(خمسون عامًا لرحيل العراقي الكبير مصطفى جواد)
——— مايُشبه بَيرَغ ونَخلة من بلاد الرافدين نَموذجاً ——
—— عالَماً مؤرخاً لغوياً أديباً شاعراً، بشخصية متميزة ——
رشدي رمضاني.
~~~~~~~
( ماكُنتُ أحسبُ قَبْلَ دفنِكَ في الثٍرى، إنَّ الكَواكِبَ في التُرابِ تَغُورُ.)
لِألقِه وكَبير شأنهِ وعلْمِهِ، أحبه العراقيون جمعًا وتابعوه، الكثير الكثير
رَدَدَّ الطرائف والمُلح، عند التطرق لذكر جميل أسلوبه، وسعة معارفه.
للآن حظوره وأسلوبه المتميز قائم، مَسبَحَتهُ، صوته، أداؤه، طُرَفُه، و و،
بمجملها أصبَحت لازِمَةً ومُكمّلة لإطار شَخصيّتهِ الوَدودَة المُتفَردِة
الحُلوة.. من يَنسى ضحكته، وطرافَة وأُنس وتألق ( قل ولا تقل )..
كانَّ مولَعاً مُتماهياً باللغة العربية، ومتولعاً كحارسٍ دَؤوب عَليها، يُدقِق
يُصحِح يُنَوه، ويجادل حَولَّ أيُّ ابتعادٍ عن اصولِها النيّرة، وأعتُبِرّ واحداً
من أهم اللغويين العرب عبر الزمان.!! وحارسها الأمين ومُحارب العُجمة
وكل أعوجاج في اللسان العربي، بمثابرة مخلصة ودون كلل..
~ ~ عُصَاميته ونشأته وعَمَله لمساعدة العائلة، بعدّ أن فقد والده البصر،
كمثاليَّة إصرارهِ وتشبثِهِ بالدراسةِ والتَعَلُم. أنهى المَرحَلة الجامعية،
وتوجها بتَفوقه في البعثة الى الدراسة في جامعة السوربون/ فرنسا،
وأكملّ الماجستير والدكتوراه، وعادَّ للوطن، ليكمل مشواره ولغة الضّاد،
والّتي معها أجاد اللغات العراقية المحلية، إضافةً للأنكليزية والفرنسية.
الأخوة التركمان والكرد والعرب ينسبُوهُ لهم، وحتى الأخوة الفيلية وغيرهم
أدَّعَوهْ منهم، وكذلك المُدن وأينما حل بخدمَتهِ للوظيفة. كنّا نقرأ في وسائل
الإعلام عن حَسبِه ونَسَبِه للجميع، بلُغة الأحترام والتَعلُق بحبهِ الكبير حدَّ
الإجلال، وعراقياً أينما ذَهَبَ وانتَسَب.. وعَرَفَتهُ تلك المَرحلة، كُل المؤسسات
الثقافية العربية، وجميع ومثقفيها، ورثاه معظم الكتاب والشعراء، وكذلك
بسطاء الناس والعراقيون عموماً.. وكما يقال كان أُمةً في فرد.
~ ~ بعض الكُتاب والمُثقفين كتبوا وناقشوا ما يُعرض منه. وأكتفى الجَميع
بعراقيته التي تَشَبثَّ بِها، وطنياً مستَقلّاً، لَما يَحيّد لفئة أو جِهة مطلقاً .
تميزت مُجايلاته والعلّامة الراحل حسين محفوظ، والأب العلامة أنستاس
الكرملي، حيث ( الخصومة) في التَعلق بالمعرفة والبَحث، بصداقةٍ ومحبة.
كما جَمعتعم الثقافة الثَرّة وعُمق التَقصي. بوداد وألفة، وتعززت وتتوجت
بحصانة وخُلق المثقف العالم.. كانت له قصيدة مؤثرة في رثاء القَسيس
الصديق، ألقاها عَلَى مثواه، عند تشيعه في المقبرة:
” يا سائراً ووَجيبُ القَلبِ صاحِبهُ،
لنا في بغداد من بين القسوسِ أبُ.
أبٌ عزيزٌ وذو علمٍ ومَعرفةٍ،
قضى السنينٍ بشوقِ العلمِ يّكتَسِبُ.”
السنوات الأخيرة جللت حياته صعوبة مُتعِبّة، وبَدّى موجوعاً حزيناً، تبعثرت
أمامه وفِي مَسكنه، كُتُبه ومَخطوطاتُه، مع صحة متدهورة لتكَمّلّ مُعاناتُه
حدَّ الفَجيعة، ورغب بالرحيل عن دنياه، وبلُغة تثير اللوعة والألم:
” رَشَحتني الأقدارُ للمَوتِ لكن، أخرَتني لكَّي يَطولَ عَذابي.
ومَحَتْ ليَّ الألامُ كُلَّ ذنوبي، ثمَّ أضحَت مَديّنَةً لِحسابي.”
~ ~ من الظواهر الجميلة في المجتمع وقتها، والتي خَلَفَّتْ وازدرتْ
التخندق المتمذهب والعرقية البائسة، حيث جمعنا العراق الواحد
بأصالته وعظمته، وعرفنا ما يردده دوماً ( طَلقتُ المَذاهب كُلّها )
وحتى بعد وفاته، كتب عنه الراحل حسين محفوظ وآخرون، والجميع
رآهُ دائرة مَعارف بثقافة موسوعية، ولم يبقى شاعر أو أديب أو مثقف،
وسامع( قُلْ ولا تَقُل ْوغيرها) لم يرثيه ويأسى لفقده. هذا الوجيز المتواضع
لا يَستوعِب الكثير مما قيّلَ، ويصعب الوقوف على فيض ما ابدع وأنتج.
وكنموذج لنبذة قالها راثياً الفقيه الشاعر الراحل مصطفى جمال الدين:
” ياحارسَ اللغةَ الّتي كادَت على، صَدأ اللُهى أنْ لا يُرَنَّ لَها صَدى.
عربيُّ طَبعٍ لا يُتَعْتِعُّ نُطقه، حَصر على النَبتِ الغريبِ تَعوّدا.”
وتختم كما البداية، بقول أبا مُحسد أحمد الحُسين المُتنبي، بواحدة من
أبرز ما قيّلَ في رثائهِ للأديب العلامة،القاضي المحسن علي التنوخي
” ما كُنتُ آمُلُ قَبْلَ نَعشِكَ أنْ أرَى،
رَضوَى على أيدي الرّجالِ تَسيرُ.”
و” حتى أتَوْا جَدَثاً كأنّ ضَرِحَهُ،
في قَلْبِ كُلّ مُوحِّدٍ مَحْفُورُ.”
رحمةً وسلاماً لروح مصطفى جواد مصطفى ابراهيم عراقيًا أنسانيّاً عروبيًا.
~~ سلامًا عراق/ بغداد، ودعاء يارب لتعود وتسود الروح الوطنية.. رشدي
2019-12-19