صرامة القرار…….!
أبو علاء منصور.
شهران بعد تسللي من الأردن عائدًا إلى سورية في العام ١٩٨٠ وعاد قاسم إلى هناك متسللًا كذلك. قلتُ له ولحمدي مغتاظًا من سلسلة أخطاء وقعت في مكتب لجنتنا في دمشق: “لا أريد أن أكون ضمن الإطار القيادي للجنة في دمشق، أريد تكليفي بالمسؤولية عن خلايا محددة”. ردّ قاسم بصرامة: “يجب أن تكون أنت مسؤول المكتب في دمشق. لن نُضحّي بالعمل لسواد عيون فلان وعلتان، غدًا نعقد اجتماعًا ونتخذ قرارًا بذلك”.
في اليوم التالي افتتح قاسم الاجتماع: “كلكم تدركون أهمية ما تطوّر إليه وضعنا بعد دخولي والأخ منصور إلى الأردن. لقد حدثت نقلة نوعية في عملنا، هذه تستلزم إعادة هيكلة وضعنا في الخارج بما يتلاءم ومستجدات العمل، بناء عليه قرّرنا أن يكون الأخ منصور مسؤولًا لمكتب اللجنة في دمشق”.
في موقعي الجديد توافرت لي مرونة اختيار من أردتُ العمل معهم. لكنّ تجاوز الحساسيات تحدٍّ كبير. في وقت قياسي اشترينا سيارة للمكتب، انفتحنا على مكتب التعبئة والتنظيم، وحصلنا على تموين للعاملين، وعلى ماكنتي طباعة، وتبرّع لنا إخوة في دولة الإمارات العربية بسيارة لاندروفر حصلنا لها على رقم عسكري، رقم “85”. أصبح بمقدورنا التنقل عبر الطريق العسكري من وإلى لبنان. لماذا لم ينجح من سبقوني بتحقيق مثل هذه الإنجازات؟ ربما شغلتهم صراعاتهم الداخلية فعميت عيونهم.
بعد مدة أثار بعض العاملين معي في المكتب لغطًا: “منصور يُجرئ صغار الكوادر علينا نحن القادة، ويُحابي محمد نعمان”. قلتُ في أحد الاجتماعات: “نحن نقود غيرنا بسلوكنا، لا نستطيع فرض أنفسنا على الآخرين بعيدًا من ثقتهم بنا”. حشرني أحدهم قائلًا: “وضّح ما تريده”. قلتُ مستفزًا: “أنت تأتي إلى المكتب بعد العاشرة صباحًا، تتناول فطورك، تُدخن، وتُجري اتصالاتك التلفونية الشخصيّة ثمّ تغادر، هل تريد مكافأة على ذلك؟!”. عرّجتُ على اللغط الدائر بخصوص موقفي من محمد نعمان: “أبو نعمان مريض، لكنّه وحمودة كفارنة أكثر الملتزمين بالعمل. ألا يستحق الرجل أن توصله سيارة المكتب إلى بيته؟ هذا بعض ردّ للجميل”.
كان عبد السلام عبد الله طالب الهندسة بجامعة دمشق يُعاني وضعًا ماليًا قاسيًا للغاية، وضع اضطره إلى النوم أحيانًا في مداخل العمارات. كانت تقارير تنظيمنا في الجامعة سلبية بحقه، هذا على عكس تقارير كتيبة الجرمق التي أشادت بانضباطه وشجاعته في أثناء وجوده في قواعدها بجنوب لبنان خلال العطل، كان تقويم الكتيبة أكثر مصداقية. نظرًا للوضع المالي الصعب لعبد السلام قرّرتُ صرف ثلاثمئة ليرة سورية شهريًا له، مقابل أن يُصبح رسولًا بيننا وبين إخوتنا في بيروت. في أحد الأيام أرسل حمدي موازنتنا الشهرية مع عبد السلام، لعب الفأر بعبي عندما لم يُحضرها في الوقت المحدّد. أرسلتُ إليه أبا خالد كتمتو فجاء بالنقود ناقصة أربعمئة ليرة سورية وبورقة كتب عليها: “لا أريد العمل معكم لأنّني سأ..”. وقف شعر رأسي وقد تخيّلتُه تردّد في إكمال كلمة “سأنتحر”. لا أدري ما الذي هجس لي بذلك الموقف السوداوي فأعدتُ كتمتو وأحضره.
بدا مأساويًا ما قاله الأسير المحرّر شحادة شملوني وقد عاد ذات يوم من “سوق الهال” بدمشق إلى المكتب: “الفدائي أبو النصر يبيع بقدونس ونعنع في سوق الهال! حين لمحني انزوى عن عينيّ، استدرتُ سريعًا وتواريت، خشيتُ أن تقع عيناي على عينيه فأجرحه. العمل ليس عيبًا، العيب أن تُقصّر الثورة مع فدائي عاد من جنوب لبنان ليمضي إجازته مع زوجته وأطفاله، كيف لمناضل أن يواجه العدو وكرامته مجروحة؟ نحن نقاتل بروحنا المعنوية”.
ذات ظهيرة ترجّلتُ وقاسم من السيارة أمام مكتبنا في دمشق، ففوجئنا بشاحنة تبيع اسطوانات غاز! لم يكن ذلك مألوفًا في حينه، في تلك الأيام كنّا نبتاع الغاز من المحطة الواقعة في منطقة القابون. صعدتُ الدرج مسرعًا لإحضار أسطوانة فارغة، وحجز قاسم دورًا لشراء اسطوانة جديدة، في المكتب فوجئتُ بمحمد جرادات -ابو رائد- وشقيقه تيسير قادمين من الأردن فشُغلتُ بالترحيب بهما، وهبط شاب بالاسطوانة الفارغة. دقائق ووصل قاسم حاملًا الاسطوانة الممتلئة على كتفه. همس تيسير في أذن شقيقه وقد لمح من طرف الباب شخصًا يفرك يديه: “يبدو أنّ الأخ منصور لم يُعطِ العامل ثمن الاسطوانة، ها هو ينتظر”. مال أبو رائد برأسه نحو زاوية الباب وابتسم لشقيقه: “هذا أبو حسن قاسم”. ما الصورة التي ارتسمت للقائد في ذهن تيسير قبل هذه الحادثة؟ ربما ظنّه بشوارب غليظة. بجسم ضخم ومُحاطًا بحُراس. القادة الحقيقيون أناس مثلنا، القائد قدوة.
في أثناء تخفّينا أنا وقاسم في الأردن، همس لي ونحن نمرّ بعجوز يجلس خلف بسطة على الرصيف في عمّان: “أخشى أن يكون مصيرنا هكذا يا منصور”. كان قاسم بعيد النظر. بعد عامين أُخرجت الثورة من لبنان، وأضحى مصير الفدائيين في مهب الريح.
المؤسف أنّنا لم نترك بصمة مكتوبة عن تجاربنا، كأنّ التوثيق يتناقض مع الفدائي! بهذا حُرمت الأجيال من ثروة وطنية. ماذا سيقولون بعدنا؟ من أين يبدأون؟ كيف يُحلّلون نتائج ما توصلنا إليه؟ قال لي سليمان يوسف -أبو حديد- من كتيبة الجرمق ونحن نتحدّث عن هذه الخطيئة: “في دورة عسكرية في الصين، طلب منّا المدرب أن نتحدّث عن تجاربنا، حين فعلنا ذلك سألنا: أهذا مكتوب يا رفاق؟ ذُهل وقد أجبناه بالنفي”. علّق الأسير المُحرّر محمد البيروتي: “في الأعوام الأولى للحركة الأسيرة، مارس علينا بعض قادة التنظيم في السجون حَجْرًا على القراءة عدا الكتب التقليدية، من يُخالفهم يُعرّض نفسه للجلد! نجونا بأعجوبة!”.
مع تحيات أبو علاء منصور
26\6\2020