأة لاحتياجات العمل، وظل سنوات وسنوات يرسل لها كل شهر مبلغا ماليا، ولم يكشف أمره إلا فى تحقيقات اغتيال السير لى ستاك، إذ عثر صبى على عظام بشرية فى حلوان واستطاع رجال الاستخبارات البريطانية الوصول لأنها جثة البطل المصرى المنسى.

ومنهم مثلا الجندى المصرى محمد العباسى ابن مدينة القرين بالشرقية، والذى كان أول جندى يصل إلى الضفة الأخرى لقناة السويس فى حرب أكتوبر، وأبلغ قائده بذلك عبر اللاسلكى، وقال له «غرست العلم» وعاش بعد ذلك حتى الثانية والسبعين من عمره ليرحل فى صمت.

ومنهم أيضا سيد عسران بطل المغامرات الشعبية العجيبة فى حرب السويس سنة 1956، والذى تمكن من اغتيال عدد من ضباط الإنجليز ببورسعيد، لدرجة أن قوات العدوان طلبت رأسه بأى ثمن.

وغيرهم كثيرون، أبطال من كل لون، ومن كل جيل، بعضهم وقف فى وجه الأعداء بصلابة وثقة، وبعضهم وقف أمام جحافل الإرهاب، وهناك مَن وقفوا ضد الفساد، واستعباد الناس، والظلم، وهناك مَن قدموا لبلادهم أعمالا طيبة مازالت تؤتى نفعها بعد رحيلهم سنين عددا.

كثيرون كثيرون كانوا أبطالا ونماذج إنسانية عظيمة، وأفادوا مصر، ونفعوا المصريين لكن الناس تناستهم، وأهملتهم كتب التاريخ، ومقالات الصحف، لكن الخميسى الطيب، صديق التحتيين، والمؤمن بالناس لم يفعل، فكتب كتابه التنبيهى «أبطال من صمت» وكأنه يُذكرنا بأن هناك كثيرين خارج إطار الصور التذكارية يستحقون انحناءة شكر وكلمة وفاء.
والله أعلم.

2021-03-03