تجارب ومواقف ومراجعات…
من الثالث إلى العاشر…!
أحمد الناصري.
سألني عدد كبير من الرفاق والأصدقاء حول موقفي من المؤتمر العاشر والخط السياسي للحزب. بداً أقول لست ضد الاحتفال والدعاية والإعلام والعواطف النبيلة. لكن ذلك في الافتتاح فقط، على ألا يزيد ويطغي ويتجاوز الحد الطبيعي، وألا تمنع العواطف وتعرقل (تحت حجج بائرة وبائسة) أو تحل محل الرؤية النقدية والمراجعات والتقييم الموضوعي والجدل المعمق، وهو ضعيف في العموم، بسبب ضعف الوضع الفكري للحزب. أو تتحول إلى طقوس دينية مبهمة تدور حول طوطم مقدس مزعوم (عجل ألهى مقدس) لا يجوز مسه أو نقده أو حتى مداعبته. اما في العمل والجدل والحوار ورسم السياسات والمواقف الوطنية فهو أمر مختلف تماماً حيث سيكون العقل هو الأول والحاسم. فالماركسية نظرية نقدية جدلية، وهي ليست تعاليم ثابتة أو جاهزة.
بالنسبة لي أعلن بوضوح تام إن المؤتمر يخص بقايا الجناح اليميني الانتهازي المتخلف في الحركة الشيوعية العراقية، وهو لا يخصني لا من بعيد ولا من قريب، إلا من باب الاطلاع العام وحق النقاش، أو ربما عدم الخوض بالموضوع أو الرد عليه، بسبب التكرار المزمن لهذا الموقف والسلوك.
سوف أذكر التسلسل الزمني للمؤتمرات والمواقف والأسباب التي تجعلني اتخذ هذا الموقف. فانا في حالة خلاف مع النهج السائد منذ عقود طويلة، ترتبط بتجربتي ومراجعتي الشخصية والجماعية في تجارب معروفة، وموقفي من النهج الرسمي التقليدي السائد ونتائجه المدمرة على الحزب والحركة اليسارية والوطنية.
لقد تابعت المؤتمر الثالث عام 76 بالتفصيل، بعقل فتي ابتدائي (حسب عمري وتجربتي آنئذ)، ذلك المؤتمر الذي سلم الحزب بكل امكانياته الداخلية والجماهيرية الهائلة لصدام والأمن العام كي تحصل تصفيات عام 78 الشاملة والخطيرة، أي بعد سنتين من مؤتمر طرح برنامج السير يداً بيد نحو الاشتراكية بل أكثر وأدهى من ذلك، من اوهام وشرح ودفاع مستميت، التي أعادت وعمقت نكبة وجراح وخسائر عام 63 الرهيبة.
وكنت قد درست بوقت مبكر ربما قبل المؤتمر الثالث بكثير برنامج وقرارات المؤتمر الثاني المنعقد عام 70، وهو يحمل أموراً كثيرة مهمة، من بينها تأثير بقايا شبكة الكادر الصلب الذي نجا من مذابح عام 63 (جرت تصفية أغلبهم بين عامي 70 و 71. القائمة طويلة!)، وتأثير الهزة العنيفة والشرخ والضعف والتهديد الذي احدثته قضية انشقاق عام 67 الكبير، وللرد على أفكار خط آب 64 التصفوي، وغموض موقف وطبيعة انقلاب 17 تموز 68، وظلال التأثير السوفيتي القاتمة، وغيرها من العوامل المهمة الأخرى. وقد راجعت أيضاً في وقت مبكر وثائق الكونفرس الأول عام 44 ووثائق المؤتمر الأول عام 45، والنهج الوطني الواضح والجديد، الذي رسمه فهد ورفاقه، ثم درست تجربة سلام عادل والكونفرس الثاني عام 56 كمحطات رئيسية كبيرة وواضحة، مع معلومات شخصية كثيرة وأساسية عن حياة الحزب الداخلية وعمله وصفات وإمكانيات العناصر القيادية الأساسية، الذين التقيت بهم لاحقاً وتحاورت واختلفت معهم.
هذا الوضع والنكسة الجديدة بخسائرها النوعية الكبيرة جعلنا نحن مجموعة صغيرة من الرفاق في الجبل القيام بمراجعات شاملة والبحث عن الأسباب التنظيمية والفكرية والسياسية والجماهيرية التي تقف وراء هذا الوضع. هذه المراجعات كونت رأي آخر متكامل حول حال الحزب الحقيقي، بعيداً عن الإنشاء والتمنيات… وتحديد طبيعة التيار الفكري والسياسي الذي يسيطر على الحزب ما بعد مذبحة 63 وصعود عزيز محمد على المركز الأول ودوره في التدمير والتخريب الشامل للحزب بسبب عدم كفاءته وانتهازية وتبعيته المطلقة للسوفييت.
جاء المؤتمر الرابع فكرس خط وكتلة عزيز فخري وتم تصفية كل شيء بعد مذبحة بشتآشان السوداء. في تقييم عزيز للتحالف مع صدام قال (لقد كانت الجبهة الوطنية معركة طبيعة بحد ذاتها صلبت قوى شعبنا الثورية) ولكم أن تتصوروا معنى طرح ذلك والاصرار عليه بوقاحة غريبة، حيث يعني عدم الاعتراف بالخطأ الاستراتيجي في التحالف مع صدام فقد كانت القيادة تخوض معركة طبقية! وقد أصدرنا (سامي وأنا) كراس بعنوان رد على تقييم انتهازي، صدر من مطبعة الشهيد منتصر في دلالة خاصة ومعبرة.
في المؤتمر الخامس الذي عقد بقوة العادة لبقايا التنظيم بعد مذبحة تنظيم الداخل على يد الأمن العام انتخبوا حميد موسى، رغم أنه كان مجمداً بقرار من المكتب السياسي عام 72 لرفضه التفرغ للعمل الحزبي أبان الحملة الشرسة على تنظيمات الحزب التي قادها صدام وناظم كزار في قصر النهاية الرهيب.
ثم توالت المؤتمرات، وشارك الحزب في مؤتمر صلاح الدين عام 92 بإشراف أمريكي مباشر، والدخول في مؤتمر الجلبي، حتى قيام الاحتلال والانخراط في مؤسساته (مجلس الحكم) وتأييد العملية السياسية الأمريكية الطائفية وتأييد الدستور والمعاهدة الاسترقاقية والنهج الاقتصادي السياسي الأمني، مع مطالب خجولة بتعديل مسار طائفي لا يمكن تعديله، ورشّة غامضة ومتهافتة تتحدث عن دولة مدنية يقودها وضع سياسي طائفي…
لقد ناقشت ورددت على سياسة المؤتمر الثامن والتاسع، وهو ما ينطبق على المؤتمر العاشر الذي لم ولن يغير النهج غير الوطني التابع لبقايا وشكل الاحتلال السياسي والعسكري والاقتصادي المفروض على بلادنا.
لا تهمني التفاصيل والتسريبات الكثيرة حول ما جرى قبل واثناء المؤتمر. هناك دفاع شكلي إنشائي عن الوضع، بأعتباره خطوة على طريق لملمة وإعادة بناء البيت الشيوعي. طيب يا ليت، ولكن على أي نهج وأية سياسة في بلاد مدمرة؟ هل هناك نهج سياسي جديد بمعيار ماركسي واضح؟ هنا سيدور الخلاف العميق والشامل.
الخلاف والصراع الفكري والسياسي والتنظيمي، ليس عملاً عدائياً (حاقداً) أو ثابتاً، بل هو امر طبيعي وضروري أحياناً، رغم الموقف الانتقامي العدواني الغريب الذي مارسته قيادة الحزب ضدنا عام 84، حيث قتلت منتصر تحت التعذيب. وكل المؤتمرات من الرابع (عام 85) إلى العاشر (2016) تعيش حالة انكار عجيبة في الاعتراف والاعتذار عن ذاك الموقف التنظيمي الغريب، ثم الكشف عن قبر منتصر السري (الحفرة) وتسليم جثمانه إلى أمه وعائلته كموقف إنساني طبيعي، حيث أننا نستنكر وندين هذا التصرف من أية جهة تمارسه إزاء جثة شهيد…
2020-12-06