شعوب ودول تَعَلمتْ من هزائمها، اليابان نموذجا..
فكيف ينخرط العرب في مشروع التقدم الإنساني؟ ج 1
بقلم اعلية العلاني*
هل تحتاج الشعوب إلى قيادات سياسية وفكرية مستنيرة لتعبيد طريقها نحو التقدم؟ وهل تحتاج إلى من يحرك كوامنها للانطلاق في العمل والعطاء والانفتاح لكي تؤسس لنمط جديد من العيش يُزَاوج بين تحقيق الحاجيات المادية والعطاء الفكري والإبداع التكنولوجي وتحقيق المواطنة الكاملة. لم تتخلص أديولوجياتنا وأدبياتُنا السياسية والفكرية في عالمنا العربي إلى اليوم من تجاوز الأطروحات القديمة. ولا تزال العديد من التيارات السياسية تخوض أحيانا معارك ايديولوجية طاحنة وكأننا في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. ولم تعتبر هذه التيارات بالحصيلة الانتخابية الهزيلة التي حصلت عليها في السنوات الأخيرة نتيجة الضعف الكبير في الإقبال على التصويت لأنها لم تجد ما تَنْشُده. واندفعت بعض الدول في حروب، أحيانا عَبَثية وأحيانا أخرى مفروضة استنزفت مواردها وطاقاتها دون تحقيق مكاسب حقيقية، ذلك لأن النخب الحاكمة في هذه الدول لم تتعلم من هزائمها واستثمرت في الحرب أكثر مما استثمرت في السلم. وليس من العيب أن تتمّ مراجعة كل هذه الأطروحات سواء كانت قومية عُرُوبية أو ليبرالية متوحشة تُلغي البُعد الاجتماعي أو يسارية لا تأخذ بعين الاعتبار تطور الزمان والمكان أو إسلاموية تعيش في أحلام الماضي وتدّعي امتلاك الحقيقة. ولنا في التاريخ المعاصر عبرة، فاليابان وألمانيا بَلَدَان شهدا حروبا طاحنة انتهت بهزيمتهما في الحرب العالمية الثانية وفُرضت عليهما عقوبات لكنهما لم يَيْئَسا من النهوض من جديد بفضل عزيمتهما الفولاذية.
قصة النجاح الياباني
عندما نتأمل قصة النجاح الياباني نجد أن الدماء التي سالت بغزارة في الحروب وفي الزلازل (مثل زلزال كانتو الكبير في 1923 والذي حصد أكثر من 140 ألف من الضحايا)، والهزائم العسكرية التي مُنيَ بها هذا البلد وخضوعه إلى الوصاية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية بعد أنْ دكّت القنبلة الذرية في 1945 مُدُنَه وذاكرته، نجده ينهض من جديد لأنه اقتنع بعدة أشياء منها:
– أولا: التّمسك بعقلية التحدي، تحدّي الجهل والفقر والدمار، فقد كانت البعثات العلمية اليابانية مكثفة نحو أمريكا وأوروبا وهي تُذكّرنا بالبعثات العربية إلى أوروبا في القرن 19 للاطلاع على الحضارة الغربية. لكنّ البعثات العربية لم يتم استثمارها في المجال الصحيح آنذاك لسيطرة الثقافة التقليدية وعقلية المحافظة التي انعكست على مؤسسات التعليم. وكان من أكبر عوامل التحدي الياباني أنْ بَنَى اليابانيون في الستينات من القرن 20 معظم بُنْيتهم التحتية بسواعد يابانية تَعْضُدُها خبْرات أمريكية وغربية.
وأنتج هذا التحدي نمطا اقتصاديا يقوم على وفرة الإنتاج وجودته. ومما ساعد على إنجاح التحدي أن إمبراطور اليابان آنذاك وافق على دستور تم اعتماده في1947 والذي أدى إلى تحرير الحياة السياسية. وعندما تتحرر السياسة والاقتصاد يتحرر معهما الفكر ويَعُمّ الإبداع وتشتدّ الرغبة في مواجهة الصعوبات في كل المجالات، مثل مواجهة تحدي ظاهرة تأقلم اليابانيين مع الزلازل والبراكين المتكاثرة والحدّ من دمارها.
-
وثانيا: الاستثمار في العلم، فاليابان بلد شحيح الموارد، كثير السكان (قرابة 130 مليون نَسَمَة) متوسط المساحة (حوالي 378 ألف كلم مربع) جَبَليّ التضاريس ومع ذلك عَوَّض نقْص المساحة الزراعية بالتكثيف من الإنتاجية في هذا القطاع بفضل تطور البحث العلمي، وأقام صناعة قوية في ظل غياب الطاقة لديه ووافق على شروط الهدنة بعد الحرب العالمية الثانية التي تمنعه من خوض تجربة التسلح. والنتيجةُ أن اليابان عرف كيف يتعلم من هزائمه وأصبح اليوم في مصاف الدول المتقدمة الأقل بطالة (2 فاصل5 بالمائة من نسبة البطالة سنة 2019)، والأكثر تطورا في المجال التقني والعلمي، والأكثر تسامحا وتعاملا وانفتاحا مع الآخر. (بخصوص القوة الاقتصادية لليابان حاليا فإن هذا البلد يُعتبر ثالث قوة تجارية في العالم إذ يُساهم بـ 7 بالمائة من التجارة العالمية حسب إحصائيات 2020. وتستمد اليابان مكانتها العالمية بالاعتماد على الصناعة الثقيلة القائمة على تحويل المواد الأولية المستوردة. فهي أول منتج للحديد والصُّلب في العالم، وثالث قوة في تكرير البترول، ومن الأوائل في صناعة السيارات: انظر موسوعة ويكبيديا)، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنما يدل على أنّ هناك عزيمتين التقتا مع بعض لتُشَكّلا ما يسمى المعجزة اليابانية وهما عزيمة الشعب وعزيمة الدولة، فقوانين الحكومة صارمة تجاه الفساد والتهرب الضريبي، وعزيمة الموظف والعامل الياباني قوية تجاه الحفاظ على ديمومة العمل والإنتاجية، حتى أنّ الإضرابات كانت قليلة جدا، والاحتجاجات تتمّ في كثير من الأحيان بوضع شارات حمراء على اليد. (عَكْس ما نجده في تونس التي يتعطل فيها إنتاج الفسفاط والبترول بشكل كبير منذ 2011 إلى اليوم دون موقف جدي من الحكومات المتعاقبة خلال هذه الفترة). وهناك دول عربية أخرى تعطلت فيها عجلة الإنتاج بسبب الحروب والصراعات العرقية، وهو ما يدفعنا للتأكيد أن العديد من شعوبنا ودُوَلنا العربية والإسلامية لن يتجاوزوا أزماتهم إذا لم تلتقي عزيمة الدولة بقوانينها الشفافة وحوكمتها الرشيدة في كل المجالات مع عزيمة الشعب بإصراره على العمل وكسب رهان التنمية الذي يخلق الوظائف والرفاه الاقتصادي والاجتماعي والإبداع الثقافي كما نراه اليوم في اليابان وألمانيا.
