تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (14)!

د. عمر ظاهر.

الانتقاء الطبيعي أكذوبة بائسة.

يمكن اعتبار البابين الثامن والتاسع من كتاب داروين “في أصل الأنواع” قلب هذا الكتاب الذي يتألف من خمسة عشر بابا. في الأبواب السبعة الأولى أجهد داروين نفسه في إقامة صرح الانتقاء الطبيعي بادعاءات عن قدرات يتمتع بها هذا الانتقاء وتوضيح تلك القدرات بأمثلة متخيلة؛ أو بادعاء قيامه بتجارب لم يوثق قيامه بها؛ أو معلومات غير موثقة؛ أو ملاحظات فردية (anecdotes)؛ أو حجج لا تصمد أمام أية محاكمة منطقية؛ أو بالتذرع بالغموض، بل وحتى بالجهل؛ أو بمقارنات اعتباطية تارة باللغة وتارة بالتدجين. في هذين البابين يواصل داروين نهجه في محاولة ربط كل صغيرة وكبيرة في الطبيعة بالانتقاء الطبيعي، وهذه المرة بالغرائز. لكن معول أمثلته الحقيقية المأخوذة من الطبيعة يهدم بلا هوادة أسطورة، بل أكذوبة الانتقاء الطبيعي، فهذه الأمثلة تفضح كل الهلوسات عن ارتباط الانتقاء الطبيعي بالصراع على الغذاء من أجل البقاء، وتكشف زيف حرصه على منفعة الكائن الحي الذي يزعم داروين أن هذا الانتقاء يقوم بتأهيله للبقاء. في هذين البابين يتكشف أن التمايزات غير العضوية، والتي يدعي داروين أنها مسار تركيب الغرائز، والتي تتزامن مع التمايزات العضوية، لا علاقة لها بالصراع من أجل البقاء، وأن هذه الغرائز – التي يتناولها، تحديدا، معتبرا إياها رائعة وبديعة، ليست في كل الأحوال لصالح الفرد، أو نوعه، أو عائلته، بل إن لها وجهين، وجه لصالحه وآخر لصالح غيره، وتكون بالتالي لصالح توازن طبيعي لا يمكن أن يقوم على أساس الأنانية المفرطة التي يلصقها داروين بكل كائن حي في الطبيعة يسحق الآخرين ليبقى هو. ثم إن الغرائز تخدم جوانب في حياة الكائنات الحية لا علاقة لها بالبقاء. والأهم من كل شيء أن داروين يكشف لنا أن ليس هناك صراع على الغذاء فيما يتعلق بالغرائز، بل إن الكائنات التي يتحدث عنها، تحديدا، تجهد لتنتج الغذاء، أو تحصل عليه، وتقدمه لغيرها. ثم يشهد داروين بنفسه، ومن حيث لا يدري، على أن تزايد الكائنات الحية بنسبة هندسية فرضية باطلة.

هذا رغم أن داروين يبقى في هذين البابين سارحا في تخيلاته، وافتراضاته، ويحاول حتى إقحام التدجين في مجادلاته الفارغة. أما بقية الأبواب، من العاشر حتى الخامس عشر – باستثناء الباب الرابع عشر، فليس فيها ما يضيف إلى النظرية شيئا، فهو اجترار لما سبق أن قيل، إضافة إلى معلومات جغرافية بالارتباط برحلته مع السفينة بيجل؛ وهذه المعلومات لا تقدم ولا تؤخر في تطوير النظرية.

نؤكد في هذا العمل النقدي لنظرية داروين في التطور دائما أننا غير معنيين بالقيمة العلمية للمعلومات التي يوردها، ويقيم على أساسها الاستنتاجات. ذلك لأن الرجل عنده مشكلة في توثيق تلك المعلومات، الأمر الذي يحرم القارئ من فرصة الحكم على صحتها وقيمتها. إن داروين لا يقوم بدور الباحث في البيولوجيا، بل إنه يقوم بعمل فلسفي يتلخص في وصف أبحاث الآخرين، وليس تحليلها، والاستنتاج من المعلومات فيها. لذلك فإن ما نركز عليه هو مدى التزام داروين بمنهج سليم للبحث العلمي، وبكيفية تركيب المعلومات وربطها ببعض باتجاه التوصل إلى استنتاجات مقنعة.

ونؤكد بشكل خاص أن دافعنا من دراسة كتاب داروين لا علاقة له بالمعتقدات الدينية إطلاقا، وأن دراسة داروين لم تغير أية قناعة لدينا حول الجوانب الوجودية للحياة. إنها جعلتنا واعين، وحسب، بأن صورة العالم في أذهان كثير من الناس مشوهة بفضل الدجل العلمي الذي قام به داروين. هذه الحقيقة يشهد عليها كل باب من أبواب كتابه “أصل الأنواع”. ونحن اكتفينا بالتنبيه إلى ذلك سابقا، لكننا هنا، في هذا الباب سنقدم كشفا تفصيليا عن النشاط الطفيلي لداروين، وتزويره الحقائق. داروين لم يكن شاهد زور فقط، بل كان طفيليا ميالا إلى الدجل.

داروين شاهد الزور الطفيلي
قد يعتبر بعض الناس إطلاق عبارة “فيلسوف رديء” على داروين نوعا من التحامل على أيقونة علمية بارزة شغل الناس، وملأ الدنيا على مدى أكثر من قرن ونصف القرن حتى الآن. ونحن نود أن نؤكد أننا بدأنا دراستنا لداروين بروح الاحترام لمن كنا نظن أنه باحث وعالم آملين أن نتعلم منه ما يوازي كل ما سمعناه عنه. ولكننا اكتشفنا مع تقدم الدراسة أن داروين لم يكن عالما قط. ثم بإعادة الدراسة اكتشفنا أن داروين يقوم بعمل الفيلسوف. وبالإمعان في دراسة كتابه مترجما إلى العربية وفي لغته الأصلية تيقنا أن داروين كان دجالا، وكان طفيليا يعتاش على أبحاث الآخرين، وأن التهريج لكتابه قد يكون وراءه أي دافع باستثناء المحتوى العلمي، فهذا الكتاب ليس علميا، ويصلح أن يوضع في خانة كتب الدجل والشعوذة في المكتبات.

في هذا الباب الممتد على خمسين صفحة، ويتناول عالم الغرائز، لم يقم داروين بنفسه إلا بمراقبة سطحية لبعض فصائل النمل، وذلك عام 1860 أي بعد صدور كتابه، وبتجربة على خلايا النحل سنقدم له الثناء عليها، رغم أن نتائجها كانت معروفة عنده سلفا، وكانت لذلك تتحكم بها لتوصلها إلى المطلوب منها. كل المعلومات التي يبني عليها الهراء عن الغرائز تأتي من أبحاث، أو مجرد كتابات، أناس آخرين. وفيما يلي قائمة بأسماء بعض هؤلاء الباحثين والكتاب:
بيير هوبر Pierre Huber
فريدريك كوفير Frederick Cuvier
السيد برنت (Mr. Brent)
الدكتور ميريل Dr. Merrell
أدولف موللر Adolf Muller
السيد رامسي Mr. Ramsay
السيد جولد Mr. Gould
أوين
السيد هدسون Mr. Hudson
السيد م. فابر M. Fabre
السيد ف. سميث Mr. F. Smith
السيد واتر هاوس Mr. Waterhouse
الأستاذ ميللر Professor Miller
الأستاذ وايمان Prof. Wyman
السيد تجيتمير Mr. Tegetmeier

إن الإشارة إلى أبحاث الآخرين، واستخدام نتائجها، ليس أمرا معيبا في عمل الباحث الجاد. على العكس تماما، إن بيان اطلاع الباحث على أبحاث الآخرين ضروري، ويعطي البحث الجيد مصداقية. إنه يبين أن الباحث يتابع ما يحصل في مجال عمله، ويعرف أين وصلت الأبحاث، وما هي الأمور التي لم يتم استجلاؤها بعد. ولا بأس في أن يجد الباحث في أبحاث الآخرين ما يؤكد نتائج بحثه هو، أو ،على عكس ذلك، يدعوه إلى إعادة النظر فيما توصل إليه. إن الباحث الجيد يبدأ خطوته الأولى من حيث انتهت بقية الأبحاث التي ثبتت صحة نتائجها، أو تحتاج إلى مزيد من البحث. هناك فوائد جمة في التواصل مع الأبحاث في مجال اختصاص الباحث. وهذه قاعدة عامة. الفلاسفة وحدهم مستثنون من هذه القاعدة لأنهم لا يبحثون في أي مجال، بل يستخدمون نتائج الأبحاث التي تروق لهم في بناء أفكارهم الفلسفية.

السيد داروين ليس من هؤلاء ولا من أولئك. فهو، من ناحية، يقوم بما يشبه عمل الفلاسفة في بناء الأفكار على نتائج أبحاث الآخرين، لكنه يفتقر إلى المزايا الفائقة للفلاسفة المتمثلة في تمكنهم من لغاتهم، وحذقهم في صياغة الأفكار لإقناع الناس، خاصة أولئك الذين يبلغون من الذكاء متوسطهُ، دون أن تكون لديهم النظرة الثاقبة في تحليل الأفكار المعقدة، وإفحام أصحابها. داروين شخص مشتت الانتباه، ضعيف التركيز، وشارد الذهن إلى حد أنه يهلوس أحيانا كثيرة، وهو لذلك يخلط الأمور بعضها ببعض، ولا يمكن أن يقنع إلا الناس الذين ذكاؤهم دون المتوسط الذين ينبهرون بالصياغات المبهمة الفارغة من المحتوى.

ومن ناحية أخرى، فإن داروين، رغم صيته كعالم عتيد، ليس له مجال اختصاص علمي محدد، فهو يحشر أنفه في عشرات الاختصاصات العلمية، دون أن تكون له غير معرفة سطحية عامة بها. إنه يفعل الشيء نفسه في مجال الغرائز، ولا يتصرف كباحث في الغرائز يعرف أين وصلت الأبحاث بخصوصها، وما يلزم إجراؤها من أبحاث جديدة، ليتمم هو ببحث من لدنه. إنه يتناول موضوع الغرائز وهو جاهل بها، لكنه مصمم على أن ينسب الغرائز في آخر المطاف إلى ملكوت الانتقاء الطبيعي، لا غير. إنه يتلقف بعض ما يقوله الآخرون، ويتخذ منه مدخلا إلى القدرات السحرية للانتقاء الطبيعي. إنه يشير، مثلا، إلى مشاهدة فردية من قبل السيد برنت لطير يتشقلب، ولا يقول لنا ما هي طبيعة أبحاث السيد برنت في هذا المجال، ويكتفي باقتطاع ملاحظة من الشخص المذكور عن طير يتشقلب في الهواء. ويعزز ملاحظة السيد برنت بأنه هو شخصيا شاهد ذات مرة طيرا يتشقلب. ويبني على هذه الملاحظة وهذه المشاهدة المفردتين ملحمة من ملاحم الانتقاء الطبيعي في مجال الغرائز. وكذلك فإنه يتلقف معلومة سمعها (نعم حتى إنه لم يقرأها، بل سمعها فقط) من السيد ميريل عن طائر الوقواق، ويبني ملحمة أخرى عن قيام هذا الطائر بوضع بيضه في أعشاش طيور أخرى، ويطلق خياله لوصف المعجزات التي يجترحها الانتقاء الطبيعي. ثم ينتقل إل شخص آخر، السيد رامسي، الذي يتحدث عن الوقواق الأسترالي.

باحث مخضرم يجلس في مكتبه في بريطانيا، ويهتم بنباتات الكرنب في حديقة منزله، وفي أوقات فراغه يفلسف عن طائر – (الوقواق)، سمع من شخص في ولاية أيوا في أمريكا أنه وجد ذات مرة في ولاية ألينوي أحد صغاره مع أحد صغار طائر القيق في عش طائر القيق الأزرق. وينتقل بعد ذلك إلى شخص في أستراليا عنده ملاحظات عن الوقواق الأسترالي. وعندما يصل إلى الوقواق الأوروبي نجد أنه لا يعرف أي شيء فيبدأ بالحديث عن أمور افتراضية. ويكتشف القارئ في النهاية أن ما يزعمه داروين عن علاقة الانتقاء الطبيعي بغريزة طائر الوقواق هذه ينسف بشكل كارثي كل الهيكل المقدس الذي بناه لهذا الإله الأفلج. ويفعل داروين الشيء نفسه بخصوص غرائز النمل والنحل، فلا نملك إلا أن نبتسم، ونهز رؤوسنا، حين ينتهي الأمر كله إلى قيام النحل، بفضل الغرائز، بصنع أروع غذاء لغيره من الكائنات الحية. داروين لا يبين لنا من أين تأتي الغرائز إلا بتعويذته المستهلكة “الانتقاء الطبيعي”، لكنه يبين كيف يستخدم النحل غرائزه في عمله الإبداعي. وفي كل هذا فداروين، تماما مثلما فعل مع كل مصطلحاته، يمتنع عن تقديم تعريف للغريزة!

ونحن، إذ نرى الأهمية الفائقة لنفي داروين نفسه بنفسه في البابين الثامن المخصص للغرائز، والتاسع المخصص للعقم، فإننا سنوليهما أهمية أكبر ونتابع ما يقوله خطوة فخطوة، مما يعني أننا سنخصص عدة مقالات للباب الثامن، وننظر أيضا باهتمام أكبر إلى الباب التاسع، ونعرج أخيرا على الباب الرابع عشر.

يتبع ..
‎2021-‎02-‎12