عارف معروف. من كان منكم لا يعرف فهو اعمى او جاهل ، اما من يعرف فأكثر من نذل !
لا كلمات يمكن ان تُعّبر، اليوم ، عن لحظة الرعب التي يتيّبس فيها الزمن وتموت الاصوات حتى تكاد تُسمع انفاس الصمت عندما يُختصرالوجود كله ويتركز في صلصلة مفاتيح الحرس وهي تدور في اقفال الابواب الحديدية ، وتخفق القلوب وترتعد الاوصال مع صدى وقع احذية الحرس الثقيلة وهي تتقدم في الممر ، قبل ان يصطفوا في الباحة الصغيرة شبه المعتمة بين صفي زنازين المحكومين بالاعدام … انه يوم النهاية … يوم وجبة الاعدام الاسبوعية ! وعندما يُخرج المكلف باذاعة الاسماء ورقته ، يرينُ سكون يشبه السكون المتحفز الذي يسبق العاصفة ، فتمتد أكف المحكومين الى اعناقهم وهي تتحسس حناجرهم في حركة لا ارادية ، وتتيبس الأعين وهي ترقبُ بعوضةً تهّوم في الهواء ويكاد الجميع يسمع ازيز اجنحتها قبل ان تحطّ في مكانٍ ما في العتمة ، فيحسدها البعض في سرّهم : ” مؤكد انها ، فَرِحة ، حُرة ، ملأى بالبهجة ، ولا تعرف شيئا عن زنازيننا المعتمة السوداء ولا تخشى العيش في جحيمنا المؤبد …لماذا ياربي ، ايها الرحمن الرحيم ، لم تخلقني بعوضة او نملة ؟! “ تُذاع الاسماء وعند كل اسم ثمة غصة : اووف ، سيغادرنا ” ماجد ” وحيد أمه … كيف ستتلقى الخبر؟ ..كيف ستكون حياتها وقد انقطع عنها حبل الامل والرجاء ؟ ثم انها قد تُحرم حتى من استلام الجثمان، وتُعطى ، بعد مدة ، رقما لبقعة لا تزيد عن متر طولا في مقبرة ” محمد سكران ” يقال لها انها قبر ابنها ،وتُمنع حتى من البكاء ومن تلقي التعازي ، فذلك ممنوع بتاتا ويجب على الجميع ان يدفنوا احزانهم عميقا ويرسموا ابتسامة فرح كاذبة على وجوههم ، السنا في زمن قائد النصر ؟! …. هكذا يفكر من لم يسمع اسمه حتى الان وهو يحارب شعورا مؤلما بالخزي جراء فرحةٍ صغيرة خَطَرتْ دون ان يستطيع الهرب منها.. فقد تجاوزوه الى غيره وربما تنتهي القائمة اليوم دون ان تتضمنه الوجبة ! حينما يحين موعد اصطحاب جماعة الوجبة تملأ الدموع مآقي المتبقين ويتكسر نحيب مكتوم يشبه انفجارات مجهضة في الصدور، وكلهم يجاهد للظفر ، من خلل القضبان بنظرة وداع أخيرة للمغادرين : وداعا … وتموت الكلمات قبل ان تبلغ الشفاه ، ماذا يقول لهم : بالتوفيق ؟ سلموا لنا على الاهل ؟ سنلتقي ؟! اما من يتم اقتيادهم للتنفيذ فيكادون ان يصبحوا جثثا تسير على سيقان معوّجة . يجاهد بعضهم ليسحب انفاسه ، ويكافح بعضٌ آخر للخلاص من صورالاحبة المفجوعين وهم يتلقون الخبر بعد يومين او ثلاثة ، فيما تخطُ اقدام آخرين وهي تتلعثم في مسير تكاد تلتصق فيه بالارض ترددا وتشبثا . قد يغامر بعضهم وهو على بعد خطوات قليلة من موته فيصرخ بصوت مبحوح بهتاف ما …كنفثة صدراخيرة وخفقة قلب مودّعة لعالم لم يرَ منهُ غيرَ البؤس والعذاب و عندئذ تكشّر الهراوات الثقيلة و تزأر الكيبلات الشرسة لتتفجر الدماء في وجهه ورأسه واقدامه وهي تنهال عليه من كل جهة وتنهشه من كل جانب بحقد همجيّ اعمى : اوتجرؤ يابن ال…سرّ الى الاعدام راضيا ، مطأطئا ، قنوعا او حتى…. فَرِحا ، ولتهتف باسم القائد العظيم . .. الذي اتاح لك موتا سريعا لعلك تكّفر عن انحرافك المشين وتفكيرك النجس !. وهكذا تعيّن على العراقي ، تلك الايام الشيطانية.. ايام الخنازير ، ان يرتعبَ منهم حتى عند موته ، ويكبت َ افكاره حتى ساعة اعدامه ، ويبتلعَ رجولته حتى والحبال تضيق على خناقه والاّ فسيعيدونه الى التعذيب فيموت ويحيا ثم يموت ويحيا ثم يموت اخيرا ولكن بعد ان يصبح هذا الموت العاجل المتاح الآن امنية عزيزة وجائزة مترفة ! اسرّ احدهم لآخر ، ذات يوم ، بأنه سيملأ الدنيا هتافا وسيلعن الخنازير القتلة وعجلهم المقدس ، حين يحين الوقت ، فهو لا يخشى التعذيب وقد تدبّغ به ، ولا يمكن ان يحرموه من صرخته الاخيرة وهو على خطوة من نومته الابدية ، لكنه تلقى نصيحة الكهل الذي اصغى لبوحِهِ : ” ايّاك !… احفظ اهلك واستر عائلتك ، سيذيقونهم مرّ العذاب وسينتهكون كل حرمة ثم سيعدمونهم هم ايضا اذا شتمته او وصفته بما يستحق . تذكّر امك ، شقيقاتك ، زوجتك …..ايّاك ” !