رأي في أزمة الانهيار… !
عن المشروع الأمريكي في بلادنا ومنطقتنا وأدواته…
أحمد الناصري.
تتفاقم وتنفلت الأزمة الحضارية في منطقتنا، وتتجلى بأبشع صورة دموية، هي حروب التدمير الداخلية الشاملة والمتنقلة، بسبب فشل وانهيار الدولة والمجتمع معاً، والتدخل الخارجي الواسع والمتعدد، كنتيجة لعقم النظم السياسية، الأمنية والقمعية المتخلفة والفاشلة، وبدائيتها، وغياب المشروع الديمقراطي في البناء والتقدم، وقضايا النفط وإسرائيل والأنظمة التابعة، وهشاشة الثقافة والفكر.
كل ذلك تجمع وترابط وتداخل ليرسم هذا المشهد الحالي الدموي القاتم. هناك محاولات قليلة جادة وعميقة لتفكيك هذا المشهد، كخطوة أولى للخروج من المأزق التاريخي، تدريجياً على طريق طويل ووعر، بل غاية في الوعورة والعنت، لكنه ليس مستحيلاً ما دمنا نعيش.
الصراع حول النفط والمنطقة يتصاعد…
المشروع الخارجي الذي يدير المنطقة، هو مشروع أمريكي، بعد تراجع الدور البريطاني والفرنسي والأوربي، نتيجة للتغيرات العاصفة بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود أمريكا العالمي الحاسم، في الاقتصاد والعسكرية والسياسة والدعاية.
ففي بداية الخمسينيات، بدأت التطبيقات الأمريكية المباشرة للسيطرة على المنطقة وإدارتها، فكانت ضد مصدق في إيران، الذي أمم (تحرش بنفطه أو نفطهم) النفط، وضد عبد الناصر ومحاولات الاستقلال وبناء مصر، مع تكوين حلف بغداد (السنتو) ودعم وتثبيت الوضع التابع في الخليج، ومنع تمدد الاتحاد السوفيتي، وإدارة السياسة والانظمة عير ما يسمى بالقاتل الاقتصادي ورجال الدبلوماسية والسفارات وفروع المخابرات والانقلابات. انتهى الأمر، حسب منطقه الداخلي الطبيعي، إلى التدخل العسكري المباشر، واحتلال منابع النفط والمنطقة بالقوة العسكرية، وبناء القواعد العسكرية الأساسية، لتأمين سريان النفط الرخيص بالكميات المطلوبة، والتحكم بأسعاره وحماية إسرائيل، كموقع أمريكي متقدم، وحقها (في الدفاع عن الاحتلال)، وانكار حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال والدفاع عن نفسه، في مغالطة تاريخية مشينة، ضد الإنسانية.
هناك أدوات كثيرة في المشروع الأمريكي أخطرها إسرائيل والسعودية كممول وتركيا كممر ومكان لتجميع وتحريك المنظمات الإرهابية حالياً.
هذه الصورة الأساسية في منطقتنا، لكنها ليست الوحيدة والنهائية، فهناك المشروع الإيراني، وهو مشروع قومي طائفي ديني، بإمكانيات اقليمية متوسطة (أو دون المتوسطة)، بأدوات طائفية محلية، وهو يتقاسم السيطرة على بلادنا مع أمريكا بتنسيق مباشر أو صامت. لإيران في بلادنا نفوذ سياسي وأمني واقتصادي وطائفي واسع وخطير.
هناك أيضاً المشروع التركي، وهو قومي وديني طائفي أيضاً، يتحرك ويحاول العودة إلى المنطقة بأحلام وأساليب قديمة، دينية وقومية.
هذا رأي مكثف وتلخيص وقراءة للمشهد ولصوره المتعددة. هذا الرأي لا يعتمد على الثنائيات الضيقة (مع وضد). عندما كانت مواقفنا ضد فاشية صدام لم نلتق بأمريكا وخطط الحصار والحرب والاحتلال. فهناك مساحة ومسافة بين هذا وذاك، هي الوطن والموقف الوطني. كذلك الموقف ضد إيران لا يعني ولا يؤدي إلى الاتفاق مع السعودية وتركيا وسياستهما ضد شعوب المنطقة، وهنا العكس صحيح أيضاً، انما ضدهم جميعاً ما دامهم ضد مصالحنا الوطنية، وهذا ممكن وموجود.
هناك تقدير للمخاطر الكبيرة والمباشرة، كتحليل وموقف فكري وسياسي. حيث اعتبر الخطر الأمريكي الاسرائيلي وأدواته (السعودية وتركيا والجماعات الإرهابية الفاشية) هي الخطر الأول والأكبر، مع تحديد ومعرفة حجم الخطر الإيراني، كخطوة أولى للتعامل ومواجهة هذه المخاطر المتعددة.
في عملية الصراع الصعب والمتنوع هذه، أحاول أن اهتم باللغة والاسلوب والمعلومات، في معارضة ومواجهة المخاطر، ولا الجأ لكل الأساليب في هذه المواجهة. فمثلاً لا اعتمد على وثائق وتصريحات العدو (كي لا التقي به واتفق معه)، كمسلمات قطعية، يجب قبولها كما هي، من دون التدقيق في مصادر وغرض العدو. لكنني أستفيد من كل الوثائق والمعلومات بعد دراستها ومعالجتها.
المشروع الأمريكي في منطقتنا، استغل غياب مشروع داخلي للنهضة والتقدم، وساهم في منع وعرقلة ذلك (لا توجد دولة صناعية واحدة)، واعتمد على الدولة الأمنية القمعية والدولة الرجعية، في استمرار وتثبيت هيمنته.
لا يزال المشروع الأمريكي الصهيوني وادواته الكثيرة، ومنها الإرهاب، هو الخطر الأول لضرب المجتمعات وتحطيم الدول في بلداننا.
هناك عقل نقدي، يكشف بشاعة الصورة والمشهد والواقع، كي يساهم في العلاج، وهناك نقد مهزوم ومتخلخل يساهم في تكريس الصورة والمشهد. البعض يخطا ويتوهم، وهناك من يقبض ويساهم في التخريب. هناك تبسيط وخلط مريع للأمور والقضايا ثم المواقف، ينم عن عقل ساذج وسطحي مدعي…
2020-05-17