احمد الناصري. أكتب عن تجارب ولحظات، ضمن حق الرواية والكلام، وليس لأي شيء آخر… *ربما كنت أحدهم، أو أنا أحدهم فعلاً، ونحن نتخبط في متاهة ومأزق الثلج، نعبّد الطريق نحو الهاوية، ونسير حثيثاً نحو الموت والفجيعة… مأزق الثلج هذا كبر وتوسع، على نفس الطريقة الخسيسة الغادرة، وصار مأزقاً لوطن ضائع ومدمر…!
الصورة لمسيرات وانسحابات كثيرة ودائمة، وسط الثلوج والعواصف، كان أصعبها وأخطرها الانسحاب من قاعدة بشتآشان بعد المذبحة يوم 2. أيار عام 83، ونحن نسير في متاهة سلسلة جبل قنديل، من غير كسرة خبز، أو دليل أو أثر سوى الثلج وقمم الجبال المتلاحقة… • بعد ال 84 كنت أتنقل في مناطق كردستان مع مفارز الأحزاب الكردية، بمساعدة شخصية من أصدقاء وعناصر ماركسية فيها، أتنقل من غير سلاح عدا فنيلة يدوية، هي مثل الطلقة الأخيرة. ممتلكاتي حقيبة ظهر فيها كتاب وراديو وكسرة خبر لا غير، حيث لا يوجد شيء آخر. التجربة لا تخلو من الخطر اليومي، خطر الاندساس والتخريب والتصفية، على يد عناصر تعمل لصالح السلطة. وقد حصلت جرائم وحوادث كثيرة، فقد جرى قتل الرفيقين سالم وزهير، من تنظيم الشيوعيين الثوريين، في نوكان عام 89. مرة نمنا في قرية باليسان المدمرة بالسلاح الكيمياوي (كان هناك حمار أصيب بالعمى يدور في أرض ترابية بلا عشب، وينتظر مصيره، تمنيت أن انقله لهيئة الأمم المتحدة)، استيقظنا في الصباح وقد وصلت الدبابة إلى مدخل الوادي، ولم تبق أية مسافة للرمي والقتل والتدمير، انسحبنا بسرعة إلى القمم والصخور المحيطة بالقرية، وطلبوا مني الدخول إلى كهف كبير للاحتماء به من القصف المتنوع المتحمل، بالدبابات والمدفعية والطيران. وجدت نفسي مع فلاح من أبناء القرية لا اعرفه، ولا اعرف وضعه، إن كان مع البيشمركة أو مع السلطة، أو سوف يسلم نفسه كي ينجو إذا ما تقدم الجيش ويسلمني معه، أو يعترف عن مكان اختبائي! عندها قررت الخروج من الكهف والصعود إلى اعلى الجبل، لمعرفة الموقف والتطورات، وقد وجدت أعداد من البيشمركة مجتمعة في المكان، وسألت عن الاتجاهات والطرق وإلى أين توصل، حتى انتهاء هذا المشهد الخطير. • في المفرزة الكبيرة التي انطلقت من قرية كاولان، وعبرت جبل قنديل عام 86، بقيادة الصديق سيد كاكا، وكنت خارج للتو من محنة صعبة، بعد سنة قضيتها في سجن شهير ورهيب، في بلد شرق أوسطي. كانت المفرزة إعلامية واستعراضية بعد المصالحة مع أوك والعودة إلى القرى والمناطق والمقرات القديمة، بعد انقطاع ومنع كامل وتام. مررنا بالوديان والجبال والسهول والقرى، في مسيرة طويلة ومنهكة، كان هناك شخصان في المفرزة، وهما يتكلمان العربية بشكل جيد. جرى تسليمهما أهم قطعتين من أسحلة المفرزة (رشاش ال بي كي سي وقاذفة الآر بي جي 7). قال لي أحدهما في (مزح) خطير وفج. ماذا لو سلمتك إلى السلطة؟ كان ردي افعلها إذا تقدر. وضحك ببلاهة وانتهى الأمر لهذا الحد. في أحد الليالي كنا ننام في قرية تحت جبل كورك، وعندما استيقظنا صباحاً لم نجدهما وقد هربا في نوبة الحراسة إلى أقرب نقطة للجيش والسلطة، مع قطعتي السلاح الثمين! طبعاً كان هناك خطر حقيقي في أن يقوما بتصفيتنا أو أسرنا جميعاً، ونحن في غفلة النائم، بتنسيق مع السلطة. تذكرت نكتته وعرفت المعنى والقصد الحقيقي. وكنت صيد مختلف، كوني العربي الوحيد في المفرزة. أكملنا مسيرتنا الطويلة نحو الكوي ومناطق أربيل، وبعد خوض طويل في وحل وطين الأراضي الزراعية، صعدنا إلى الطريق العام (التبليط)، فوقعنا بكمين غادر قاتل محكم نصبه الجحش المجرم الشهير قاسم جوير (الأعور) على الطريق العام، حيث لا مفر ولا فرصة للنجاة (المجرم الجحش قاسم آغا مستشار وتاجر كبير الآن!)… كتبت التفاصيل في مادة بعنوان (من السجن الرهيب إلى الكمين القاتل)…