شعوب ودول تَعَلمتْ من هزائمها، ألمانيا نموذجا…
فكيف ينخرط العرب في مشروع التقدم الإنساني؟ ج 2.
بقلم أعلية العلاني*
تحدثنا في المقال السابق عن عوامل نجاح النموذج الياباني الذي عرف كيف يستفيد من هزائمه ويصبح قوة اقتصادية، ربما تؤهله للعب أدوار إقليمية . ونتحدث في هذا المقال عن عوامل نجاح النموذج الألماني في تجاوز هزيمته بعد الحرب العالمية الثانية. ونحن إذْ نَذْكُر ذلك فإننا نعتقد أن العالم العربي يستطيع أن يستخلص العبرة ويستلهم من هذه التجارب رُوحَها ومنهجيتها لأنه لكل بلد خصوصياته وظرفيتُه وثقافته، لكن المشترك بين النموذجين الياباني والألماني هو الإصرار على الخروج من حالة الأزمة وتحويل الهزيمة إلى انتصار اقتصادي جعلهما ضمن أعضاء مجموعة الدول السبعة الصناعية الكبرى في العالم.
لقد عرفت ألمانيا كيف تتعامل مع هزائمها بعد حربين عالميتين مُدمّرتين، وتقسيمها إلى دولتين (ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية). ورغم كل هذه الأزمات انتفض الشعب الألماني على أوضاعه وضَمّد جراحه ورضي بشروط الهزيمة التي تمنعه من إعادة بناء قوته العسكرية. وتفرّغ للاستثمار في العلم والثقافة والصناعة وفي التكنولوجيا الرقمية وبَنَى قاعدة صناعية صلبة. وأبدع في العلوم الإنسانية كالتاريخ والفلسفة، وفي مجال الموسيقى أيضا. وتفادى إلى حد ما الانخراط في الصراعات الإقليمية والدولية، وتَمَكّن في نهاية المطاف من إعادة توحيد شطري ألمانيا (في 10 ديسمبر 1989)، في وقت فرّطت فيه بعض الدول العربية في وحدة أراضيها نتيجة سياسة خاطئة تجاه مواطنيها مثل تقسيم السودان (بسبب اضطهاد الشمال للجنوب واعتبار الجنوبيين مواطنين من درجة ثانية، انظر مقال نسرين الشحات الصباحي، دوافع تقسيم السودان، 11 يوليو 2016، موقع ديمُكْراتيكا democratica.de ) وربما هناك بلدان أخرى في طريقها نحو التقسيم.
ألمانيا مارد اقتصادي يتطلع إلى دور سياسي دولي
لم يكن من السهل على ألمانيا عدم الاتعاظ بما حصل لها بعد حربين عالميتين من دمار اقتصادي وتقسيم ترابي وخسائر بشرية باهظة (9 ملايين قتيل فقط في الحرب العالمية الثانية) ويذكر باحثون ألمان أنّ أبرز الدروس التي خرجت بها ألمانيا من هذه الأزمات، أولا، الانضمام إلى أوروبا موحّدة كشريك ديمقراطي، وثانيا، رفض الانخراط في أي مغامرة حربية مستقبلا، وثالثا، التواضع وعدم التباهي بمظهر القوي (انظر مقال ألكسندر كوداشيف، دروس ألمانيا، موقع دوتشه فيللي، 01/09/2014). هذه المنهجية مكّنت ألمانيا من الانغماس في تعصير اقتصادها المدني وعدم الإنفاق على التسلح الثقيل بحكم البنود المفروضة عليها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، واستطاعت في حوالي خمسة عقود أن تصبح قوة اقتصادية ضاربة أهّلتْها أن تكون اليوم القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا والخامسة في العالم بفضل إصلاحاتها المتعددة خاصة في مجال التعليم والبحث العلمي، فقد خصصت ألمانيا 70 مليار يورو منذ 2013 مُوجَّهة فقط للبحث العلمي، وهو أكبر مما خصّصهُ جيرانها الأوروبيون لهذا القطاع، بالإضافة إلى تركيز النظام التعليمي على دمج الجوانب النظرية بالتطبيقية. كما تُعتبر البنية التحتية في ألمانيا من أفضل البُنَى التحتية في العالم، (انظر مقال ما هو سر نجاح الاقتصاد الألماني؟ موقع دوتشه فيللي، 24/10/2013) ولم تتعدّ نسبة البطالة سنة 2019 مستوى 5 بالمائة (تحديدا 4 فاصل 8 بالمائة)، وتكمن قوة الاقتصاد الألماني في خمسة قطاعات: الطيران والسيارات والطاقة والتكنولوجيا والصناعات الكيميائية والطبية (مقال خالد ممدوح، ألمانيا ملكة الاقتصاد الأوروبي، العين الإخبارية، 12/06/2019)
هذه القفزة الاقتصادية ارتبطت بالانضباط وبالسلم الاجتماعية وبحَوْكَمَة قوية في مجال الضرائب ومقاومة الفساد، وبانتهاج السياسة السلمية كمبدأ استراتيجي، وعدم استسهال الدخول في أي حرب، كما أن حزب الخضر لديها من القوى النافذة في الحكم. وألمانيا معروفة أيضا بسلميّتها في الداخل والخارج، ومناصرة القضايا العادلة، واحترام التنوع الثقافي، (هذه هي وصفة النجاح الألماني – رغم شح الموارد الطبيعية – والمتمثلة كما ذكرنا في الانضباط والجدية والتواضع وتجنّب النزاعات المسلحة والاحتكام إلى القانون المحلي والدولي بالإضافة إلى إبداعها هي واليابان في مجال الاختراعات. لكن ككل البلدان الأوروبية أصبحت هناك خشية من صعود أقصى اليمين في علاقة بتداعيات أزمة كوفيد 19، ورغم ذلك نجد الألمان متمسكين بمكاسبهم والعمل أقصى ما يمكن على اجتناب الفوضى لأنهم قاسوا الأمرّين في زمن تقسيم بلادهم بعد الحرب العالمية الثانية.
إن نجاح النموذجين الألماني والياباني دليل على أن المستحيل ممكن ( يقول نابليون إن كلمة مستحيل لا توجد في القاموس الفرنسي) فهل تعمل الدول العربية بهذه المقولة؟ وقد بدأ البعض منها يخوض تجربة تتسم بالجدية والبراغماتية. فكيف يمكن للعرب أن يستفيدوا من هذه التجارب الرائدة؟
البطاقة القادمة: شعوب ودول تعلمت من هزائمها ج3..هل يحدث الاستثناء العربي؟
أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة مَنُّوبة- تونس*
2021-02-06