بين الفتوى والبيان … تحالف مشبوه !
تحسين المنذري.
كان الوضع كالقمر ذا وجه مضيئ مشرق يراه كل الناس ووجها آخر مظلم لا يُعرف عنه الشيئ الكثير ولم يره إلا من اراد للظلام أن يسود العراق، وكانوا هؤلاء مجموعة كأضلاع المثلث :
* الاقطاعيون وكبار الملاك بعد أن حجمت الثورة ملكياتهم الكبيرة ومصالحهم وبالتالي فقدانهم الوجاهة والسطوة
* البعثيون والقوميون الذين فقدوا حلم الانصهار تحت راية عبد الناصر
* رجال الدين الذين خسروا واحدا من أهم مواردهم الاقتصادية ( الخمس والمستحقات الدينية الاخرى من الملاك الكبار) وأيضا ذهاب المجتمع نحو التحرر والانعتاق والتوجه نحو العلم على حساب الخرافة مما جعلهم ينزوون بعيدا ويفقدون الكثير من هيمنتهم وسطوتهم
حتى غدا التعاون بين هؤلاء على أشده وتطورت التحالفات وكالعادة كان الدين هو السلاح ورجاله وأماكن العبادة هي الدروع، فكانت أولى الفتاوى بتحريم الصلاة في أراضي الاصلاح الزراعي على إنها أراضي مغتصبة ، وثم تحريم شراء اللحوم من القصابين الشيوعيين، وصولا الى الفتوى الاشهر بإعتبار الشيوعية كفر وإلحاد.
ومن المؤكد لم يكن لهؤلاء أن ينجح تحالفهم لولا الدعم الخارجي المتمثل بالمخابرات الاميركية عبر أذرعها البارزين في المنطقة ( شاه إيران وحكام الكويت) وبات التنسيق على أشده، فقد كان بيت الحكيم يشهد لقاءات تعددت بين الحكيم نفسه وعميل الـ CIA الاشهر حينها حسين الصافي والقيادي البعثي في نفس الوقت والذي عُرف لاحقا بـ( أبو مليوصة) لقاءات لم يحضرها أحد سواهما ولا أحد يعرف ماذا كان يدور بينهما * لكن ما يخرج عن المرجعية لاحقا يفسر ما كان يدور فالفتاوى التي ذكرت بالاضافة الى فكرة تأسيس حزب الدعوة وبرسالة صريحة من الحكيم لايقاف المد الشيوعي ** . ــ بالتأكيد كانت هناك أخطاء جسيمة من سلطة الجمهورية الاولى لا مجال للخوض فيها هنا ــ لكن الجريمة كانت واضحة المعالم والمجرمون كانوا مكشوفي الاوجه حتى تكالبت كل تلك القوى بإنقلاب شباط الاسود وجاء البيان الاقذر بيان رقم (13) تجسيدا أو تطبيقا عمليا لفتوى الحكيم، فكان الدم يلون المشهد وتراجعت مظاهر التحضر والتقدم وصار القتل الوسيلة الاشهر لإسكات المعارضين .. وإستمر المشهد دمويا يتصدره البعثيون ورجال الدين .. فما أن تسلطوا حتى تكشفت كل ملامح القبح في وجوههم وتشوه وجه التاريخ وتلوث الحاضر وإنتابت صورة المستقبل الذي أرادوه كل ملامح الخيبة والتدني حتى الاخلاقي .
لقد تحالف الدين مع البعث حد التماهي ، وإن ظهرت فجوات بين فينة وأخرى ماهي الا صراعات مصالح جانبية لا غير … وهاهو التحالف يعود بعد عام 2003 ظاهرا مرة ومخفيا في أخرى لكن المشهد يبقى كما هو تراجع وتخلف وتحطيم للروح الانسانية و…و… دم.
فهل نحتاج لتفسير ما يحدث اليوم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صلاح الخرسان: حزب الدعوة حقائق ووثائق
** نفس المصدر
