موقف سمير أمين من الإسلام السياسي (١)! عرض وتلخيص : علي رهيف الربيعي. لقد جرى اختراع الإسلام السياسي الحديث في الهند على يد المستشرقين لخدمة السلطة البريطانية ، ثم تبناه المودودي الباكستاني بكامله . وكان الهدف هو ” إثبات ” أن المسلم المؤمن لا يستطيع العيش في دولة غير إسلامية – وبذلك كانوا يمهدون لتقسيم البلاد – لأن الإسلام لا يعترف بالفصل بين الدين والدولة . وفات أولئك المستشرقون أن الإنجليز في القرون الوسطى ، لم يكونوا يتصورون العيش خارج نطاق المسيحية ! وهكذا تبنى أبو العلاء المودودي فكرة الحاكمية لله ( ولاية الفقيه ؟ ) رافضا فكرة المواطن الذي يسن التشريعات لنفسه ، وأن الدولة عليها أن تطبق القانون الساري للأبد ( الشريعة ) . وفي زمانه كتب جوزيف دي مايستر كلاما مشابها متهما الثورة الفرنسية بأنها قد ارتكبت جريمة اختراع الديمقراطية الحديثة وتحرير الفرد . والإسلام السياسي يرفض فكرة الحداثة المحررة ، ويرفض مبدأ الديمقراطية ذاته – أي حق المجتمع في بناء مستقبله عن طريق حريته في سن التشريعات . أما مبدأ الشورى الذي يدعي الإسلام السياسي أنه الشكل الإسلامي للديمقراطية ، فهو ليس كذلك ، لأنه مقيد بتحريم الإبداع ، حيث لا يقبل إلا بتفسير التقاليد ( الاجتهاد ) ، فالشورى لا تتجاوز أيا من أشكال الاستشارة التي وجدت في مجتمعات ما قبل الحداثة ، أي ما قبل الديمقراطية . ولا شك أن التفسير قد حقق في بعض الحالات تغييرا حقيقيا عندما كانت هناك ضرورات جديدة ، ولكنه حسب تعريفه ذاته – رفض الانفصال عن الماضي – يضع الصراع الحديث من أجل التغير الاجتماعي والديمقراطية في مأزق . ولذلك فالتشابه المزعوم بين الأحزاب الإسلامية – راديكالية أكانت أم معتدلة حيث إنها جميعا تلتزم بهذه المبادئ المعادية للحداثة بحجة خصوصية الإسلام – والأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوربا الحديثة ليس صحيحا بالمرة ، رغما عن أن وسائل الاتصال والدبلوماسية الأمريكية تشير إليه كثيرا لإضفاء الشرعية على تأييدها المرتقب للأنظمة ” الإسلامية ” في المستقبل . قالديمقراطية المسيحية قائمة في نطاق الحداثة ، وهي تقبل الفكرة الأساسية للديمقراطية الخلاقة ، وكذا جوهر فكرة العلمانية . أما الإسلام السياسي فيرفض الحداثة ، وهو يعلن ذلك حتى وإن كان لا يستطيع فهم مغزاها . وعلى ذلك فالإسلام المقترح لا يمكن وصفه بالحداثة ، والحجج التي يقدمها المنادون ” بالحوار ” لإثبات ذلك مبتذلة لأقصى درجة ، وتبدأ من استخدام دعاة الإسلام لأشرطة الكاسيت لترويج الدعوة ، وحتى ، لقيام الدعاة بتجنيد الأتباع من بين الفئات ” المتعلمة ” كالمهندسين مثلا ! وعلى أية حال ، فخطاب هذه الحركات لا يعرف إلا الإسلام الوهابي الذي يرفض كل ما أنتجه التفاعل بين الإسلام التاريخي وبين الفلسفة الإغريقية في زمانه ، كما يكتفي بتكرار الكتابات التي لا طعم لها لابن تيمية وهو أكثر الفقهاء رجعية في العصر الوسيط . وعلى الرغم من ادعاء بعض الدعاة بأن هذه التفسيرات هي ” عودة إلى المصادر الأولى ” ( بل ربما الإسلام في عهد الرسول ) ، فإنها في الحقيقة عودة إلى الأفكار السائدة منذ مائتي عام ، أي إلى الأفكار السائدة في مجتمع تجمد في تطوره لعدة قرون . إن الإسلام السياسي هو مجرد تحوير للوضع التابع للرأسمالية الكومبرادورية . ولعل شكله ” المعتدل ” يمثل الخطر الأكبر بالنسبة للشعوب المعنية لأن عنف ” الراديكاليين ” لا يؤدي إلا إلى زعزعة الدولة لتمهيد الجو لإقامة سلطة كومبرادورية جديدة . ويعمل التأيد الواضح لدبلوماسية ثالوث الدول الكبرى بقيادة الولايات المتحدة لهذا ” الحل ” للمشكلة ، في الاتجاه العام لهذه القوى لفرض النظام الليبرالي للعولمة الذي يعمل لمصلحة رأس المال المسيطر . لا يتعارض خطاب رأس المال الليبرالي للعولمة مع خطاب الإسلام السياسي ، بل هما في الواقع يكمل أحدهما الآخر تماما . (١) ملحق رقم (6) الإسلام السياسي ، من كتاب د . سمير أمين ، ما بعد الرأسمالية المتهالكة ص 254 ، 255 , 256 ، 258 .