أعيد نشر سلسلة آراء ومواقف وتجارب..
دعوة للحوار والنقد والمراجعات في ضوء كارثة الوطن وخراب حياة الناس…
الحلقة الثالثة…!
احمد الناصري.
3- عودة للجدل الدائر حول أزمة الحركة الشيوعية العراقية..
جدل الفكر اليساري الماركسي..
يتصاعد ويحتدم الجدل الدائر حول وضع الحركة الشيوعية العراقية وأزمتها القديمة وتعبيراتها الجديدة، المتمثلة في الموقف من الاحتلال، باعتباره المشكلة الرئيسية التي تواجهها بلدانا، ومن الكارثة الوطنية العامة التي نمر بها، ودور الجدل الفعال والموضوعي والنقد والحوار والمراجعات في تحريك وتجميع اليسار الماركسي الوطني على أسس صحيحة، عبر كشف الأخطاء الفكرية والسياسية، السابقة والحالية. تشارك في هذا الجدل أوساط وشخصيات شيوعية وماركسية عديدة، بعضها يشارك للمرة الأولى بعد صمت طويل غير مبرر، كما تساهم في الجدل شخصيات من خارج الحركة الشيوعية، وهذا أمر طبيعي ونافع لتوسيع دائرة النقاش وتعدد المصادر والرؤى، وتتسم بعض الآراء بالموضوعية والجرأة والهدوء والتطور، بينما تتصف آراء أخرى بالقصور والتخلف والجمود وعدم الموضوعية والتشنج. كما تستخدم أساليب مختلفة في النقاش، بعضها راقي وحضاري في عرض الأفكار والمواقف، والبعض الآخر اتهامي هابط، يأتي على شكل ردود فعل متشنجة، ومحاولة تهويش لتخريب وإيقاف الحوار الجاري بشكل علني واسع، أو جره الى مسارات غير مفيدة وغير رصينة، وهذا أمر طبيعي أيضاً لا يفسد الجدل الدائر ولا يقلل من قيمته ومستواه، حيث سيستمر الفرز باعتبار أن هذا الجدل القائم حالياً هو الشرط الأساسي والأولي لإصلاح وضع الحركة الشيوعية واليسارية العراقية، واستعادة دورها ومكانتها الطبيعية في الحياة السياسية، في ظل الكارثة الوطنية الراهنة التي تعاني منها بلادنا.
الماركسية نظرية جدلية نقدية تلتزم وتستلزم التطوير والمراجعات والنقد، وتمارس الصراع الفكري الجاد ضمن منظومة المفاهيم والآراء الماركسية نفسها، أو مع المفاهيم والأطراف الأخرى المختلفة، سواء القريبة منها، أو التي تخلت عن الماركسية وانتقلت الى مواقع أخرى، أو في الصراع ضد الرأسمالية ومدارسها المختلفة، باعتبارها العدو الثابت والأول، والخلاف معها خلاف تاريخي رئيسي وجوهري، وليس خلافاً ثانوياً أو مؤقتاً وعابراً.
وعملية التطوير والتحديث الماركسي والاجتهاد العلمي، تستند الى حركة الواقع المتغيرة، والى التجارب والأسئلة الجديدة التي تطرحها الحياة بصورة مستمرة ودائمة، والى النجاحات والنكسات والتحولات التي تمر بها الحركة، وتقوم على أساس المفاهيم والمعايير الماركسية العامة، وهي ليست عملية سائبة أو تجريبية بشكل تام، إنما هي عملية صعبة معقدة تعتمد على العقل المنفتح والجريء وربما المغامر في طرح الآراء والأسئلة والاكتشاف والتجاوز وعدم التحجر والانتظار أو التردد، قبل حصول المنعطفات والكوارث والنكسات السياسية، وما يرافقها من خسائر وتضحيات غير مبررة أحياناً، أو التي يجب إيقافها ومنعها.
لقد تمكنت الماركسية خلال مراحلها النظرية التأسيسية الأولى واندفاعها الأول أن تطرح أفكارها الرئيسية العامة، وقامت بنقدها لنفسها وتجاوز بعض أفكارها وتطوير جوانب أخرى خلال المرحلة التكوينية والعمل الفكري والتطبيقي المكثف لحركة الطبقة العاملة وحركة الشعوب، من خلال المواجهة مع الرأسمالية واستغلالها البشع للناس وللشعوب، وقد اعتمدت الماركسية في عملها الفكري على طاقتها المنهجية العالية وجدلها الداخلي، وقد خفت هذه الصفة وتراجعت هذه الطاقة منذ عقود طويلة، وتجسدت في ضعف المشاركة الأوربية في الإنتاج الفكري العالي، وتشوه وانهيار التجربة السوفيتية، وضعف أو انعدام المساهمة الفكرية للحركة الشيوعية والعمالية في الأطراف، وخاصة حجم المساهمة الفكرية في الحركة الشيوعية العربية، وفرعها العراقي، فقد اعتمدت على المدرسة السوفيتية السابقة، وما يترجم من ماركسيتها التقليدية الرثة الى درجة شبه تامة.
هذه المقدمة تقودنا مباشرة لمناقشة أزمة الحركة الشيوعية العراقية القديمة وتفاقمها الراهن ووصولها الى درجة نهائية خطيرة، بسبب طبيعة أزمة الوطن المحتل وموقف الحركة الشيوعية وخاصة جناحها التقليدي (الرسمي) منها، تلك الأزمة الوطنية القديمة التي انتهت الى احتلال عسكري أمريكي لبلادنا، ترافق مع تحولات وتشوهات فكرية واجتماعية وأخلاقية جوهرية كبيرة.
الأزمة المستعصية في الحركة الشيوعية العراقية قديمة، بدأت بواكيرها منذ غياب الرفيق فهد، ونشأت نتيجة ظروف وأحوال كثيرة، فكرية وسياسية وتنظيمية عديدة، وظروف داخلية وخارجية، تمثلت بمستوى التطور الاجتماعي العام والإرهاب والاستبداد الداخلي، وتأثير العامل السوفيتي السلبي وغيرها من الأمور والعوامل التي لسنا بصدد مناقشتها الآن، وتجسدت في أخطاء رئيسية كبيرة، مستمرة ومتعاقبة، انتهت بخسائر جسيمة متلاحقة تمثلت بفشل وانهيار ثورة تموز 58، وكارثة عام 63، وخط آب عام 64 وقبله بيان تموز في نفس العام، والانقسام الكبير عام 67، ثم تجربة التحالف الذيلي التافه مع البعث، والحملة الإرهابية الشاملة عام 78 لتصفية وتحطيم الحزب، وترك القواعد الحزبية تحت رحمة نيران العدو وأجهزته الأمنية الشرسة، وإطلاق شعار بائس وخائر وتصفوي هو (دبر نفسك أيها الرفيق) وهروب القيادة الى الخارج، وبعدها تجربة التواجد المسلح في جبال كردستان، وتوظيف التجربة والتواجد المسلح لنوايا القيادة الضيقة والخاطئة وصراعها الداخلي مساوماتها مع السلطة، في ظل غياب البرنامج السياسي والتنظيمي والعسكري والجماهيري السليم، ومنع القيام بمراجعة وتقييم تجربة التحالف مع البعث، وتنفيذ مجزرة بشتاشان على يد ميليشيا الإتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني في 1 أيار 1983 بسهولة كبيرة، وسقوط عشرات الشهداء والجرحى والأسرى، وانتهاء هذا التواجد بعد الهجوم العسكري الشامل الذي نفذته السلطة بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية مباشرة في آب عام 88، والتي استمرت لثمان سنوات رهيبة، ثم التخبط في سياسات وتحالفات خاطئة تصل الى درجة التبعية للحركة القومية الكردية والتحالفات الأخرى مع الأطراف الطائفية الدينية الظلامية وتنظيم العميل أحمد الجلبي وأياد علاوي، والتي كانت المدخل الواسع والتوطئة الحقيقية للموقف اللاوطني الحالي من الاحتلال، ولهذا الانزلاق التاريخي وتداعياته الخطيرة.
قيادة الحزب الشيوعي العراقي السابقة والحالية، تلوذ بالصمت إزاء هذه الحقائق التاريخية المعروفة وغيرها، وتعترف بها بصورة متأخرة جداً أو جزئية، أي بعد فوات الأوان، وبطريقة إنشائية تجزيئية (بالمفرق) من دون تحديد جذور الأخطاء وأسبابها الفكرية وتفاصيلها التطبيقية، ومن المسؤول عنها بشكل جماعي وفردي، كما في تجربة تقييم التحالف الذيلي مع البعث الصادر عن المؤتمر الرابع، الذي أعتبر أن (تجربة الجبهة الوطنية معركة طبقية بحد ذاتها صلبت قوى شعبنا الثورية) و(لكن حصلت أخطاء ذات طابع يميني)، وهذه الطريقة تشي وتفضح العقل التبريري الإنشائي الذي يقود عمل الحزب ويسيطر عليه الى الآن، وهذا ما تجسد بشكل سافر في عرض وشرح السياسة الحالية تجاه الحرب والاحتلال والمشاركة في(العملية السياسية) التي فرضها المحتل على جميع الأطراف المشاركة فيها، الواردة في وثائق المؤتمر الثامن للحزب، رغم الكوارث والفشل والتخبط الناتج عن خطط الاحتلال والعمل السياسي اللاوطني، وإعلان موت ما يسمى (بالعملية السياسية) وارتباط بقاءها ووجودها بوجود المحتل وبقاءه.
لم تشترك القيادة السابقة أو الحالية في الجدل الدائر حول أزمة ومهمات الحركة الشيوعية، بسبب ضعفها الفكري وعدم امتلاكها الحجج القوية والمقنعة، وهي لم تستخدم الإعلام المكتوب والمرئي بصورة فعالة الى الآن، ولم تظهر على سبيل المثال دراسات موضوعية أو مواقف هامة أيام تجربة التحالف مع البعث، إلا ما يتماشى مع رغبة القيادة ومزاجها وبتوجيه منها، وبما يرضي البعث تماماً ولا يثير غضبه، وقمعت الآراء البسيطة التي ظهرت هنا وهناك، وهدد أصحابها بالعواقب الوخيمة المعروفة. ولم تدخل في مناقشات جادة في كردستان لمناقشة تجربة التحالف مع البعث، وقمعت الرأي الآخر بطريقة تعسفية وصلت الى درجة الاعتقال والتعذيب والتصفية الجسدية، كما لم تظهر أية دراسة أو مناقشات هامة معمقة لشرح وتطوير تجربة الكفاح المسلح، التي كانت من دون برنامج عسكري، وهذا الفقر والعجز النظري، كان ولا يزال سائداً في عموم الحزب وجميع مستوياته.
أن قيادة الحزب تتطير وترتعب من كل نقد أو رأي مخالف، خاصة إذا كان جريئاً وعلنياً، ويحتوي على حقائق ووقائع ووثائق، وتطالب بالنقد الداخلي المخفف عبر الأطر والقنوات التنظيمية للتعرف عليه واحتواءه ومنع تأثيره، وتعتبر ما عداه تخريباً خطيراً يصب في مصلحة العدو الموجود والجاهز دائماً. ومن يمتلك حقائق ووثائق تاريخية صادمة أو مزعجة عليه أن يصمت ولا يحق له مناقشتها إطلاقاً. بينما لم تكشف القيادة نفسها أي وثيقة حتى لو انتهت صلاحيتها وفقدت قيمتها الأمنية والسياسية، فلا أحد يعرف ما هو مصير محاضر (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)؟ وأين هي المذكرات والرسائل التي قدمها الحزب الشيوعي للسلطة وللبعث؟ وكيف جرى مناقشة الخلافات والتجاوزات الكبيرة مع البعث؟ وهل كانت هناك أسرار واتفاقيات تتعلق بهذا التحالف تستحق الكشف مثلاً ولو بعد حين؟ وهل من المعقول والطبيعي أن يكون التحالف من غير أسرار وخفايا؟ كما جرى التستر على موضوع الاندساس الواسع في الحزب أيام التحالف مع البعث أو في كردستان وفي تنظيمات الداخل وتنظيمات الخارج؟ وجرى الصمت على عمليات التسقيط الواسعة التي مارسها البعث والأمن العام والتي أدت في بعض حالاتها الى الاندساس والاختراق من قبل العدو وعلى مستويات قيادية؟ رغم توفر الوثائق والمعطيات الجديدة بعد الاحتلال وسقوط النظام. كما لم تحصل بعد مناقشة موضوعية وثائقية للعلاقة بين المركز الشيوعي السوفيتي السابق والحزب الشيوعي العراقي، ولم يظهر شيء ذو شأن للآن في هذا المجال الحساس والخطير.
تحاول قيادة الحزب التهرب من مناقشة هذه الحقائق، وتتشاغل بقضايا وهموم أخرى مفتعلة، وتستفيد من ردود بعض العناصر القيادية السابقة، من خلال تكليفها أو التنسيق معها، رغم عدم فائدتها وضعفها، وأتباع هذه العناصر و(من لف لفها في تعبير شائع بينهم) أساليب تهويشيه قديمة لا تنفع في عالم منفتح ومتفتح، و تتسم ردودها ومداخلاتها بالتعالي الفارغ والوهم الذي تآكل مع السنين والأيام، ويستطيع المتابع أن يميز بين الخطأ والصواب في ضوء تجربته الخاصة، وقراءته للأحداث والمعطيات الكثيرة المتوفرة حالياً حول كل موضوعات الخلاف والجدل، السابقة والحالية،، وعن كل شيء تقريباً، كما إن موقف هذه العناصر المؤيد للاحتلال يفقدها المصداقية والقيمة الموضوعية، من خلال موقفها اللا وطني واشتراكها في الزعيق المؤيد للاحتلال ليل نهار، ودعوتها لإنجاز المهام المشتركة، ومساعدة المحتل على إكمال مهمات (التحرير)، لأسباب متعددة تتعلق بموقف هذه العناصر وتربيتها وسلوكها وتاريخها السياسي وارتباطاتها الجديدة، وتتهم هذه العناصر كل من يقف ضد الاحتلال البغيض لبلادنا بمساندة الإرهاب القذر والغامض، وهو اتهام باطل لا يستحق الرد أو النقاش، لكنه يطرح كمعادل مفتعل لموقفها المتهاون من المحتل، وتنسيقها مع قوى طائفية رجعية إرهابية بغيضة، وخدمة توجهات قومية انعزالية ضيقة، والتعامل الصريح مع عملاء وخونة، والتنسيق مع أجهزة الاحتلال المختلفة، دون الاعتراف بالعلاقة الموضوعية بين الاحتلال والإرهاب كنتاج للأول، على الأقل من خلال الفوضى التي خلقها في بلادنا، وتركه للحدود الوطنية مفتوحة وسائبة، وفشله المتعمد او غير المتعمد في مكافحة الإرهاب والقتل الجماعي المتعدد وحماية المدنيين، حسب مسؤوليته القانونية التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية، بل ممارسته وقيادته إرهاب عسكري وحشي جماعي واسع، والشواهد كثيرة ومعروفة وموثقة.
الجميع في الطرف الآخر يخشون الحقائق الكبيرة، ويصمتون عنها، ولا يكشفون الوثائق والبيانات، ولا يقبلوا بمن يكشف الوثائق والبيانات، ويشككون بنواياه ومقاصده، مثلما جرى مع آراخاجادور، والهجوم عليه لأنه بدء بنشر وثائق قديمة بحوزته، رغم فقدان بعضها لأهميتها وقيمتها بسبب عامل الزمن وتغيره.
كما جرت مناقشة آراء باقر إبراهيم وحسقيل قوجمان و(من لف لفهما، هكذا، في تعبير موجه يتكرر كثيراً في الردود) بطريقة شخصانية بائسة، وصلت الى درجة ضحلة من الاستهزاء بالعمر والشيخوخة الكريمة، رغم إنهم جميعاً تجاوزوا الشيخوخة بأعوام عديدة، وهذا ليس عيباً أو خطيئة أو نقصاً ما، وتذكير باقر إبراهيم بأخطاء فكرية وسياسية، هي في حقيقتها توجهات جماعية مشتركة لعموم قيادة الحزب، تمت بموافقة اللجنة المركزية والمكتب السياسي وسكرتير الحزب، حتى لو كان دور باقر إبراهيم أو غيره أساسي فيها، فقد أصبحت سياسة عامة رسمية للحزب بعد إقرارها، وجزء من تاريخ الحزب الفعلي، وهذا مثال على نوع من المراجعات الضيقة والعجيبة، رغم تأخرها عقود طويلة، فهم يتحدثون مثلاً عن خط آب عام 64، تصوروا البؤس والضحالة وغياب الجرأة الصمت لعقود طويلة، فأين كنتم كل هذه السنوات والعقود الطويلة؟ وكيف أنكر قيادي في كردستان حصول هذا الحدث في حياة الحزب، عندما سأله عنه أحد الرفاق الشباب في مقرات نوكان؟ ولو بقي باقر إبراهيم أو غيره معهم في نفس المدرسة، يسير على نفس الخط في قيادة الحزب، لأستمر تبرير كل المواقف التي يسمونها الآن خاطئة، ولنزعوا عليه ألقاب من قبيل (سوسلوف) العراق، ولأقاموا له دعاية عن قدرته التنظيمية الخارقة، مثلما كان سائداً حتى المؤتمر الرابع، وهذا ينسحب على جميع الأسماء والشخصيات الموجودة داخل الحزب أو خارجه، حيث أصبح البعد والقرب من هذه القيادة هو المعيار الأساسي والوحيد للتقييم، وليس المواقف الفكرية والسياسية، ومثال على ذلك الموقف من الراحل زكي خيري وسعاد خيري، وغيرهما من الأسماء المعروفة الأخرى، وحالة زكي خيري، مثال ساطع على الخراب الأخلاقي والأدبي والتنظيمي، الذي فرضه عنصر قيادي طارئ لكنه متنفذ، بينما لا يتعرض عزيز محمد أو (أي واسم آخر مستمر مع الخط الرسمي) الى أي نقد أو مراجعة لفترة قيادته للحزب، رغم مشاركته الرئيسية في كل الأخطاء والكوارث والمواقف المشار إليها، وهو يتحمل مسؤولية اكبر من الجميع بسبب دوره وموقعه الحزبي الأول وصلاحياته، واستمراره في مركزه وفي العمل لما بعد المؤتمر الرابع.
أن محاولات التهويش والتشهير وشخصنة الردود، واستخدام الأساليب الهجومية والترهيبية، من أي طرف جاءت، مثلما يدور في تعليقات الحوار المتمدن، إنما تستهدف إيقاف وتخريب وإفساد عملية النقد والمراجعة وكشف الحقائق والوثائق والمعلومات، رغم تأخرها الطويل والمرير، لفرض واستمرار حالة الصمت المريب والمريض، ومحاولة إرهاب أصحابها عبر الاتهامات الجاهزة التي تلخصت أخيراً بتهمة مساندة الإرهاب في هذه المرحلة الخطيرة والحساسة التي يمر بها وطننا، والتي لا تشبهها مرحلة في تاريخنا الوطني المعاصر، مع الترويج لمذكرات وكتابات إنشائية بائسة عن تاريخ منقح ومفصل على مقاسات عقل القيادة، كتابات تبريرية ودعائية ركيكة ومذكرات تتحدث عن انتصارات وإنجازات وهمية وسياسات (صائبة زكتها الحياة).. كذا، حتى في توصيف كارثة التحالف الذيلي مع البعث، وتقسيمها الى مراحل، لإيهام الناس بصحتها في مرحلة وتراجعها في مرحلة أخرى، رغم أن التحالف وقّع في تموز عام 73، وقد قمعت التظاهرات التي خرجت ليلاً للاحتفال بتوقيع التحالف، ولكن كل هذا ضاع وتلاشى مع نشوة ومهرجان التوقيع ولم يتوقف أحد عند هذا المؤشر الأولي رغم كل دلالاته، وبدأت عمليات التبعيث وحملات الاعتقال والتصفية السياسية واختراق تنظيمات الحزب، والسيطرة على الدولة وتأطير المجتمع مع قانون الحزب القائد عام 74، الذي صمت عليه الحزب الشيوعي العراقي، ولم يرفضه أو يتخذ أي موقف منه، مما أعتبر قبولاً وخضوعاً له، ثم تطبيق قرار حل المنظمات الجماهيرية عام 75، وفق سفسطة التنازل عن الجزء من اجل الكل العقيمة. وكانت قيادة الحزب تساعد البعث في تبرير وتمرير هذه السياسة الخطيرة، من خلال السكوت عنها، أو اعتبارها أعمالاً فرديةً، وليست سياسة رسمية مدبرة، وإصدار التوجيهات للمنظمات الحزبية بعدم الانجرار وراء الاستفزازات وتطويق السلبيات، ولم ترصد القيادة طبيعة السلطة الدكتاتورية السرية وتركيبها وتحولاتها، التي عُمل على تأسيسها وبناءها منذ عام 68، ودور صدام حسين الاستثنائي في ذلك. فمتى كانت المرحلة سليمة وصحيحة؟ وكم امتدت من الوقت؟ وما هي نتائجها الإيجابية لتخضع لتقييم إيجابي يستحق كل الخسائر والتضحيات الكبيرة قبل التوقيع وبعده؟ وأين هي القوى الشعبية التي صلبها التحالف الخائب؟ إنها مهزلة العقل التبريري المتهافت، واستمرار الضحك على عقول بعض الناس البسطاء.
الماركسية نظرية نقدية جدلية تمتلك القدرة على التحليل العلمي والعملي وتعين على الوصول الى الحقيقة، وهي تستند الى حركة الحياة وتحولاتها المستمرة، وتنقد وتراجع كل شيء، فلا يوجد موضوع أو شخص مقدس أو خارج النقد والمراجعة العلنية العميقة، أو أكبر وأهم من العقل الإنساني وقيمه، وهي تمقت العقل التبريري الإنشائي البطيء والمتخلف، وتعتمد المراجعات الجادة التي تستند الى الحقائق الثابتة وفي وقتها المناسب دون أي تهرب أو تأخير مقصود، لكي تمنع تكرار الأخطاء والنكسات والخسائر، فلا قيمة مادية وتطبيقية للتقييمات المتأخرة واللاحقة، والتي يقصد بها الدعاية والتبرير، أكثر من استيعاب الدروس وتصحيح الأخطاء القاتلة.
لقد دعونا في وقت مبكر بعد فشل التحالف الذيلي مع البعث عام 78، الى كشف ونقد كل الأخطاء التاريخية الكبيرة، الفكرية والسياسية والتنظيمية، التي وقعت بها الحركة الشيوعية العراقية، ومحاسبة جميع المسؤولين عنها، لتخليص الحركة منها ومن أسبابها، ولمنع تكرارها، وتزداد أهمية هذا الموقف وضرورته القصوى اليوم مع تصاعد وتجدد الخلاف والافتراق الذي وصلنا إليه في الموقف الحالي من الاحتلال وأزمة انهيار وتحطيم الوطن الحالية وتفاصيلها الرهيبة، فمن حق الجميع أبداء آراءهم في هذه الأزمة والمساهمة الجادة والموضوعية في الحوارات الجارية دون تردد، وكشف كل الحقائق للناس، بينما سيستمر تراجع الطرف الآخر مع تهاوي وسقوط دفاعاته وحججه المهلهلة.
لا طريق للإصلاح والتغيير غير الاعتراف بجميع الأخطاء ومعالجتها بشكل حاسم ونهائي، وفق منطق سليم وصارم، بعيداً عن العواطف والبكائيات والحلول التبريرية الرثة والتأجيل والانتقائية، والانتقال الجاد والفعال الى طرح رؤية سياسية وطنية مشتركة، تكون أساس العمل اليساري الوطني المشترك، لمواجهة ومقاومة الاحتلال وصولاً الى طرده وتحقيق الاستقلال الوطني، والتخلص من الطائفية السياسية والاجتماعية المقيتة، وحل أزمات ومشاكل البلاد الكبيرة والمستعصية.
في الختام لابد من التنبيه الى قضية خطيرة جداً، فقد بدأت تطرح هذه الأيام في أعلى المستويات الرسمية الأمريكية مشاريع تقسيم العراق، وهذه المشاريع هي ضمن مخطط الاحتلال الأصلي، وهل يوجد خطر أكبر من هذا الخطر المحدق بالوطن، على يد الاحتلال، وأطراف طائفية وقومية معروفة تستغل الظروف العصيبة التي يمر بها لفرض سياساتها الخطيرة، وهذا ما نبهنا عنه منذ البداية، بل قبل الحرب والغزو، ونقرع أجراس التحذير والتنبيه بقوة من جديد.
يتبع غدا
2020-06-01