الفن عند العرب القدماء.
خارطة انتشاره.
ابو زيزوم .
قد يتساءل البعض عن السر الذي جعل سكان العراق القدماء وكذلك سكان سوريا يطرقون فنوناً تشكيلية ما تزال آثارها باقية حتى اليوم بينما احجم العرب حين استوطنوا هذه البلاد عن القيام بذات الشيء ! فالبيئة هي البيئة غنية وملهمة ، والبشر كأولئك البشر تواجدوا في حقبة نهوض حضاري وابداع رفيع المستوى . والجواب سهل جداً فالعرب وفدوا الى العراق وبلاد الشام حاملين فنهم معهم . لم يأتوا ليبحثوا عن فنون ليمارسوها ، فالشعر وفن الكلام متمكن منهم بدرجة لا تترك قيد انملة في النفس لفن آخر كي يولد ويترعرع . الانسان العربي الموهوب ومنذ ولادته يتطلع الى عالم الشعر كطموح ما بعده طموح ، فيوظف فيه جميع مواهبه . وبذلك نستطيع القول ان الشعر يتحمل وزراً كبيراً في صرف اعداد هائلة من المبدعين عن المجال العلمي . ولو كان العلم على نفس درجة الشعر في اجتذاب المواهب ربما لإنطلقت الثورة الصناعية من المشرق بدل المغرب .
في اليمن ايّام الجاهلية لم يتطور الشعر كتطوره في نجد والحجاز ، والسبب هو ذاته ان البيئة هناك أغنى منها في بقية أنحاء الجزيرة العربية . في اليمن زراعة وينابيع وجبال مشجرة ومن وراء ذلك البحر مما يشغل الحواس عن التحديق بالسراب واللجوء الى الكلمات للرسم بها والنحت . الوظيفة الاساسية للغة هي التفاهم بين البشر فأخرجها العرب عن تلك الوظيفة ليبنوا بها فنّاً من أعظم الفنون . من ناحية التفاهم بين الناس تكفي كلمة ( أسد ) للدلالة على ملك الغابة ، وتكفي كلمة ( سيف ) للدلالة على السيف ، فأضاف العرب مئات الألفاظ المرادفة التي لا لزوم لها لغوياً . بعضها ابتدعه الشاعر فقط لمواءمة القافية او مراعاة الوزن ، فتلقفها السامعون واشاعوها بسرور .
لم يمنع فن الكلام عند العرب من تطور فنون اخرى كفن المعمار الذي هو كاللغة يبدأ من كونه حاجة اجتماعية ثم ومع ازدهار الحضارة يغالب جانبه الفني الجانب العمراني . هكذا نمت تلك الفنون وشمخت في ارجاء واسعة من الارض التي امتد اليها العرب وخاصةً في الأندلس دون ان تؤثر على فنهم الاول فن الكلام . وانما كانت الحضارة تتوسع بشكل يستوعب حقولاً متعددة في وقت واحد دون ان يحط احدها من الاخر .
( ابو زيزوم _ 997 )
2021-02-15