الحب عند العرب!
ابو زيزوم.
ممنوع يسعى إليه الجميع . ارتكابه من قبل المرأة فضيحة لكنها تبحث عنها بكل السبل والوسائل ، وفي تكتم شديد . يبدأ بنظرة خاطفة او كلمة عابرة ، حذراً متأنياً شديد التحوط، او بواسطة وسيط مؤتمن . ويأخذ بالنمو مدفوعاً بقوة لا تقاوم . له محطات خالدة : اللقاء الاول تحت جنح الظلام ، القبلة الاولى المنغرسة في اعماق الوجدان ، الهفوات التي توشك ان تفضح السر وتقلب الفردوس الى جحيم . سجل ثر من تبادل الأحلام وتعاطي الأشواق ومتعة الوصل . وحرص دائم على الكتمان مخافة السقوط في أعين الناس التي لا ترحم . الى ان تأتي ساعة الفرج ومنتهى الأمل التي تنتقل فيها العلاقة من حب محرم الى زواج محلل . من جريمة ترتكب في الخفاء الى نصف الدين وثلاثة ارباع الحياة وكل المباح .
هذا الحلال والمشروع لا يبدأ من لحظة الخطوبة ويتقدم الى امام فقط وانما يعود بأثر رجعي الى ما سبقه من ايّام التلصص والتخفي والإنكار ليعيد تعريف المفاهيم وتبديل مدلولاتها . فالاعتراف بكل ما مضى جزء اصيل من طقوس الزواج ، يُكشف المستور وتظهر للعلن الصور والرسائل ، ويُزال الشمع الأحمر عن الأرشيف المترع بالأسرار . والذين كانوا سيقتلون الفتاة لو علموا بتلك الأسرار قبل أسبوع يتقبلونها الان برحابة صدر ، ثم ومع الأيام لا يجدون غضاضة في الحديث عنها باعتبارها شأناً طبيعياً من شؤون الحياة .
ويبدو ان الامم تستمد سلوكها السياسي من واقعها العاطفي . فهذه الطريقة في الحب عندنا نحن العرب تحولت الى نموذج عام ووصفة جاهزة في العمل السياسي . يقع الحاكم في غرام اسرائيل ويدشن خطوات التواصل باحتكاك دبلوماسي عابر او من خلال وسيط مؤتمن وبمنتهى السرية والحذر . فافتضاح الامر لا يقل خطورة عن هتك علاقة فتاة بمن تعشق ، يقلب حياتها وبالاً . فالنفي والإنكار الحازم جاهز لكل شائعة او تلميح . كل الأشياء تجري بعيداً عن الأضواء ، الى ان تحين لحظة العمر ، لحظة التطبيع . وفجأة تخرج الى العلن تفاصيل تاريخ من العلاقة الآثمة التي لم تعد آثمة او محل انتقاص . صور ورسائل واتفاقات وزيارات وخطط مشتركة وتحالفات ضاربة في العمق . اما الغريب الذي ليس غريباً فإنهم وبلا فاصل يفاخرون بما كانوا يعتبرونه وصمة عار . ويندفعون امام الأضواء نحو المحبوب بقوة تشبه التهور كانما يريدون التعويض عن الزمن الذي كان فيه التواصل صعباً ومحفوفاً بالمخاطر . تماماً مثل عروس تكثر من تقبيل العريس في حفل الزفاف ليس فقط لإطفاء عاطفتها المشبوبة وانما أيضاً لإغاظة بعض الناس واستفزازهم .
الأصدقاء الذين كانوا يرموني بقذف المحصنات عندما كنت أقول عن الصهاينة العرب ما أقول ، هل ما زالوا يرددون : ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته ؟ هل تصدقون ان جميع الفتيات غير مرتبطات ؟ لقد بات معلوماً ان جميع الذين طبّعوا كانت لهم علاقات مع الصهيونية ممتدة لعقود . والذين لم يطبّعوا حتى الان لن يكونوا مختلفين ، ففي ساعة التطبيع الآتية سيعلنون كل شيء ، وما لن يعلنوه تعلنه الصحافة الاسرائيلية .
ورحم الله الرصافي الذي قال قبل تسعين عاماً :
لا يخدعنْكَ هتافُ القوم بالوطنِ
فالقومُ في السر غيرُ القوم في العلنِ
لم يقصدوا الخير بل يستذرعون بهِ
رمياً الى الشر او قصداً الى الفتنِ
( ابو زيزوم _ 952 )
2020-12-25