قانون الإرهاب الجديد بتونس وتداعياته الأمنية والاقتصادية
د. أعلية علاني – أكاديمي وباحث في التيارات المتشددة
أثارت المصادقة على قانون الإرهاب في تونس يوم 25 يوليو 2015 حفيظة البعض ورضاء البعض الآخر. فما هي أبرز الاحترازات المسجلة في هذا المجال؟ وما هي تداعيات هذا القانون على الصعيد الأمني والاقتصادي؟
قانون الإرهاب الجديد بين الغاضبين والمؤيدين
الغاضبون ينقسمون إلى صنفين: صنف ديني وصنف حقوقي، وكل له مرجعيته ومبرراته، في حين ينتمي معظم المؤيدين لقانون الإرهاب إلى الجمعيات الحقوقية والأحزاب المشاركة في الحكم وبعض أحزاب المعارضة . تتلخص احترازات المعارضين حول طول مدة الإيقاف التحفظي (من أسبوع في القانون القديم لسنة 2003 إلى 15 يوما في القانون الجديد) وفي إقرار عقوبة الإعدام في القضايا الإرهابية في 3 فصول وهي الفصول 26 و 27 و 28.
الغريب في الأمر أن نواب حركة النهضة بالبرلمان صوتوا لفائدة قانون الإرهاب الجديد في حين ندد بعض المثقفين من قياداتها الحزبية به، وهو ما يطرح عدة تساؤلات عن مدى التناغم بين القيادة والقاعدة (مثلا موقف الشاعر بحري العرفاوي الرافض لهذا القانون). وفي الحقيقة فإن موقف الشاعر المعروف بصراحته ونزاهته يعبر عن مشاعر أكثر من نصف قاعدة حزب النهضة ذات التوجه الإخواني، ولذلك فإن مشوار دمقرطة هذا الحزب وإيمانه بالدولة المدنية الحديثة ما يزال يحتاج إلى وقت طويل لا يقل عن عشر سنوات، ويحتاج كذلك إلى تخلي هذا الحزب عن توظيف الدين قي السياسة. ونشير أيضا أن العديد من المحامين الإسلاميين القريبين من السلفيين يعتبرون القانون الجديد للإرهاب غير دستوري ويفتقد لأبسط مقومات المحاكمة العادلة.
أما الحقوقيون من غير الإسلاميين فقد انحصرت احترازاتهم في مسألة إقرار عقوبة الإعدام والتعريف الفضفاض للإرهاب الذي يمكن أن يسمح – حسب رأيهم – بإدراج حركات الاحتجاج التي لا علاقة لها بالحركات الإرهابية تحت بنوده، وتخوفوا كذلك من إمكانية تهديد الحقوق والحريات في تونس.
هذه الاحترازات لم تمنع المؤيدين من اعتبار هذا القانون انتصارا سياسيا وقانونيا في معركة الحرب ضد الإرهاب، وأن تبييض الأموال لفائدة الإرهاب ستصبح أكثر صعوبة. ونشير أيضا إلى أن لجنة التحاليل المالية في القانون القديم لم تستطع التصدي لتبييض الإرهاب مما سمح بإدخال ملايين الدولارات بين 2011- 2013 عبر بعض الجمعيات الدعوية والخيرية التي لها باع كبير في تجنيد مقاتلين تونسيين للقتال في سوريا والعراق وليبيا ومالي، وسمح كذلك بإقامة مدارس وروضات قرآنية تنشر الفكر التكفيري والمتطرف.
إن صدور قانون 2015 لمقاومة الإرهاب في تونس سيكون بداية الطريق الصحيح في محاصرة الظاهرة الإرهابية وطنيا وربما إقليميا إذا ما تظافرت جهود دول الجوار في ملاحقة الإرهاب.
تداعيات قانون الإرهاب الجديد على الوضع الاقتصادي والأمني
لا شك أن القانون الجديد سيحد من الإرهاب بنسبة النصف، أما النصف الآخر فيتم عبر سنّ إصلاحات اقتصادية، اجتماعية وأيديولوجية.
بالنسبة لتداعيات هذا القانون على الوضع الأمني فتتمثل، أولا في تفكيك البنية التحتية الجهادية من أسلحة وخلايا نائمة ومؤسسات إسناد للتيار السلفي الجهادي كالمدارس وروضات الأطفال التي أحدثها هذا التيار. وثانيا، في تجفيف منابع التطرف ماليا وفكريا من خلال مراقبة مكثفة لنشاط بعض الجمعيات. وقد أصدر القضاء التونسي هذه الأيام (يوليو 2015) أحكاما بحل عشرات الجمعيات المتهمة بتبييض الإرهاب (تعليق نشاط حوالي 100 جمعية بشبهة علاقتها بالإرهاب وحل 20 جمعية بشكل كامل لنفس الأسباب) . وثالثا، في تحذير التونسيين الذين يريدون الالتحاق بساحات القتال في سوريا ومناطق أخرى بأنهم سُيصنّفون كإرهابيين، ويمكن أن تصل عقوبتهم إلى حد الإعدام، عكس ما كان يحدث زمن حكم الإسلاميين الذين لم يُجرّموا قتال التونسيين خارج أرض الوطن.
أما التداعيات على المستوى الاقتصادي فأولها مراقبة تمويل الجمعيات ذات الصبغة الدينية والخيرية، وثانيها، مقاومة التهريب، وقد أثبتت التحقيقات في عمليتي باردو وسوسة وجود علاقة بين المهربين والإرهابيين. وكان ذلك أحد الأسباب في إقامة الجدار الترابي مع الجارة ليبيا، وثالثها، تفكيك المؤسسات الاقتصادية التي أنشأها الإرهابيون زمن حكم الترويكا. ورابعها، االتخفيض من كلفة الإرهاب الاقتصادية التي بلغت منذ الثورة ألف مليون دولار سنويا
إن نجاح مقاومة الإرهاب في تونس مرتبط بالوضع الداخلي والإقليمي. ويرسل تطبيقُ القانون الجديد إشارة قوية إلى بعض التيارات التونسية من أحزاب ومنظمات بأن زمن التواطؤ مع التيارات المتطرفة الذي كان سائدا في فترة 2011 – 2013 قد ولّى وانتهى. ولا أدلّ على ذلك ما تعيشه تونس هذه الأيام من جدل ساخن حول صدور حكم الإعدام في حق البغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في عهد القذافي والذي تم تسليمه من طرف حكومة حمادي الجبالي أمين عام حركة النهضة إلى حكومة يسيطر عليها الإخوان المسلمون في ليبيا.
وختاما فإن المصادقة على قانون الإرهاب الجديد تزامن مع تمديد الحكومة التونسية منذ 30 يوليو 2015 في حالة الطوارئ لمدة شهرين آخرين، والذي من المرجح أن تستمر لسنة كاملة حسب بعض الكواليس في السلطة. وسيكون لهذا القانون نتائج كذلك على المستوى الديني حيث سيصبح التحكم في المساجد والخطاب الديني سهلا. ونشير في هذا الإطار أنه بعد صدور قانون الإرهاب بخمسة أيام صدر قرار عزل الشيخ حسن العبيدي عن خطة المسؤول الأول عن المدرسة الخلدونية بعدما تم عزله منذ فترة قصيرة من إمامة الجامع الأعظم جامع الزيتونة وهو المنصب الذي تقلده زمن حكم الإسلاميين.