أعيد نشر سلسلة آراء ومواقف وتجارب…..
دعوة للحوار والنقد والمراجعات في ضوء كارثة الوطن وخراب حياة الناس…!
أحمد الناصري.
6- عن الخلاف والصراع في تجربة الجبل ومحاولة إعادة بناء الحزب… الأساليب والمواقف..
دائماً نحتاج إلى تقييم ومراجعة لتجاربنا، وهذا يتطلب شروط وأدوات مهمة، أبرزها الوعي النقدي والمعلومات وأمانة التوثيق والتسجيل والموقف الجريء والجديد، من قضايا شائكة ومعقدة.
بالنسبة لي، الموقف في تجربة الجبل كان تحولاً نوعياً كبيراً مبكراً في حياتي، يناسب عمري وتجربتي ووعيي بعد اعتقالات دامية، وعمل مع بقايا تنظيم بغداد في ظروف عصيبة، تحت تهديد القتل المباشر. لكنني لم أتوقف أو أتراجع (هذا حق الرواية الثابت في ظل انهيار كامل وهزيمة شاملة، حيث صمدنا في أمن الناصرية وكنا اقل من عدد أصابع اليد الواحدة). وقد طرحنا أسئلة رئيسية، جديدة وجريئة، حول ما جرى في بغداد ووضع ومصير ومستقبل الحزب، وطالبنا بتقييم عملي يشمل المحاسبة والتغيير، وربطنا ذلك بتاريخ التجربة كلها.
ذلك الموقف مثل قطيعة تامة مع الوضع التقليدي السابق.
كانت أساليبنا تعتمد على الحوار والنقاش والنقد والجدل العلني، في ظل غياب التنظيم أو شكليته.
بعض الرفاق كانت تجاربهم بسيطة ووعيهم بسيط كذلك معلوماتهم عن الوضع الحقيقي للحزب والقيادة بسبب عمرهم (بعضهم ترشح للحزب في الجبل) وهذه ليست نقيصة أو عيب، إنما قضية لصالحهم تماماً، على أن يستفيدوا من الوقت. لكن الأمر يختلف بعد مرور عقود على التجربة حيث ظل البعض بلا موقف ولا معلومات. وكان البعض مجرد شرطي صغير تافه، يراقب، يشي، يكتب، يدافع أو لا يدافع (تصورت إن بعض الشرطة قد تاب وندم وتبين بسرعة إن الشرطي كامن داخله، لا يستطيع التغلب عليه والتخلص منه، وها هو يستيقظ وبيده هراوة توثية). هناك رفاق آخرون آثروا المراقبة والصمت، وبعضهم اتخذ موقف لا يتعدى مواجهة آمر سرية فقط لا غير. وهناك من ينتظر العلاوة والترفيع والزمالة. كذلك يوجد نوع آخر يقول بنظرية (الحزب بخير ويعرف كلشي)، دون أن يكون قادراً على أثبات ذلك، أو لا يهمه الأمر…
نتيجة أسئلتنا وجدلنا، قيادة الحزب (لجنة الجبل خاصة أبو سرباز) اتخذت موقفاً عدائياً مبكراً ضدنا، تمثل بالتجسس والتنصت علينا ومراقبة الرسائل والبريد، وإرسال رفاق للحوار معنا بقصد نقل هذه الآراء (أبلغني رفيق بذلك عام 81 في ناوزنك وأخذته وصعدت به إلى مقر القيادة وقد تلعثموا وصمتوا. هناك شهادة من صديق آخر ستصدر في كتاب أترك له هنا حق نشر اسمه أو حجبه). بينما أتصل عنصر تابع للقيادة وكلف منها باللاسلكي وطلب من القيادة محاصرة وإبادة المخربين المجتمعين في الإدارة المركزية. جاء ملا علي بسرعة من المكتب العسكري وسال عن طبيعية التجمع رد عليه الرفيق أبو بسيم (الفنان مكي حسين مكي وكان معه أبو كوثر والراحل سيد باقي) بأنهم الرفاق جاءوا لأخذ التموين الشهري. ضحك ملا علي وعاد إلى المكتب العسكري. ورى لنا الحكاية عدة مرات، وأنه أوقف مجزرة كادت تقع بسبب وشاية سخيفة ومغرضة!
خضعت لخمس لجان تحقيق قبل الاعتقال. التحقيق الأول كان عام 81 في مقر توزلة، سألني المحقق بماذا تفكر وما هو موقفك من القيادة؟
الصراع الداخلي انعطف بعد كارثة بشتآشان وانقلب نحو صراع تناحري من قبل القيادة استخدمت فيه أساليب انتقامية خسيسة وجبانة، حيث عذبتنا وقتلت منتصر.
هناك تفاصيل مرعبة تتعلق بالاعتقال والتعذيب وأساليب التحقيق والتهديد (خاصة ما قام به المقتول كاويس وهو عنصر مشكوك به حجزه سيد نظيف في بيت حزبي بمدينة الكوي وحاول الانتحار ثم تمت تصفية الشهيد سيد نظيف في عملية استخبارية غامضة في شهر 12 عام 79، بعدها حماه وقدمه أبو آسوس وأبو سرباز والجاسوس أبو حكمت صديق العميل القاتل ممو الذي سلم مفرزة عباس 32 رفيق إلى الأمن العام في العام 84، في عملية اختراق رهيبة مسكوت عنها)…
هل كانت آراءنا ومواقفنا وأسئلتنا صحيحة ومطلوبة؟ هل كانت موضوعية وضرورية أم تتسم بالجرأة الزائدة في ظروف غير مناسبة؟ هذا الأمر قابل للنقاش والتقييم، والاتفاق والخلاف، وهو امر طبيعي.
ورد تعليق ينطوي على تبرير وعدوانية وانتقام وتأييد لعملية اعتقالنا وتصفية منتصر وهو امر غريب حقاً، يتبنى الرواية الرسمية (جرى التخلي عنها من قبلهم). وقد استفسر أكثر من رفيق عن الأمر والدوافع، لكن المعلق، بدل الحوار والرد، لبس البدلة القديمة مع ربطة العنق والنظارات وغرد بعيداً عن الموضوع، في حالة عجز وتهرب من الحوار الموضوعي والمراجعات المفيدة.
اطرح أسئلة ولا أريد أو انتظر جواب. ماهي مواقفك السابقة من أزمة الحزب الشاملة؟ أين موقعك من القيادة؟ هل كانت كارثة تتطلب الصمت أم الضجيج والصراخ وقرع الحزان؟ أين كنت من هذا؟
النقاش والحوار حول التجربة والشهداء وكل الملفات ضعيف، بل يكاد يكون معدوما. هناك صمت مطبق طويل ومريب، يعكس حال ومستوى معين! (لا انشر ولا أعلق في صفحة الأنصار لهذا السبب، وقد شارك صديق بموضوع لي وكانت التعليقات قليلة حتى ظننت بوجود منع أو أجراء ما)، وهذه مشكلة فكرية وإنسانية عجيبة، بينما شارك البعض في ركضة أربيل فقط!
لازلت اهتم وألتزم ببعض التقاليد والاعتبارات والضوابط الشخصية والاجتماعية والأدبية، التي اعتبرها جميلة ومهمة في الحوار والخلاف، مهما كان سلوك الطرف الآخر…
*حوار حول تجربة الجبل… شيء من الخلاف والمقدمات والنتائج وأساليب الصراع
الصراع من أجل استعادة وبناء الحزب
العزيزان الغاليان مظهر وعامر وجميع الأصدقاء الأعزاء…
في حوارنا هذا وأسالتنا ومراجعاتنا ومواقفنا النقدية للتجربة، هناك معلومات ووقائع مهمة وأحداث رئيسية ومفصلية. فبعد هزيمة الحزب وتصفيته عام 79، على أيدي صدام والأمن العام وأجهزة البعث الفاشي، حسب خطة وحشية دقيقة، ساد الانهيار والارتباك والفوضى في كل شيء. استسلم الجزء الرئيسي والأكبر من منظمات الحزب، بينما هرب عدد آخر إلى الخارج وكردستان، من بينهم حشود من المندسين لصالح النظام. هنا حاولت القيادة على طريقة لفلفة الجراح والخروج من الأزمة رغم كل الخسائر البقاء والاستمرار وكأن شيئاً لم يحصل ولم يكن. وبدأت بترتيبات سريعة لإنشاء تجمع مسلح، وليس كفاحاً مسلحاً، لحماية الكادر والضغط على النظام للتفاوض، لتعود الأمور إلى مجاريها (أو المجاري) الطبيعية حسب تعبير رسمي شائع للقيادة، وللسيطرة على بقايا المنظمات ونقل الكادر إلى مناطق آمنة، ومنع الصراع القيادي الداخلي من التفجر السريع بتأجيله (هذا لا يعني عدم وجود مفارز صغيرة خاضت معارك بطولية وبطولات فردية كثيرة، لكن هذا لا يصنع ولا يعني كفاحاً مسلحاً).
في هذه اللحظة المشوشة والمرتبكة من الهزيمة القاسية والشاملة والخسائر الفادحة، تكون رأي آخر، طالب بعقد مؤتمر طارئ وواسع لدراسة وتقييم ما جرى في بغداد والوطن، وتحديد الأخطاء الفكرية والسياسية والتنظيمية والجماهيرية، وتشخيص حجم الخسائر التي مني بها الحزب، وتحديد المسؤولية الفردية والجماعية عما حصل، ومحاسبة وعزل المقصرين.
هنا دار الصراع وأنقسم الوضع الداخلي بين القواعد وبين القيادة اليمينية العاجزة والمتخلفة.
قلنا لهم لا يمكن القيام بعمل ثوري جديد وخطير بقيادة قديمة متخلفة ومدانة، لا يمكن لها أن تستبدل قميص التحالف الذيلي المهلهل، بقميص ثوري مفتعل لا يليق بها! فالعمل الجديد يحتاج إلى مراجعة ونقد للتجربة الخاسرة السابقة، ويحتاج إلى قيادة جديدة، تعيد بناء الحزب على أسس صحيحة، وتطرح برنامجاً سياسياً وعسكرياً جديداً، مع أدوات التنفيذ، وأبرزها إعادة الصلة بالجماهير والمدن والريف وبغداد والجنوب، وعدم الانعزال خلف الجبال البعيدة.
كان الدور الأول والرئيسي، في بلورة هذه الآراء للرفيق عبد الرحمن القصاب أبو أحمد والرفيق عادل سفر أبو شاكر.
لقد عجزت القيادة المتخلفة أمام الأسئلة والمطالبات المتزايدة بعمل جديد وصحيح، وقد لجأت إلى أساليب تخريبية وقمعية تقليدية وشراء ذمم وعمل بطانات وإغراء بالترفيع الحزبي والزمالات الدراسية والتجسس علينا، وأقصى ما فكرت به وتوصلت أليه وانتظرته، هو قيام (ضابط شريف) بانقلاب عسكري يغير الوضع، أو كان هناك تعويل خفي على حرب إيران ومشروعها العسكري. لذلك فقد كان رفع شعار الكفاح المسلح أسلوبا رئيسياً، هو مجرد هروب لفظي إلى الأمام وصياغة مفبركة بلا أسس ومقدمات وشروط فكرية وسياسية وعسكرية، ولم يكن للتطبيق.
كان الصراع في مركز بيروت، قد اتخذ شكلاً آخراً في تكوين كتلة عزيز فخري، الذي تسلل بقوة للموقع القيادي الأول بمساعدة عزيز، رغم موقفه الضعيف والمنهار في الأمن العام عام 79، كذلك تعاونه مع الأمن العام عام 65، بقيادة رشيد محسن، والعمل من أجل السيطرة على التنظيم والمالية والإعلام والصلات الداخلية والخارجية وعلى كل إمكانيات الحزب. وكان فخري يستخدم أحط الأساليب في تدمير الرفاق والحرب، حتى انتهى إلى ما انتهى أليه اليوم في أربيل كتابع صغير للأحزاب الكردية ومنسق نشاطات الموساد والجمعيات الصهيونية وقد زار الايباك، وفق نفس المنطق التخريبي الأول!
كانت القيادة متخلفة شخصياً وفكرياً واجتماعياً وثقافياً، وهي عاجزة عن قيادة وحماية الحزب، كما اتضح في كارثة بشتآشان الرهيبة.
كان الكادر الأول من المتخلفين الضعفاء والتابعين لهذه القيادة (أحدهم قال بسذاجة بالغة عزيز محمد يحبني، فقلنا له ما شكل الحب تنظيمي أم فلاطوني؟ لكن ذاك الحب تحول إلى التطبيق، بأن صار من ضمن العشرة المبشرة باللجنة المركزية غير الشرعية!).
كنا نعول على طلاب الجامعات في بغداد والمدن الأخرى، لكنهم في العموم كانوا من أتباع القيادة وبطاناتها، ولم تظهر لديهم مواقف نقدية مهمة. (في حادثة خطيرة ومثيرة كان أحدهم، يقيم في السويد حالياً، قد أتصل باللاسلكي بالمكتب العسكري وأبلغهم بأن المخربين يعقدون اجتماعاً واسعاً معادياً في الإدارة المركزية، التي كان يديرها النحات مكي حسين (سعيد أبو بسيم)، يساعده الرفاق أبو كوثر والراحل سيد باقي، وهي فرصة مناسبة لذلك، فتحمس للأمر أحمد باني خيلاني (أبو سرباز)، لكن عضو المكتب العسكري الرفيق ملا علي رفض الأمر، وجاء ليتحقق بنفسه، فتبين إن الرفاق الإداريين جاءوا إلى الإدارة كي يستلموا التموين الشهري، وبذلك أوقف مجزرة محققة للرفاق. المصدر ملا علي). هناك قصص كثيرة عن التحقيق معنا (أول تحقيق مبكر جرى في مقر توزلة / ناوزنك عام 81، قام به عدد من الكادر المتقدم التابع للقيادة وكان السؤال بم تفركون وما هي مواقفكم؟ كذلك كان هناك تجسس واسع علينا أبلغت به المكتب السياسي).
المثقفون والثقافة لم يشاركوا في الصراع وكان لديهم موقف عام مؤيد وتابع للقيادة أو محايد ومتفرج، مع امتيازات وسفر وزيارات ومهرجانات وسعها فخري وحولها إلى قوائم عطايا مذلة بين بغداد وأربيل.
موقف قواعد بهدينان وسوران السليمانية وكركوك مختلف ولم يدخل الصراع والخلاف على هذه الأسس!
بعد عودتنا من بشتآشان الثانية، جاء عزيز محمد للملمة الوضع والسيطرة عليه ولفلفة الجراح على طريقتهم، وقد اطلع على مواقفنا وظاهرتنا، وقال في ندوة عامة، بعدوانية منفلتة، بأن هؤلاء سرطان يجب استئصاله واجتثاثه، واعطى أوامره باعتقالنا وتعذيبنا بخسة ووحشية وانتقام عدواني تافه. حتى أبلغنا الشرطي صادق، بتهديد مباشر، (بأن السكرتير أعطانا كل الصلاحيات للوصول إلى نتائج سريعة)، وطبقوا هذا الموقف بأن قتلوا منتصر تحت التعذيب مع سبق الإصرار.
هذه الصورة العامة، والمشهد العام والظروف المحددة والمعقدة، التي كونا فيها رؤيتنا وموقفنا من القيادة والوضع وخضنا فيها الصراع من أجل استعادة وإنقاذ الحزب…
*تعليق الصديق الروائي عامر حسين (أبو ناتاشا)
عامر حسين عزيزي أحمد. تحية لك، وحنين للمحبوب سامي حركات….. لنعد قليلا بذاكرتنا الى ذلك الزمن… ولنتخيّل… حزب تقدمي بلا جماهير يعيش فوضى بسبب محنة غير مدروسة مع سلطة فاشية، راح ضحيتها أولاد الخايبة قربانا لتخبّط مجموعة من القادة لا تعرف ماذا تريد! وكيف تتصرف! همها الوحيد كيفية الحفاظ على مراكزها. يعني تمتلك خصال حكومة مصغرة… والآن انطلقت القيادة سواء بضغط من قاعدتها أم من تلقاء نفسها، تتحدى سلطة فاشية تمتلك إمكانيات مادية هائلة ويسندها العالم كله. فتتخيل هذه القيادة المسكينة أنها قادرة على إسقاطها تحت عبارتها المشهورة (النظام آيل الى السقوط) تتذكر هذه العبارة طبعا… تريد إسقاط هذه السلطة بالفين من المقاتلين جلّهم لا يستطيع حتى حماية نفسه. هذا هو الواقع على كل حال الا إذا أردنا أن نكذب ونضحك على أنفسنا. فهذا بحث آخر. فباعتقادي عندما نصف الواقع فعلينا أن لا نجمله… المهم… ها هو الحزب يقاتل بعموده الفقري بلا جماهير والعضو الذي يسقط يكسر ضلعا لا يعوض بهيكل الحزب… كانت القاعدة تغلي وتفور قبل بشتاشان وبعده بلغ التذمر أشده. والقاعدة كانت تائهة مثل القيادة وتتساءل ماذا نفعل؟… وكانت القيادة تتهمك مع سامي حركات وبضعة آخرين بأنكم سبب الفوضى. فلماذا تقاعستم في إزالة القيادة وتشكيل قيادة ثورية شابة (وانتم تعرفون مدى ضعف القيادة)؟ هذا أولا … أما ثانيا فماذا كان بإمكانكم أن تفعلوا لو صار زمام الحزب بيدكم؟ وهل كان وضع الحزب ووضع العراق قد تغيّر؟ تخيل عزيزي أحمد أنت وسامي حركات وغيركم بيدكم آنذاك زمام الأمور والقاعدة كلها معكم، والقادة العجائز أصبحوا في خبر كان. فماذا كنت ستفعل؟ أريد سيناريو كامل لهذا الحدث إن أمكن. مع خالص تقديري.
*ردي إلى العزيز عامر
شكراً عزيزي عامر على هذه المساهمة المعمقة من الوضع وعنه… ملاحظة هذه الكتابة عن تجربتنا الخاصة ما بعد الحزب. أما ما يتعلق بملاحظاتك أنت تعرف إن لا تجميل ولا مجاملة في واقع حجري قاس. لقد نقدنا الواقع الذي تصفه ورفضناه، وحاولنا تكوين موقف آخر فكري وسياسي نقدي مختلف، من خلال مراجعة كل شيء وكشف كل شيء. المشكلة التي واجهتنا بالجبل هي خصوصية ومحدودية المكان وعدم طبيعيته. فلسنا في بغداد والمدن كي نخوض صراع فكري تنظيمي كامل. وهذه مشكلة عملية حقيقية، وحاولنا الاهتمام والاعتماد على الصراع الفكري الداخلي بسبب المكان رغم معرفتنا بطبيعة القيادة وأساليبها في الصراع، مع وصول معلومات عن نية اعتقالنا، وكان أمامنا حل السفر والقبول بالزمالة (كانت معروضة علي للعلاج والدراسة) أو البقاء بين الرفاق في ما يسمى (الخط الأمامي) واخترنا البقاء والصراع الداخلي. لذلك باقي السيناريو غير موجود ولا مطروح ما يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري وتصفية القيادة ولا القسم الثاني فيما يتعلق بماذا نصنع ونفعل وإمكانياتنا وقدراتنا على العمل… كل هذا غير مطروح الأمر يتعلق بالخلاف على الوضع العام للحزب ووضعه ومصيره والتدرج في النقد وطرح الحلول. بالنسبة لهم استشعروا بالخطر ومارسوا سلطتهم الصغيرة الغاشمة في قمعنا بالقوة ثم حققوا معنا حول قصة الانقلاب والسيطرة على الحزب وتصفية القيادة فلم يجدوا شيئاً من هذا، لكنهم قتلوا منتصر تحت التعذيب والحقد والانتقام السخيف، وهو عار ما بعده عار لا يمكن مسحه، لذلك يقومون بالإنكار والصمت والتهرب، ويقولون حل جريمة منتصر بالتقاعد ومقابل التقاعد! وهو امر سخيف لكن يليق بمستواهم… أعدك سأناقش هذه الملاحظات بالتفصيل وكذلك تعليقك القيم السابق في موضوع عن الوضع وقريب من هذا. مودتي المعهودة.
تعليق الصديق مظهر كرموش…
Mudhir Karmush المناقشة اعلاه تجرنا الى فترة ما قبل الصعود الى الجبل وسؤالي هل كانت الجبهة مع البعث خطوة سياسية صحيحة؟ لماذا سمح للبعض من القادة بمغادرة الوطن ودفع المئات من أعضاء الحزب حياتهم لانهم لم يتنازلوا عن قناعاتهم؟ .كانت سياسة الحزب قائمة على الكذب وتشويه الحقائق .احد قادة الحزب زارنا في معسكر الناعمة في بيروت عام 79 شهر ايلول على ما أتذكر [ كريم احمد ] وصور لنا الوضع [ الآيل للسقوط ] واننا ربما لن نحظى بشرف اسقاط النظام لانه ساقط لا محالة [ لو تلحكون لو ما تلحكون ] وتكلم عن السلاح المكدس في الجبل بانتظارنا ، وقد تبين لاحقا ان لا صحة اطلاقا لاكاذيب كريم احمد وحينما وصلنا الى بهدنان في تشرين اول 79 كنا نحرس بالعصي لا غير ولا توجد قطعة سلاح واحدة .وان النظام استطاع الدخول في حرب استنزاف دامت 8 سنوات ، وتشوهت صورة الكفاح المسلح حين كان البعض يهلهل للانتصارات الايرانية ، وكنا نقاتل اولاد الخايبة من الذين ساقهم سوء حظهم الى الجبل . انها تجربة مرة ابطالها هم قادة ذوو رؤوس لا تفكر وكانت تكاليف ذلك ارواح مئات من اروع المناضلين. لحد علمي ليس هناك تقييم يعتمد على منهج علمي لكل التجربة دون اسقاط العاطفة الذاتية على مسار تطور الاحداث وضخامتها. ولحين ظهور تقييم .
..سيبقى لكل من شارك في التجربة وجهة نظره التي تعبر عن معاناته هو…
*حوار حول تجربة الجبل… شيء من المقدمات والنتائج وأساليب الصراع (القسم الثاني).
العزيز عامر، شكراً لمساهمتك في الحوار، بصدد مراجعة ونقد تجربة الجبل، التي تحتوي على محاور كثيرة وملفات ووثائق ووقائع وتفاصيل أساسية، وقد قدمت استبياناً لتقييم التجربة يحتوي على عشرين محور بمئات الأسئلة، وهو مشروع كتاب. الآن الحوار والخلاف يتركز حول أسلوب حسم الصراع الداخلي.
لدي الملاحظات الأساسية التالية وذكريات مهمة حول هذه النقطة.
أولا قبل كل شيء فالصراع الذي جرى في الجبل حول الحزب ووضعه ومصيره وحالته وإعادة بناءه وتقويته، هو صراع فكري وسياسي وتنظيمي، بين اتجاهات فكرية، حال كل الحركات الماركسية والشيوعية، لا يجوز التفكير بحسمه بوسائل عسكرية مطلقاً، حتى في الحركات المسلحة، حيث لا يجوز اللعب والعبث بالسلاح بهذه الطريقة. كما لم تنجح أية حركة تصحيحية داخل الحركات الماركسية (وحتى خارجها) لجأت إلى السلاح. هذا موقف فكري مبدأي ثابت ومهم.
ولتوضيح الصورة، نعود الى تلك الظروف المحددة، ظروف وشروط الصراع الذي دار في الجبل.
الصراع الداخلي الشامل في الجبل، بدأ على خلفية فشل التحالف مع البعث ونتائجه المدمرة والوخيمة على عموم وضع الحزب. ولم يكن هناك قبله صراع منظم وواسع بين كتل وتيارات تختلف حول سياسة التحالف وخطئها أو صحتها، وتلك مشكلة كبيرة، جاءت بعد تصفية تجربة القيادة المركزية، والنفوذ السوفيتي الحاسم في الحركة الشيوعية الرسمية التقليدية، وعوامل أخرى، من أبرزها القمع الوحشي للأمن العام وقبله قصر النهاية، وضعف العمل الفكري في العموم والقبول بالتعميم والسذاجة والتبسيط الفكري والنظري على طريقة كراريس وكالة نوفوستي السوفيتية!
نحن من استأنف الصراع الفكري الداخلي من جديد، على أسس نقدية جديدة، مع بناء القواعد والمقرات في الجبل وانتهى أو أوقف بالقوة العدوانية الانتقامية الغاشمة، بخرق كل القواعد الداخلية، باعتقالنا في يوم 30.01.1984!
أما حول ماذا جرى في بغداد؟ ومن أين وكيف نبدأ؟ وهي فترة قصيرة وخاطفة، من ضمنها سنة أحداث بشتآشان الدامية، فلم يبق غير فترة قصيرة، وهي ليست كافية لوضع أسس الصراع الفكرية والتنظيمية، ثم جني أو حسم صراع معقد ومتشابك وقديم!
لو تابعنا السيناريو المقترح (الحسم العسكري) والسيطرة على مقر القيادة واعتقال ومحاكمة وعزل وطرد او تصفية العناصر القيادية، فماذا نفعل بقواعد السليمانية وكركوك ومقرات أربيل وقاعدة بهدينان الموالية للقيادة؟
اعتقد إن قاعدة بهدينان سوف تهاجمنا بمساعدة شاملة من حدك أو غيره، وسيكون هناك قتالاً داخلياً مدمراً يحرق كل شيء. لذلك كتبت لك إن مكان الجبل غير طبيعي وغير مناسب لتصعيد الصراع الفكري، ثم حسمه بالسلاح.
ماذا عن منظمات الداخل والخارج؟ وكيف الوصول أليها وكسبها؟
أنت تتذكر جيداً، وأرجو أن تذكرني بما يفوتني ولو بالمراسلة الخاصة، بأن لا أحد كان قد طرح فكرة السيطرة على الحزب بالسلاح، لا قبل بشتآشان ولا بعدها. إلا بعض النكت والتصريحات العلنية الساخطة، التي قيلت في قاعدة روست بعد بشتآشان (حول إعدام القيادة بقياطين القنادر لأنها قيادة جبانة لا تستحق القتل بالرصاص)، ربما تتذكر الشخص الذي أطلق تلك النكتة، التي وصلت بتقارير سريعة إلى القيادة، وربما أرعبتها تلك النكتة ولم تضحكها! كما اطلعت شخصياً على رسالة بهذا المعنى، ربما تعرفها أنت، وقد عرفت القيادة بها وكانت نقطة تحقيق طويلة معنا، لكننا سامي وأنا لم نخبرهم بالمصدر طبعاً.
هذه الصورة القريبة مما جرى في الصراع الداخلي الصعب والمعقد، والذي يحتاج إلى أدوات ووقت كي يتبلور ويصل إلى عزل القيادة المتخلفة أو الانشقاق عنها والقيام بعمل مستقل آخر. وقد يتنوع العمل الفكري في ظروف مختلفة، كظروف الفاشية والحرب الخارجية الطويلة، ثم الانتفاضة والحرب الثانية والاحتلال وتحطيم الوطن، نحو عمل ماركسي يساري وطني، يطرح مهام وطنية كثيرة، تخلى عنها الحزب وتحول إلى الطرف الآخر، في مغامرة نهائية تعكس وضع الحزب!
أرجو أن نهتم بالمراجعات والنقد والتسجيل لتجربة (متروكة ومنسية) شاركنا بها وحاولنا تصحيحها من خلال إعادة بناء الحزب. كما علينا استعادة وردة الشهداء، وعدم تركهم ونسيانهم في الغفلة والإهمال بلا سبب حقيقي. وإلا كيف ينسى أصدقاء منتصر صديقهم، وهذا يشمل كل الشهداء؟ اعرف أننا مجتمع بلا تقاليد إنسانية واجتماعية راسخة ومتطورة…
تعليق عامر حسين (أبو ناتاشا)…
عامر حسين عزيزي أحمد. شكرا على ردك. لقد كفيّت ووفيت. لكن يبرز سؤال من خلال طرحك (قلنا لهم لا يمكن القيام بعمل ثوري جديد وخطير بقيادة قديمة متخلفة ومدانة، لا يمكن لها أن تستبدل قميص التحالف الذيلي المهلهل، بقميص ثوري مفتعل لا يليق بها! فالعمل الجديد يحتاج إلى مراجعة ونقد للتجربة الخاسرة السابقة، ويحتاج إلى قيادة جديدة، تعيد بناء الحزب على أسس صحيحة، وتطرح برنامجاً سياسياً وعسكرياً جديداً، مع أدوات التنفيذ، وأبرزها إعادة الصلة بالجماهير والمدن والريف وبغداد والجنوب، وعدم الانعزال خلف الجبال البعيدة…. انتهى) . أنت تؤكد بما جاء أعلاه بضرورة الإتيان بقيادة جديدة (هذا كلام منطقي) وواضح أنك تسعى الى تغيير القيادة سلميا كما جاء في قولك التالي ( لذلك باقي السيناريو غير موجود ولا مطروح ما يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري وتصفية القيادة…….انتهى) ….. فكيف تريد التغيير؟ وهل تتصور أن القيادة ستتخلى عن مواقعها بهذه السهولة؟ فماذا صارت النتيجة؟ كلنا نعرف ما هي النتيجة، وعلى حد قولك (استشعروا بالخطر ومارسوا سلطتهم الصغيرة الغاشمة في قمعنا بالقوة ثم حققوا معنا حول قصة الانقلاب والسيطرة على الحزب وتصفية القيادة فلم يجدوا شيئاً من هذا، لكنهم قتلوا منتصر تحت التعذيب والحقد والانتقام السخيف…..انتهى) وأنا أزيد فأقول بأنهم مستعدون أن ينكّلوا بكل القاعدة على غرار تنكيل صدام إن لم يكن أقسى لو شعروا بأن البساط سيسحب من تحتهم. وهذا أمر طبيعي جدا في كل دول العالم الثالث سواء كانت حكومات أم أحزاب…. سؤالي هنا أيضا. أما كان الأجدر هو الإطاحة بالقيادة بدلا من أن تطيح هي بكم؟ فأنا أعرف أن الذي يدخل حلبة الصراع عليه أن يدخل بكل قوته والا ما كان عليه أصلا أن يخوض النزال. إن لغتك عزيزي أحمد وطرحك هو نفس لغة وطرح سامي حركات… لم يشأ أبدا أن يخرق التنظيم… أنتما كنتما من أكثر الناس التزاما وحرصا على التنظيم. وكانت هذه باعتقادي نقطة ضعفكما. فلا مكان للمشاعر والنوايا الحسنة في عالم السياسة… كل الود والتقدير
2020-06-04