جلحد …شقاءالوعي الصغير!
-د.موفق محادين.
توثق مذكرات عودة القسوس حول حملة ابراهيم باشا على شرق الاردن عام 1836، كيف اصطدم الفلاحون مع الحملة وتحصنوا بالقلعة التي أعجزت صلاح الدين قبل ذلك عندما كانت تحت سيطرة الحملات الصليبية.
وفي الوثائق أن أحد أبناء المنطقة ساهم في تعطيل الحملة عبر تضليلها في الأودية السحيقة، وبحسب الروايات الشعبية فهذا الشخص يدعى جلحد، وهي الرواية التي وجدها البعض مادة لعمل مسرحي يظهر التاريخ الوطني للمنطقة.
وليست الرواية المذكورة وحيدة بحسب هذا المنطق الجهوي، فمثلها روايات عديدة، منها حكاية ابراهيم الضمور والشيخ قاسم الأحمد، الهارب من جبال نابلس إلى الكرك بعد أن واجه جيوش ابراهيم باشا، ومنها حماس كتاب أردنيين يساريين وغير يساريين لطرد رجال حزب الاستقلال العربي (السوري) من الإمارة في عشرينيات القرن العشرين.
وفي كل هذه الحالات كما هو واضح مواقف عدائية للحملة المصرية في القرن التاسع عشر، ولجماعات (سوريا الطبيعية) في القرن العشرين، دون إدراك لخلفية الحملة المصرية والدعوة السورية، ولا لخلفية المناهضين لهما:
1- من الثابت أن رجال المخابرات البريطانية الذين كانوا يجوبون المنطقة هم وراء إذكاء نار التمرد ضد الحملة المصرية في عموم البلاد السورية وليس في شرق الأردن وحده كما وراء طرد الاستقلاليين السوريين (سوريا الطبيعية) من شرق الأردن، تحضيرا لاستحقاقات اتفاقية سايكس –بيكو ووعد بلفور، أي في مواجهة فكرة سوريا الطبيعية أو الكبرى مقابل (مشروع اسرائيل الكبرى) وذلك بحسب يوميات الياهو ايلات في الشرق العربي، وكتاب الباحثة البريطانية حول إمارة شرق الأردن، ماري ولسون، الصفحات (113،114،134).
2- كان محمد علي سواء كان من ألبانيا أو من البوسنة، يؤسس أو يحاول أن يؤسس أول مشروع عربي بالاستناد إلى الكتلة الاجتماعية المدنية المصرية وجيوشها، وليس إلى القبائل المتناثرة هنا وهناك، ومن الطبيعي أن نقف مع محمد علي وليس مع جلحد، كما وقفنا مع عبد الناصر وليس مع جماعات الانفصال السورية.
الأردن في القرن التاسع عشر، هو جغرافيا داخل تاريخ واحد، وهوية واحدة، هو التاريخ والهوية الشامية، ومن المضحك والمبكي معا أن نتحدث عن هوية أردنية أو فلسطينية أو لبنانية أو سورية بالمعنى الحالي في تلك الايام.
ثمة خلط بين الجغرافيا كأرض للجماعات المختلفة وبين التاريخ كإطار للوطن القومي .. وثمة خلط أيضا بين الهويات التاريخية للأمم وبين التعبيرات السياسية وخاصة التي تصاغ وراء البحار.
ومن المفهوم أن جلحد الكركي، وطبعته الثانية ضد الاستقلاليين السوريين، كان ضد نفسه ولم يدرك أن جيوش محمد علي كانت كما جيوش بسمارك وغاريبالدي التي أسست دولها القومية على حساب الجماعات الصغيرة ولا نقول الشعوب السلافية الرجعية، كما قال ماركس.
2020-11-15