البوصلة… فلسطين…
شهناز صبحي فاكوش
قديماً كان السائرون في البوادي يهتدون إلى طرق مسيرهم بالنجوم والشمس والقمر… وبتطوّر الحياة اخترعت البوصلة، لهداية الضالين إلى الجهات الأربع… مع أنها تحمل إبرة تدلّ على جهتين فقط… وبدلالتهما يُستدلّ على الجهات الأُخر.
بعد ظهور البوصلة ما عادت دلالات الكواكب والنجوم معروفة إلا للمهتمّين… ولو فقدها السائر في البادية لضلّ الطريق… ومن يضلّ هداه قد تنال منه وحوش البراري.
اليوم نحن العرب وفي هذا التوقيت، الذي ينهش فيه الجميع لحم الجميع بضراوة الوحوش المفترسة، نحتاج إلى البوصلة التي أضعناها في بعض الزمن، الذي ساد فيه الخلاف البيني حتى الثمالة، وأغرقت أراضينا بالقتلة والإرهابيين.
بوصلتنا العربية فلسطين، هذا ما أكد عليه الرئيس بشار الأسد غير مرة. وسورية اليوم تدفع ثمن إطباق يدها على هذه البوصلة لأنها ما زالت تعتبرها مركز الهدي لوحدة الأمة، التي تتمزق اليوم بين فكي «داعش» والمجاميع الإرهابية.
سبب ضياع البوصلة فلسطين بدأ منذ «كامب ديفيد»، التي أخرجت مصر من الصف العربي في مواجهة الكيان الصهيوني، وتلتها «وادي عربة»، ثم جاءت «أوسلو» قاصمة للظهر الفلسطيني، فبدأ تشظي العمل المقاوم ضدّ العدو الصهيوني وتصافحت الأيدي.
الخطاب الأردوغاني اليوم بات واضحاً، سبيله إحياء السلطنة العثمانية الاستعمارية، وما دعم «داعش» وسفاهتها الأخلاقية، إلى جانب دمويتها في القتل والتنكيل، إلا ترجمة عملية للحلم الطوراني، الذي استُخدِمت الدراما التركية لترويجه في عصر الحريم.
انتهاك الأعراض وأسواق النخاسة والهدايا البشرية بين الحكام في نسفٍ لمقولة عمر الفاروق لابن العاص: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً…» يروّجُ لها بلا حياء، تحت عنوان السبي وغنائم الحرب، واستباحة المحرمات والشرائع.
أردوغان يعيش اليوم حالة انعدام وزن، يتخبّط في فترته الانتخابية محاولاً كسب الأصوات بأيّ ثمن، والثمن يقبضه من نسف علمانية كمال أتاتورك، باني تركيا العلمانية المتحرّرة من القيد العثماني، وذلك عبر فكر «الإخوان المسلمين» الذي يحمله أردوغان.
يعمل لتحويل متحف أيا صوفيا لمسجد، ليس من قلة المساجد في اسطنبول، ولكن ترويجاً للعقل «الإخواني» في مواجهة المسيحية التي تحدّث بلسان حالها الحبر الأعظم الذي انتقد أعمال أردوغان في دعم الإرهاب، ولأنّ أيا صوفيا في الأصل كنيسة.
أعمال وردود أفعال صبيانية، يمارسها الأرعن أردوغان، الذي ما زال يعيش حلمه العثماني، مدعوماً بالتكتيك الصهيوني الذي يهندسه داوود أوغلو، الحالم بلقب الوزير الأعظم، ومع شديد الأسف تعتبره أميركا «النموذج الإسلامي المعتدل الأمثل».
ناسين أنه وصاحبه وسيوفهم المسلطة على رقاب الأبرياء، ستحز رقاب أبنائهم سعياً للعرش الذي يحلمون بلا رحمة أو شفقة، فمساحة غرورهم الداعشية أكبر من مساحة حسابات الإدارة الأميركية الداعمة، التي يتمرّد ووزيره الأعظم عليها.
أما صراع آل سلول على أرض نجد والحجاز، فحدّث ولا حرج… حيث لن ينفعهم تصدير أزمتهم في حربهم على اليمن السعيد، بل ستكون آخر ورقة تودي بهم في طريق الصعود نحو الهاوية لحتف النهاية. و«داعش» أردوغان ليست ببعيدة عنهم…!
ما يحدث اليوم في سورية والعراق من تهجير قسري أو إرهابي تحت ضغط المجاميع الإرهابية وبيدها، هو ذات المشهد الذي مارسه الصهاينة على أهلنا الفلسطينيين زمن الاحتلال، أما التوطين فهو للصهاينة الجدد زعران العالم القتلة.
يتكـالب المرتزقـة مـن أكثـر مـن ثمانيـن دولـة، وتتبـارى دول الاستعمـار القديــم لتـدريب ما دعوه بـ«المعارضة المعتدلة»، ويبرق العقل الأكثر استعماراً بعد تخفيه خلف الكواليس، ليعلن كاميـرون البريطـاني بصفـاقـة أنـه يـدرّب القتلـة والإرهابيين…
كلّ ما يحدث على الساحة العربية وفي جميع أقطارها، يسعى إلى إجهاض القضية الفلسطينية والإجهاز عليها. وإعلان الدولة اليهودية الكبرى. التي بشر بها بن غوريون، وحلمت بها غولدا مائير وموشيه دايان.
ما تقدّمه بعض دول الخليج اليوم والدول الإقليمية والعربية العميلة، المتآمرة على الأمة في هويتها وكينونتها للكيان الصهيوني أكثر مما قدّمه هرتزل وبن غوريون.
هذا إلى جانب الدول الاستعمارية وأميركا، التي جرّدت عملاء العرب من عروبتهم لأجل العروش المهتزة الخائنة، عبر الفتنة المنتشرة اليوم مثل الأوررام السرطانية.
لأجل كلّ هذا تسعى القوى الوطنية السورية، إلى جانب الفصائل الفلسطينية المؤمنة بعدالة قضيتها، بعيداً عن التغريب المصلحي الذي أسقط من حساباته العداء الصهيوني له، ظناً أنّ نواجذ الذئب قد تصبح ناعمةً يوماً صالحة للقبل لا للنهش.
هذه القوى تتواصل اليوم مع أحرار الأمة والعالم، لإعادة بناء مشروع مواجهة الكيان الصهيوني، أساس التآمر على الأمة، ومحرك القوى الاستعمارية، والإدارة الأميركية التي يتبارى رؤساؤها لإظهار صهيونيتهم أكثر من الصهاينة أنفسهم.
صرخة سورية فلسطينية تنطلق من قلب العروبة النابض فكم من مستجيب؟
يد تمتدّ لكلّ يد حرة فكم من مصافح لها وممسك فيها لتنهض بأمة تستشهد؟
قلم يرتفع ليعلي كلمة حق فكم من قلم معانق ليعيد كتابة تاريخ لأجيال قادمة؟
مواقف ترتسم على الساحة السورية، فمن يرسم معها خريطة الأمة الطبيعية؟
نداء يصدح من حناجر أبية ترفض الضيم، فكم من حنجرة مؤازرة ليعلو أكثر؟
دماء تسقي أرض الشآم دفاعاً عن أمة وهوية، فكم من أرض تلبّي النداء معها؟
دمشق تفتح صدرها وبواباتها السبع للأحرار لتبقى فلسطين البوصلة ولا تغيب…
2015-06-04