الحليب المُرّ….!*
أبو علاء منصور.
من سيرة المناضلة الجليلية زكية شموط…
عدّلت “زكيّة شموط” منام طفلتها الصغرى “هالة”، وبعثت نظرات حنونة للوجوه البريئة التي يحتضنها لحاف واحد، ثم أطفأت النور ووضعت رأسها على المخدة. لم تكن قد غَفَت عندما سمعت جلبة على الباب، رفعت رأسها، ألقت نظرة من الشباك: “رجال الأمن يطوقون المنزل”، هذا ما انتفض في سرّها فألقت نظرة تلقائية على وجوه أطفالها كأنّها تودِّعهم.
دائما ظل مصير أطفال زكيّة مصدر قلقها الأساس، وفي اللحظة التي طرق الجنود الباب، لمع في خيالها مستقبلهم.
تمتمت وهي تلقي نظرة حزينة على الوجوه الناعمة:
“وكّلتُ أمركم لله”
تحرك الجنين في بطنها:
“وأنا الذي سأجيء للحياة بعد شهرين؟”
اعتراها رُعب:
“لا أدري إن كانت ستُكتب لك الحياة!”
فتحت الباب….
صفعها جندي فاضطرب الجنين….
لن يضير الجنود إن فعل ذلك مُحتجاً أم مُرتعباً.
استيقظ الأطفال على صراخ والدتهم وقد طُوِّحت أرضاً:
“كلب، حيوان، لا تضرب ماما، لا، لا، لا تضرب، ماما، ماما ….”
الأم التي ظلت تمنح أطفالها الأمان، تترنَّح بين الأيادي المجرمة.
تعالى الصراخ وقد لمع دم في وجنة الأم….
“ماما ، ماما”
طوّحت “دولت” بحذاء صوب الجنود، فيما تلفَّع بها أشقاؤها مرعوبين.
اقتيدت زكيّة مغلولة اليدين تاركة خلفها كومة لحم:
أطفالاً مذعورين، لا حيلة لهم سوى البكاء والعويل.
بمَن تفكر زكيّة؟ بهم! بمصير الجنين في أحشائها! أم بمصيرها المجهول!
بعد عام حُكم عليها وعلى زوجها محمود بالسجن المؤبّد، وتولَّت وزارة الشؤون الإجتماعية الإسرائيلية توزيع أطفالهما على دور الأيتام في أديرة حيفا والناصرة والقدس.
كانت ابنتهما الكبرى “دولت” في الخامسة، أما الصغرى “هالة” فلم تتجاوز العام.
ماذا فعلتْ فراخك يا زكيّة وقد تناثر زغب براءتهم في وحشة اليُتم القسريّ؟
تشتتوا في الأديرة! لم يعد أحدهم يعرف شقيقه!
ما آخر صوركِ في أذهانهم؟ وأنت تُضربين وتُهانين! أم وأنت تحتضنينهم هلعاً؟
هل أكملت “دولت” نومها بعدما اقتادكِ الجنود؟ أم استيقظت على حلم قاس فصرخت:
“أمّي، أمّي”
هل همس “محمود” في زنزانته وقد تخيّل المشهد الأليم:
“طمئنيها أنني في الفجر راجع”
من سيطمئن أطفالكما يا محمود؟ مأساتكما أشدّ ألماً مما في قصيدة سميح القاسم:
“أتركي طفلتنا ضُمّة أحلام وزنبق
وإذا ما استيقظت من حلمها باكية
سرقوا لي دميتي!
طمئنيها أنّني في الفجر راجع “
“ناديا محمود شمّوط” أول فلسطينية تولد في السجن الإسرائيلي،
كانت والدتها في الشهر السابع من الحمل عندما اعتُقلت.
ماذا سيُكتب في شهادة ميلادها؟
“مكان الولادة: عيادة سجن نيفي تيرتسا”
ربما تصبح هذه تهمة تلاحقها….
كان يوم ولادة ناديا قاسياً،
أمٌ تتلّوى ألما وتنتظر خلاصا من روتين إجراءات السجّان لنقلها للعيادة،
وطفلٌ يضجّ في رحمها ناشدا الحرية،
وزميلات يشجعنها دون أن يملكن شيئاً لمساعدتها.
في بعض اللحظات تخيّلن أنها ستموت، أو تلد بين أيديهن،
فرُحن يجمعن ما استطعن من خرق لِلَفّ الوليد.
لن يضير ناديا أين سترى عيناها النور،
يكفيها أنها في حضن أمها، دون أن يدرك عقلها الصغير كم تتعذّب الوالدة.
ما القوة التي واجهتِ بها قسوة غياب أمّ عن أطفالها يا زكيّة؟
بأيّة حيلة استدرجتِ لَبنَكِ ليتدفّق من صدرك؟ أما خشيتِ جفافه؟
هل إرضاعك مقاومة؟
كيف لقلب أم أن لا يتحطّم وهي تتطلّع في براءة عيون رضيعتها، وقد ألقمتها حلمة ثديها داخل السجن؟ أيّة عواطف تُمزّق قلبها؟ أترثي ألمها الشخصي! أم تتعذّب لحال رضيعتها! مشاعر أمومة مقهورة.
كبرت الطفلة والأسيرات يرقُبنها تدرج متعثرة بالأسرّة الحديديّة، تلهو عابثة بحوائجهن.
رغم المرارة أضفى وجود الطفلة على المكان القاسي بعض حيويّة.
كيف لطفلة تبحث ببراءة عن حرية، طارقة الباب الثقيل بأصابعها الغضّة وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة، أن لا تدمي القلوب وهي تحاول فتح باب لا يفتح إلا بأمر سجّان؟ كيف لوعيها الصغير أن يساعد على تفسير وضع القيود في أيدي وأرجل أمّها وهي ذاهبة لزيارة والدها في سجن الرملة المجاور؟
بماذا تجيبُ زكيّة عندما يسألها محمود عن طفلتهما؟ أتقول تركتها باكية؟
هل رقّ قلب سجّانة أو سجّان لصراخ الطفلة؟
هل يملك أحد هؤلاء ما يكفي من الجرأة للنظر في عيون أطفاله؟
بأية عاطفة يستطيع احتضانهم؟
ولما حان موعد انفصال زكية عن طفلتها التي لم تكمل الثانية من عمرها بعد،
شعرت أن عقارب الساعة تجري بسرعة البرق،
فانهارت هامدة بين أيادي زميلاتها،
فيما الطفلة تصرخ مُتفلِّتة من يدي سجّانة غابت بها بعيداً.
بكت “فاطمة”، “عائشة”، “رسميّة”، “مريم”، “فريال”، “ماجدة”، “لطفيّة” والأخريات.
يا لحُرقة قلب أنثى طير ترفرف نائحة فوق عشّها وقد عبثت بفراخها أفعى.
لمن ستعهدين طفلتك يا زكيّة؟ لا سبيل سوى الدير،
بوجود ناديا معك حاولتِ ترميم صورة أسرة تحطّم إطارها،
كيف ستُمضين أوقاتك وقد اعتدتِ احتضان من فيها بقيّة رائحة أسرة تبعثرت أشتاتاً.
كيف لطفلة غضّة أن تدرك ألم والدتها؟ بأيّة عاطفة ستتطلّع لإشقاء لم يسبق لها أن رأتهم؟
كيف ستبدو لها أبّهة الدير الرحب، ورقّة الرهبان والراهبات وإنسانيَّتهم، قياساً بضيق السجن وقسوة السجّان؟
كيف ستُفسِّر اتساع العالم وضجيج الشارع؟
سيبدو غربة خانقة بعيداً عن رحابة حضن أمّها.
ربما تحنُّ إلى السجن! فهناك حضن الأم الدافئ وقلبها الحنون.
أي عقاب فظيع لطفل أن يترعرع داخل سجن!
يا لقسوة حياة أناس لا يحتضن هناء طفولتهم بيت أسرة يرفرف فيه قلب أمّ!
بأية عيون ستنظر ناديا للرجال وقد نشأت في سجن نساء؟
ربما يبدون لها وحوشاً! قد تتلبّسها عقدة منهم!
فما تختزنه ذاكرتها الطريّة لما شاهدته منهم هو قسوتهم.
ما الأبوّة بالنسبة لطفل لم يحتضنه أب؟ لم يشاهد أباً يحتضن طفلاً ويفرح بهدية عيد؟
ما أعظم روحك الفدائيّة يا محمود! لم تهزمك همومك، ولم تقعدك قيودك.
هشمت بقبضتك وجه مسؤول الأمن في سجن الرملة، وقد تعمد إهانة “المطران هيلاريون كبوتشي” رفيق سجنك، فعاقبوك بسنوات عزل انفراديّ .
كيف لرجل لا يملك جبروتك ألاّ يفقد صوابه، وقد تناثرت أشلاء أسرته بين أطفال في الدير، وزوجة وطفلة لا يفصل بينه وبينهما إلا جدار اسمنتي، وبضع أبواب حديديّة ثقيلة ورهط سجاّنين وسجّانات!
سألتُ أم خضر -والدة خضر قنداح- وقد التقيتها في منزلها في قرية “أبو شخيدم” شمال رام الله:
_ تذكرين زكيّة شمّوط؟
_ وهل يمكن أن أنساها؟! زاملتها عامين كاملين في “سجن نيفي تيرتسا” في الرملة، إنها من “قرية سولم” الجليليّة. عندما روَت لي قصَّتها تناسيتُ ألمي، واعتقال ولداي خضر وغازي. كانت قويّة ومصمّمة وهي تحدّثنا عمّا قالته لزوجها قبل تهرّبه إلى سوريا: “لا أريد أن أظلّ متفرّجة على تضحياتك، ولا شاهدة على بطولاتك، أنا مثلك من أبناء هذا الشعب، والوطن لنا جميعنا، أريد أن أكون فدائيّة، أن أنفِّذ عمليات عسكرية”. بموقفها الذي لم يوافقها عليه زوجها، أنقذته من شكوك رجال “المخابرات السوريّة” الذين عمِل لصالحهم قبل أن يلتحق بفتح، بعدما التبَست عليهم سهولة تردِّده على دمشق، مُتسلِّلاً عبر “الجولان” طالباً تزويده بالسلاح فشكّوا بأمره. كانت زكيّة سلاحه في محو تلك الشكوك، عندما قال لمسؤوليه: “يوم الأربعاء القادم ستنفِّذ زوجتي عمليّة عسكريّة في العفّولة”. ربما لم يكن واثقاً مما قاله، فهذه تجربتها الأولى، لكنها وفَت بوعد قطعته وهي تودعه: “الأربعاء القادم سأنفِّذ عمليّة في العفُّولة، هذه هديّتي لإخوانك في سوريا”.
أضافت أم خضر:
_ جاء اعتقالي بمثابة هديّة ربّانية للأسيرات، عوّضتُ عليهنّ فقدان أمهاتهنّ، وأنا أشجعهنّ وأواسي حزنهنّ: “أنا في السجن والدتكنّ”. السجن بيئة قاسية يحتاج فيها السجناء لدعم بعضهم بعضاً، وبغضِّ النظر عن ضيق الحياة، السجن يتَّسع لكل الإحتياجات والدوافع والغرائز، لا يمكن للبشر أن يخرجوا من جلودهم البشرية، في النهاية السجين إنسان مهما حاول السجّان قهر إنسانيّته، كانت زكيّه تتحفنا بصوتها الرخيم ومواويلها العذبة.
تحررت زكيّة ومحمود من السجن في عملية تبادل للأسرى عام 1983 بعد أربعة عشر عاماً من الأسر، لم يشفع لها ولزوجها نضالهما ولا “اتفاق أوسلو” بالحصول على رقم وطنيّ يعيدهما إلى مسقط رأسيهما، ما زالا يعانيان الغربة في “الجزائر”، تلاحقهما لعنة الخوف من الموت خارج الوطن وقد تقدّم بهما العمر. بين الحين والآخر يجتمع شملهما بأبنائهما في القاهرة التي سمحت “معاهدة كامب ديفيد” للأبناء بدخولها، لكن ذلك مُكلفٌ ماليّاً والأسرة فقيرة.
بعد سبع سنوات من ولادة ناديا، كلف خليل الوزير\أبو جهاد دلال المغربي بقيادة مجموعة فدائيّة إلى سواحل فلسطين، استشهدت دلال مع رفاقها، إلا حسين فيّاض وخالد أبو اصبع، حُكما بالمؤبد، تعانقت الإرادة مع القدر فتحرّر خالد ليكون زوجاً لناديا، وليكون أبو جهاد شاهداً على عقد قرانهما.
توفيت زكية، وبقي محمود يُكابد غربته وحيداً في الجزائر…..
مع تحيات أبو علاء منصور
8\7\2020
من مخطوطة كتابي (المنسيون)