أيام مع مروان البرغوثي .ح2!
من ذكريات الاجتياح…
محمد يوسف.علاء أبو منصور.
العاشر من شهر نيسان ٢٠٠٢
الوداع الأخير
هدوء موحش يلف الحي حين استيقظنا من النوم صباحًا والناس في بيوتها يرزحون تحت ضغط منع التجول الذي يخنق المدينة والخوف من المجهول. حلقنا ذقوننا واستحممنا واستمعنا لأخر اخبار الاجتياح اللعين.
لم نكن تناولنا الإفطار بعد حين لمحنا اثنا عشر جنديا من جنود الاحتلال وقد انتهوا من تفتيش عمارة مجاورة وعبروا الشارع واتجهوا صوب عمارتنا في نسق قتالي! تبادلنا النظرات! ربما انهم يفتشون الحي بالدور! وربما بعد قليل يجيء دورنا! هذا ما تبادر إلى ذهننا في اللحظة الحرجة. فالملدوغ يخاف من جرة الحبل كما يقال.في لحظة القلق والخوف تذكرت فضل المستودع علينا. هناك لم نكن نعرف ما يجري في محيطنا، اما هنا فعلى وقع ضجيج حركة الآليات والجنود يموت المرء الف مرة يوميا.
كنا نخشى والجنود يحملقون في الشبابيك والشرفات ان يلفت انتباههم شيء ما في عمارتنا فيقررون مداهمتها. في مثل هذا المكان يحتاج المتخفي لأعصاب فولاذية.
يومان بعد انتقالنا إلى هذه الشقة وكان ذلك في الثالث عشر من شهر نيسان وسمح للناس بالتجول فاختلى بي مروان:
-سنغادر اليوم.
-لماذا؟ الى اين؟
– ربما ضايق مجيئنا اصحاب البيت! ربما اثقلنا عليهم.
– انا لم اشعر بشيء من هذا. وإذا كان لا بد من ترك المكان فأغادر انا، اما انت فلا. انت معروف للهواء يا مروان وليس للناس فقط وبالكاد استطعنا نصل إلى هذا المكان بأمان. ارجوك لا تغامر بالخروج.
أضفت محذرا:
– هل شاهدت سلحفاة تطل برأسها من صدفتها حين تشعر بالخطر؟ أبدا. المخبأ الآمن حصن المتخفي وصدفته. ثم ليس لدينا بديل.
– لا بد ان نغادر.
أمام اصرار مروان تخيلت ان اقدامنا تنزلق بسرعة إلى الزنزانة فقلت يائسًا وقد بدا انه مصر على موقفه:
– إذا كان لا بد من المغادرة فساغادر انا اما انت فتبقى.
لم يكن ما قلته سهلا فلا بدائل لدي واخشى على نفسي وعلى مروان. لحظات قاسية بدا فيها ان دراما اختلاط المشاعر وصل الذروة وأنا اتهيا للمغادرة فكل شيء مشوب بغيوم المجهول! ما مصيري؟ ما مصير مروان؟ ربما لن نلتقي ثانية!
تغلب عقلي على مشاعري فحسمت امر انتقالي وودعت رفاقي. كان لمروان أسباب قلقه لكن اصراره على المغادرة كان خاطئًا فهو السمكة الكبيرة التي يحلم شارون باصطيادها كما قاله له صديقه ليلة عملية الاجتياح التي سماها جيش الاحتلال (السور الحامي)
ودعت مروان وقلبي ينزف الما دون ان اعلم انه سيكون الوداع الأخير.
في اللحظة الأخيرة قررت وأنا في الطريق ان امر على منزلي لاشد ازر زوجتي وأطمئن على اولادي بعد تفتيش منزلنا قبل يومين واعتقال ابني خالد. في ذلك مجازفة غير مأمونة وسلوك يجافي الحسابات الأمنية السليمة بالطبع، اعرف ذلك جيدا لكن العاطفة تغلبت على العقل في اللحظة الحساسة وهذا ما حصل.
أنزلني منذر أمام العمارة التي فيها شقتي في حي ام الشرايط ففوجئت ببعض أطفال العمارة يجلسون في مدخلها وهذا ما لم يخطر ببالي حين قررت المجيء. بدا ان المفاجأة أذهلتهم وقد شاهدوني بنظارة سوداء وذقن طويلة. ابتسم لي احدهم -انس- وقد اختلطت علامات الخوف بالفرح على محياه. هل خشي علي ام فرح برؤيتي؟ ربما هذا وذاك.
صعدت الدرج مسرعا، ولجت الباب فاحتضنتني زوجتي والدموع تملا وجهها ووقف طفلانا عنان وسيف مشدوهين.
ابتسم لي الصغير سيف:
-متنكر؟
قبلته بحنان وقلت:
-نعم متنكر.
بضع دقائق سريعة وودعتهم وغادرت.
وضعت ومنذر أيدينا على صدورنا مرعوبين وقد فوجئنا بدبابة تتوقف وسط شارع قريب فانحرف بشجاعة مقاتل إلى شارع فرعي.
ما ان حلت قدماي بالمكان الجديد في حي الطيرة حتى حضرتني صورة مروان فأجهشت بالبكاء!
ما الذي سيحصل مع مروان؟! حماك الله يا مروان.
يتبع..غدا
2020-04-20