عودة إلى أوراق من سيرة والدتي…. حلقة 24!
صور الوالدين….
أبو علاء منصور.
لم يكن الحوار الأسري سائداً في زماننا، وفي الصغر ارتسمت لوالدي في ذهني صورة أب قاسٍ، لم يكن ذلك عبثاً أو من صنع الخيال، فلذلك ما يسنده في الواقع، لكن الأصح أنه كان حازماً ومتعنتاً. أما والدتي فلا أستطيع التطفل على وعيها والزعم بأنني كنت أعرف ما يشغلها ويراود ذهنها. لكني كنتُ أرى فيها نموذجاً للمرأة القروية التي تشارك الرجل يداً بيد في الحصاد والمواسم ورعي الأغنام وما إلى ذلك من أعمال الفلاحة، وتعجن وتخبز وتحمل الماء على رأسها، ماكينة شغالة على مدار الساعة كالقلب الذي لا يهدأ أو ينام. وككل زوجة وأم لم تكن تنتظر مردوداً. قال لي الصديق سامي السيد عن والدته اللاجئة في مخيم الوحدات بمدينة عمان، إنها كانت بالإضافة إلى واجباتها المنزلية والأسرية تجهز عجينة الفلافل لوالده وتحملها إلى مطعمه الصغير، وحين بُني سوق تجاري في المخيم بعد أعوام أخرجت من عبها أكثر من عشرة آلاف دينار وفرتها من بيع الفلافل والشطة، واشترت دكاناً للعائلة.
كانت والدتي تدرك فظاعة الظلم الذي يُفضي إلى الانكسار أو التطرف والانحراف، كنتُ صغيراً حين سمعتها تتحدث بتعاطف شديد وقلب رحيم مع صديقة لها لم تكن متآلفة مع زوجها، وفي مناسبة أخرى سمعتها تجادل والدي رافضة تزويج شقيقتي حليمة من ابن عمومته الذي طلق زوجته ومعه أربعة أولاد منها أكبرهم يكاد أن يكون بعمري، يومها لم تكن حليمة تجاوزت الخامسة عشر من عمرها وفشلت والدتي في ثني والدي عن موقفه.
رغم قسوة والدي لكني ما زلتُ ممتناً له كونه أكبرني في موقفين هامين، الأول حين وافق على أن تتناول أسرتنا الغداء في منزل المختار يوسف الخطيب الذي دعانا لذلك احتفاء بتخرجي في الجامعة، وقد كانت عائلتينا على خصومة قديمة بسبب المخترة، والثانية يوم اقترب فتح طريق القرية الرئيس من حاكورة بيتنا، وتطلب الأمر إزاحة سنسلتها الحجرية للخلف واقتلاع شجر الصبر الذي يُسوّرها. رفض بشدة إزاحة السنسلة وتفهمتُ عناده، فكثيرون ممن يلقون مواعظ في الأخلاق والحرص على المصلحة العامة، يتجاوزون على الطرق ويديرون ظهورهم لمصلحة القرية، أما هو فلم يقف يوماً على طرف نقيض مع تلك المصلحة. بدا الموقف محرجاً لي وأنا أحد القائمين على مشروع الطريق. لكنه لم يخذلني فانسحب بهدوء حين رآني مقبلاً من بعيد تاركاً لي معالجة المسألة، تصرفٌ ذكيٌ عبّر فيه عن قوة ثقته بنفسه وتقديره لي.
لا أدري لماذا تساءلتُ مع نفسي وأنا أستذكر سيرة والديّ: “في أي ساعة كان الفلاح يُضاجع زوجته؟”. فما أذكره أننا كنا ننام على الأرض، الوالد والوالدة على الطرفين ونصف دزينة أولاد بينهما؟ لم يسبق أن فكرتُ بمثل هذا السؤال، لكنه داهمني فجأة. الفلاحون والفقراء واللاجئون يُقاسون حتى في الحُب! يُرهق الشقاء وضيق الحال طاقتهم الجسدية والعصبية. ربما كان الزوج يشن غارة حبه فجراً كما تفعل الجيوش! وكان هناك مناورات وعمليات تمويه.
في خمسينيات القرن المنصرم وستينياته، كان والدي يحتفظ ببضعة قنابل يدوية قديمة في جوف سنسلة الحاكورة، ربما من مخلفات الحرب العالمية الثانية. ورغم شدة حرصه على ألاّ يلفت الانتباه إليها، فقد أثار ريبتي حين لمحته يتفقد إحدى الزوايا بطريقة لافتة. اغتنمتُ غيابه وبفضول طفولي انتزعتُ حجراً فشاهدتُ القنابل لكني لم أبُح بالسر. وحين عدتُ إلى البلاد بعد تخرجي في الجامعة بحثتُ عنها ولم أجدها.
مع تحيات أبو علاء منصور
2\1\2021