المأزق الكبير لفرنسا!
ابو زيزوم .
مَن يتابع الضجيج المتواصل للرئيس الفرنسي ماكرون في القضايا الخارجية يظن انه في تمام الصحة والعافية داخلياً . كأنه متفرغ من الهموم ولا يشغله الا تشكيل الحكومة اللبنانية ومشاكل تركيا مع اليونان والتطرف الاسلامي . غير ان الحقيقة ليست كذلك ومشكلته الداخلية كبيرة ومتفاقمة وهذا الضجيج اليومي إعلان عجز عن التعامل معها بمحاولة تصديرها الى الخارج .
أزمة فرنسا ليست اقتصادية وحسب رغم ان الاقتصاد هو المحرك لها . على عكس كل من بريطانيا وألمانيا تعتبر فرنسا نفسها القائد الحقيقي لأوروبا ، وهي كذلك بالفعل الى حد كبير. فألمانيا ورغم احتلالها المركز الاقتصادي الاول في عموم اوربا ما زالت مثقلة بأوزار ماضيها القريب الذي لا تستطيع التفاخر به . وبريطانيا لم تعتبر انتماءها الاوربي قدراً بل خياراً اقتصادياً واجب المراجعة باستمرار ، لذلك لم تدخل نظام اليورو ثم فضلت الخروج على تحمّل اعباء القيادة في القارة العجوز .
فرنسا باتت أشبه برب أسرة كبيرة أحيل على التقاعد فانخفض دخله . فمع تزايد مسؤولياتها المالية المترتبة على دخول بلدان اوربا الشرقية الى الاتحاد تراجع موقعها الاقتصادي الى المرتبة السابعة بفعل صعود الهند مرتبتين في التسلسل العالمي . ثم جاء الانسحاب البريطاني من الاتحاد الاوربي ليحرم فرنسا من ثاني أهم معين لها على تمويل ميزانية الاتحاد . يضاف الى ذلك ان نظام اليورو يفرض على أعضائه تحقيق فائض اقتصادي حتمي فيكون رفع الضرائب سبيلهم الوحيد كلما لاحت بوادر العجز . الامر الذي جلب لفرنسا اضطرابات بدأها ذوو السترات الصفراء قبل حلول كارثة كورونا التي جاءت لتصب الزيت على النار .
مشكلة فرنسا انها تعتبر دورها الاوربي جزءاً من هويتها القومية والسياسية ، فهي غير قادرة على الهروب كما هربت بريطانيا ، وغير قادرة على الاختباء كما تفعل المانيا . ولأنها ايضا غير قادرة على الاستسلام نراها تستبسل في قمع مواطنيها المنتفضين كما يضطر رب الاسرة الذي أحيل على التقاعد ان يكابر بالتضييق على أفراد أسرته . وللتعويض عن ذلك يحاول الرئيس ماكرون الزعيق خارجياً . فهو يتقمص شخصية الوصي على لبنان ويتعامل مع السياسيين اللبنانيين بعنجهية مستغلاً وضعهم الضعيف . واختلق معركة غير مبررة مع الاسلام كدين وتمادى فيها لإقناع شعبه بأن تلك هي القضية . والمضحك انه دفن رأسه في الرمال عندما كانت المعارك على أشدها في القوقاز فلما انجلت الغبرة بهزيمة الأرمن طلع علينا ليعلن اعترافه باستقلال ناكورني كراباغ !.
أبعاد المأزق لم تتكشف ابعادها حتى الان ، فالوباء الذي يعصف بالعالم يشبه إعصاراً ضرب مدينة ولا يستطيع الناس إحصاء مصائبهم الا بعد ان تهدأ الأمور وتشرق الشمس . المصائب اكبر بكثير مما نتوقع ، وسيتبين ان بعض الدول ارتكست الى حضيض لن تخرج منه . وربما تجد فرنسا نفسها بين الخاسرين الكبار !.
( ابو زيزوم _ 935 )
2020-12-06