تأجيل الانتخابات الفلسطينية: الأسباب والمخاطر والمخارج!
بقلم: مهيب صدوق
القرار وما سبقه
أُعلن عمليًا تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كانت مقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وهي الأولى منذ عشرين عامًا، بعد أسابيع من التسريبات والنفي المتبادل. فقد أبلغ نائب الرئيس حسين الشيخ وزير الخارجية الفرنسي، في رسالة مؤرخة في 8 تشرين الأول/أكتوبر نقلتها رويترز، أن التأجيل سيمتد «لعدة أشهر»، لأن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي بُني عليها تحديد الموعد لم تتحقق، وأن إجراء الاقتراع في الظروف الراهنة يصطدم بعقبات جوهرية تمس شموليته وحرية المشاركة فيه ونزاهته.
سبق ذلك اجتماعات للفصائل في القاهرة. وقال مسؤول في حركة الجهاد الإسلامي إن الفصائل توصلت إلى تفاهمات واتفقت على التأجيل، بحسب وكالة أسوشيتد برس، بينما أبقى الناطق باسم فتح الباب مفتوحًا، وقال إن القرار يُتخذ ضمن «حوار وطني» وبعد أن تبحثه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وفي المقابل ظلت لجنة الانتخابات المركزية تعمل حتى الأيام الأخيرة وكأن الموعد قائم: فتحت باب الترشح في 26 أيلول/سبتمبر، ومدّدته حتى 13 تشرين الأول/أكتوبر دون المساس بيوم الاقتراع.
وثمة تفصيل لم يُحسم بعد ويستحق الانتباه: رسالة الشيخ تتحدث عن «عدة أشهر»، في حين تفيد تقارير، نقلتها شفق نيوز، بأن الفصائل تبنّت مبادرة الجبهة الشعبية التي تنص على تأجيل لمدة عام، مع إلغاء نتائج المجمعات الانتخابية للمجلس الوطني. الفرق بين شهور محدودة وعام كامل ليس تقنيًا، وهو في الحقيقة جوهر الجدل الذي يتتبعه هذا المقال: هل نحن أمام تأجيل مقيَّد بأفق وضمانات، أم تأجيل مفتوح؟
الخلفية: عشرون عامًا بلا صندوق تشريعي
آخر انتخابات تشريعية جرت عام 2006 وفازت فيها حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي البالغ عددها 132 مقعدًا. أعقب ذلك مقاطعة إسرائيلية وغربية لحكومتها ثم الانقسام عام 2007. وكان موعد انتخابات أيار/مايو 2021 قد أُلغي إلى أجل غير مسمى، وتكرر عبر السنين نمط «التأجيل في اللحظة الأخيرة» الذي تستحضر فيه القدس الشرقية حجة رئيسية، بحسب ما تذكّر به وكالات الأنباء.
غير أن مسار 2026 مختلف في أمر واحد: لم يكن إعلانًا نظريًا. فقد جرت الانتخابات المحلية في 25 نيسان/أبريل، وفاز فيها موالون للرئيس عباس بحسب رويترز، ثم عُقد مؤتمر فتح الثامن في منتصف أيار/مايو، وأُعيد فيه انتخاب عباس بالتوافق وتعهد بإجراء الانتخابات. وفي 9 تموز/يوليو حدد عباس يوم 28 تشرين الثاني موعدًا للاقتراع في الضفة والقدس وغزة، وفُتح باب الترشح في 26 أيلول، ثم صدر قرار بقانون مدّد فترة الترشح من 12 إلى 18 يومًا. هذا ما يجعل كلفة التراجع السياسية أعلى مما كانت عليه في محطات سابقة. وكان الجدول المعلن قبل التأجيل يقضي ببدء الدعاية الانتخابية في 6 تشرين الثاني، والصمت الانتخابي في 27 منه، والاقتراع في 28، وإعلان النتائج في 29.
الأسباب الظاهرية: ما قيل علنًا
هذه هي الأسباب التي تتردد في التصريحات الرسمية وتقارير الوكالات، وكل منها يستند إلى واقع ملموس، وإن اختلفت أوزانها.
أولًا: العراقيل الإسرائيلية في القدس وغزة. أفادت وكالة وفا بأن إسرائيل منعت طواقم لجنة الانتخابات المركزية من دخول قطاع غزة والقدس الشرقية لمتابعة التحضيرات، ولم تعلّق إسرائيل علنًا على ذلك، بينما قال متحدث اللجنة إن العمل مستمر وإن موظفيها في غزة دُرّبوا مسبقًا وموجودون ميدانيًا، بحسب موقع The New Arab. وقال رئيس اللجنة جميل الخالدي إنها تبحث عن بدائل لصناديق الاقتراع والحبر الانتخابي لأن إسرائيل تواصل منع إدخالهما إلى غزة. ومن دون ضمان التصويت في القدس وغزة تفقد الانتخابات صفتها الشاملة، ويصبح من الصعب تسويقها بوصفها تفويضًا وطنيًا.
ثانيًا: الدمار اللوجستي في غزة. بعد سنوات من الحرب، ورغم وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ما زالت البنية التحتية مدمّرة، والسكان نازحين، والسجل الانتخابي والمراكز والأمن في وضع هش. وتشير الوكالات الدولية إلى أن هذه التعقيدات اللوجستية كانت من أبرز ما تتذرع به الفصائل في نقاشات التأجيل.
ثالثًا: عدم جاهزية الساحة الداخلية. رأت أطراف عدة أن الأسابيع المتبقية قبل 28 تشرين الثاني لا تكفي لترتيب البيت الفلسطيني وضمان مشاركة الجميع. وقد جاء اجتماع القاهرة في سياق حوار وطني أوسع يتناول الانتخابات التشريعية وإعادة تشكيل المجلس الوطني ومؤسسات منظمة التحرير، وهو ملف ظل خلافيًا سنوات.
رابعًا: موجة عنف المستوطنين. تتصاعد الاعتداءات في الضفة بوتيرة غير مسبوقة. فقد ذكرت الأمم المتحدة أن الجيش والمستوطنين قتلوا أكثر من 80 فلسطينيًا في الضفة منذ مطلع 2026، بحسب رويترز، ووثّق مسؤول أممي أمام مجلس الأمن أكثر من 1430 حادثة عنف استيطاني هذا العام طالت نحو 260 تجمعًا فلسطينيًا، بينما أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بارتفاع اعتداءات المستوطنين 63 بالمئة في النصف الأول من العام. وفي بيئة كهذه يصعب الحديث عن حملة انتخابية آمنة وحرة في القرى المحاصرة والمناطق القريبة من البؤر الاستيطانية.
الخلاصة في هذا القسم: الأسباب الظاهرية حقيقية، لكنها بمفردها لا تفسّر توقيت القرار ولا صيغته، وهذا ما تتناوله الفقرات التالية.
الأسباب الباطنية: ما لا يُقال عادة
ما يلي قراءات تحليلية للحسابات السياسية خلف القرار. لم يعترف أي طرف بها علنًا، ولذلك تُقدَّم بوصفها استنتاجات قابلة للنقاش لا وقائع مثبتة.
أولًا: خشية فتح من الخسارة. تستحضر أوساط في فتح، كما تفيد التحليلات، سيناريو 2006 حين تشتتت أصوات الحركة بين مرشحين محسوبين عليها وفازت حماس بالغالبية. وتتضاعف المخاوف إذا تعددت القوائم القريبة من فتح فتوزعت أصواتها، فيصبح التأجيل أقل مخاطرة من اقتراع غير مضمون النتائج. والمفارقة أن الحركة التي أكدت التزامها بالانتخابات في مؤتمرها الثامن في أيار/مايو هي نفسها التي توصي اليوم بتأجيلها.
ثانيًا: حاجة حماس إلى ترتيب أوضاعها. أعلنت الحركة حل حكومتها في غزة وإبداء الاستعداد لتسليمها إلى لجنة التكنوقراط التي شكّلها مجلس السلام، مع احتفاظها بالإشراف على الأمن والشرطة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها بعد وقف إطلاق النار، بحسب رويترز عبر صحيفة الشرق الأوسط. وتقول تقارير إن اتصالات من حماس وصلت إلى مركزية فتح تتضمن طرح تأجيل مشابه لما طرحته الجبهة الشعبية، وإن الحركة ترى أن أي اقتراع ينبغي أن يُبنى على حوار داخلي يعالج الملفات العالقة ويفرز قيادة موحدة.
ثالثًا: إعادة بناء النظام السياسي. ترى الجبهة الشعبية أن التأجيل يتيح إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بمشاركة جميع الفصائل، وتجنب تعميق الانقسام. وبحسب موقع الشرق، اتصل الشيخ بممثلي الفصائل مقترحًا حوارًا على أساس مبادرة الجبهة، وأبدى استعداد فتح لوقف اختيار أعضاء المجلس الوطني الجاري في الشتات وبحث تشكيل المجلس ضمن الحوار. وهذا يعني أن للتأجيل هدفًا مؤسسيًا معلنًا، هو مقايضة موعد الاقتراع بإصلاح أوسع لمنظمة التحرير.
رابعًا: الارتباط بترتيبات غزة المستقبلية. فوّض مجلس الأمن، بموجب القرار 2803، مجلس السلام الذي يرأسه الرئيس ترامب بالإشراف على إدارة المرحلة التالية في غزة، وتمتد ولايته حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2027. وتعمل تحته اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة من 15 تكنوقراطيًا فلسطينيًا برئاسة علي شعث. وإذا كانت الإدارة والأمن والإعمار تُرتَّب خارج المجال الانتخابي، فمن المفهوم أن يُربط الاقتراع بانتهاء هذه الترتيبات أو بوضوحها.
خامسًا: انتظار الانتخابات الإسرائيلية. تجري انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 بعد حل الكنيست في 17 تموز/يوليو، وتظهر استطلاعات صيف 2026 أن ائتلاف نتنياهو يتراوح بين 48 و52 مقعدًا من أصل 120، وأن أيًّا من المعسكرين لا يبلغ 61 باستمرار. وليس هناك إعلان فلسطيني رسمي يربط التأجيل بنتائجها، لكن من المنطقي أن يرى بعض صناع القرار في المشهد الإسرائيلي المضطرب سببًا للانتظار قبل الالتزام بموعد.
قراءة نقدية: أسباب حقيقية أم ذرائع؟
الجواب الأدق أنها الاثنان معًا، لكن بنسب يمكن اختبارها. فالعوائق الإسرائيلية والعنف الميداني ودمار غزة وقائع لا يمكن إنكارها، وفي المقابل تدل الطريقة التي أُخرج بها القرار على أن حسابات سياسية داخلية لعبت دورًا فيه. وثلاثة أسئلة تساعد على الفرز.
السؤال الأول: هل كان العائق معروفًا عند تحديد الموعد؟ مشكلة القدس وغزة قديمة ومعروفة، وقد حُدد الموعد في تموز/يوليو مع العلم بها. وتقول رسالة الشيخ إن «الظروف المتوقعة» لم تتحقق، لكنها لا تسمّي هذه الظروف. وما تغيّر بين تموز وتشرين الأول يبدو في الأساس اشتداد عنف المستوطنين، واقتراب انتخابات إسرائيل، وتبلور رغبة الفصائل في حوار سابق على الاقتراع. بعض ذلك مستجد فعلًا، وبعضه كان متوقعًا.
السؤال الثاني: هل جُرّبت البدائل الفنية؟ لجنة الانتخابات المركزية لم تعلن عجزها. على العكس، أكدت قدرتها على التنظيم مستندة إلى تجربة الانتخابات المحلية في غزة، ولا سيما في دير البلح، وطرحت عطاءات في القطاع لتجهيز مواد الاقتراع ومنها الصناديق، بحسب موقع palinfo. ونقلت المصادر نفسها أن المستوى السياسي كان يميل إلى إخراج التأجيل بصيغة «تقنية» عبر إعلان اللجنة تعذر الاقتراع في القدس وغزة، بحيث يبدو نتيجة الظروف لا قرارًا سياسيًا. هذا التباين بين ما تقوله الجهة الفنية وما يُراد أن يُنسب إليها هو أوضح مؤشر على أن القرار سياسي في جوهره، وإن استند إلى عوائق حقيقية.
السؤال الثالث: هل يقترن التأجيل بموعد وآلية؟ بين «عدة أشهر» في رسالة الشيخ و«عام كامل» في مبادرة الجبهة الشعبية فارق كبير لم يُحسم علنًا. وكلما بقي الأفق غامضًا، قوي الاعتقاد بأن العوائق ذرائع.
وينبغي هنا الإنصاف: تأجيل الاقتراع لا يعني بالضرورة سوء نية. فلو أُجريت الانتخابات من دون القدس ومن دون غزة، أو بمشاركة فصيل رئيسي أقل من الكاملة، لربما طعن كثيرون في نتيجتها، ولربما عمّق ذلك الانقسام بدلًا من أن يعالجه. المشكلة ليست في التأجيل بحد ذاته، وإنما في تأجيل بلا ضمانات.
ثمن التأجيل: ماذا يخسر الفلسطينيون بالانتظار
التأجيل يشتري وقتًا، لكنه لا يأتي بلا كلفة، ومعظم كلفته يتراكم بصمت.
تآكل الشرعية. المجلس التشريعي معطل منذ أكثر من عقد ونصف، ولم تُجدَّد ولاية المؤسسات الرئيسية بالاقتراع منذ سنوات. وكل تأجيل جديد يوسّع الفجوة بين القيادة والشارع، ويضعف موقفها داخليًا وأمام العالم.
ترسيخ الانقسام. من دون صندوق اقتراع واحد يجمع الضفة وغزة تحت مرجعية واحدة، يتحول الانقسام من حالة مؤقتة إلى واقع إداري وسياسي دائم تتعايش فيه سلطتان بلا تفويض متجدد.
إغلاق باب التجديد. يحرم غياب الانتخابات الأجيال الشابة من أي مسار للمشاركة، ويُبقي النخب نفسها في مواقعها، فيغذي العزوف والإحباط وتتسع الهوة بين المجتمع والفصائل.
أزمة الثقة. حين يتكرر التأجيل في اللحظة الأخيرة، يتحول في الوعي العام إلى دليل على أن «الأسباب» ذرائع، فيتراجع الاستعداد لتصديق أي موعد مقبل. وبحسب The New Arab، أظهر استطلاع لمركز القدس للإعلام والاتصال في آب/أغسطس أن 29 بالمئة فقط من الفلسطينيين توقعوا إجراء الانتخابات في موعدها.
هدية للاحتلال. كل تعطيل داخلي يمنح إسرائيل حجة جاهزة للتشكيك في وجود شريك فلسطيني يمثل شعبه، ويضعف الحجة الفلسطينية أمام العواصم الداعمة.
فراغ القرار في أخطر مراحل غزة. ترتيبات «اليوم التالي» والإعمار والأمن تُرسم الآن تحت مظلة مجلس السلام حتى نهاية 2027. وغياب قيادة منتخبة يزيد احتمال أن تُتخذ قرارات تخص مصير الفلسطينيين بمعزل عنهم، أو بتمثيل جهات لا تحظى بتفويضهم.
الدعم الدولي. تدفع الدول الداعمة للسلطة نحو الانتخابات ضمن حزمة إصلاح أوسع، وتربط الأمم المتحدة الانتخابات بتجديد المؤسسات الفلسطينية وتدعو إلى تمكين لجنة الانتخابات من العمل. والتأجيل المتكرر يضعف مصداقية الوعود الإصلاحية أمام المانحين، وقد جاء الإخطار بالقرار إلى باريس تحديدًا، وهي من أبرز عواصم الإصلاح.
احتقان بلا قنوات. عندما تُسدّ قنوات التغيير السلمي، تتسع مساحة الاحتقان في مجتمع يعيش أصلًا تحت ضغط الاحتلال والاستيطان والحرب، وقد تتجه الطاقات الغاضبة إلى مسارات أقل انضباطًا.
يبقى أن حجم هذه الكلفة يعتمد على سؤال واحد: هل يُنظر إلى التأجيل بوصفه محطة قصيرة نحو موعد محدد، أم بداية فصل جديد من الانتظار؟
الحجتان: الاقتراع في موعده أم التأجيل
يُعرض كل موقف هنا كما يدافع عنه أنصاره، لا كما يراه كاتب المقال.
حجة من يطالبون بإجرائها في موعدها: الشرعية المتآكلة أخطر من أي عائق فني، وكل تأجيل يجعل الموعد التالي أصعب، لأن «الظروف المثالية» لن تأتي من تلقاء نفسها. والقرارات المصيرية الخاصة بغزة والإعمار تُتخذ الآن، والأولى أن تتخذها قيادة منتخبة. والعوائق قابلة للتذليل جزئيًا: فلجنة الانتخابات تقول إنها قادرة، ولديها تجربة محلية في غزة، ويمكن التفكير بمراكز بديلة وتصويت مرحلي. وعند إجراء الانتخابات تتحول الضغوط الدولية إلى ضغط على إسرائيل لتمكين التصويت في القدس، وعند تأجيلها تتحول إلى ضغط على الفلسطينيين.
حجة من يرون التأجيل أسلم: انتخابات بلا القدس وبلا غزة تفقد صفتها الوطنية الشاملة، وقد تعمّق الانقسام بدلًا من أن تعالجه، وقد تُرفض نتيجتها. واقتراع من دون اتفاق مسبق على قواعد اللعبة وعلى مصير المجلس الوطني ومنظمة التحرير قد ينتهي بأزمة أكبر بعد الانتخابات. كما أن العنف الاستيطاني والمنع الإسرائيلي يفرغان العملية من حريتها ونزاهتها، فتصبح الانتخابات تحت الاحتلال تمرينًا شكليًا. وتجارب 2006 وما تلاها تُظهر أن الاقتراع ليس غاية بذاته، وأن اقتراعًا متعجلًا قد يطلق دورة أزمات جديدة.
ما تتفق عليه الحجتان ضمنًا: الموقفان يتقاطعان في نقطة جوهرية: كلاهما يقر بأن غياب الانتخابات كلفة حقيقية، وأن إجراءها في ظروف معيبة مخاطرة حقيقية. والخلاف في الوزن النسبي لكل مخاطرة، وفي مدى الثقة بأن الجهة التي تؤجل ستعود فعلًا إلى الاقتراع. ولهذا فإن السؤال الأجدى هو سؤال الشروط لا سؤال «نعم أم لا».
البعد الإقليمي والدولي: ساعة الانتظار ليست فلسطينية فقط
مجلس السلام وغزة. بدأ وقف إطلاق النار في غزة في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 ضمن خطة أمريكية، وانتقلت الخطة إلى مرحلتها الثانية بتشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية من 15 عضوًا برئاسة علي شعث، تعمل تحت إشراف مجلس السلام الذي يرأسه الرئيس ترامب، بحسب مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي. ويشغل نيكولاي ملادينوف منصب الممثل السامي لغزة، وتمتد ولاية المجلس حتى نهاية 2027. ومعنى ذلك أن غزة تُدار حاليًا ضمن ترتيب دولي لا تتحكم فيه السلطة ولا حماس منفردتين، وأي انتخابات تشريعية تحتاج أن تتناغم مع هذا الترتيب، أو أن تتحداه.
انتخابات إسرائيل. يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول/أكتوبر بعد أن حُلّ الكنيست في 17 تموز/يوليو. وتشير الاستطلاعات إلى أن ائتلاف نتنياهو لا يبلغ الأغلبية، لكن المعارضة بدورها لا تبلغها باستمرار، وأن الأحزاب العربية، المتوقع أن تحصد نحو 11 إلى 14 مقعدًا، قد تلعب دورًا حاسمًا، وقد لا تتشكل الحكومة الجديدة قبل كانون الأول/ديسمبر. وفي هذا الأفق، يصعب على القيادة الفلسطينية أن تتوقع من إسرائيل قرارًا بتسهيل الاقتراع في القدس خلال فترة الحملة الانتخابية وتشكيل الحكومة.
أطراف الإصلاح. تربط الدول الداعمة للسلطة والأمم المتحدة بين الانتخابات وإصلاح المؤسسات، وتتولى مصر رعاية الحوار الفصائلي، وأعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس استعداد الاتحاد لنشر بعثة لمراقبة الانتخابات، في حين أبلغت السلطة فرنسا مباشرة بالتأجيل. وهذه الجهات هي التي ستحكم على جدية «التأجيل المؤقت»: فإذا رأت أن له أفقًا وضمانات استمر دعمها، وإذا رأته مفتوحًا فقد تعيد النظر في حجم انخراطها.
بهذا المعنى لا يقتصر التأجيل على حسابات داخلية، فهو يقع عند تقاطع ثلاثة جداول زمنية: جدول مجلس السلام الممتد إلى 2027، وجدول الانتخابات الإسرائيلية في أواخر 2026، وجدول الإصلاح الذي تطالب به العواصم الداعمة. وأي موعد جديد للاقتراع سيتأثر بالثلاثة مجتمعة.
السيناريوهات المحتملة بعد التأجيل
أربعة مسارات تبدو ممكنة، وهي تقدير تحليلي لا تنبؤ، ويحدد الاختيار بينها سلوك الأطراف في الأسابيع القادمة أكثر مما تحدده الظروف.
المسار الأول: تأجيل مقيَّد بموعد جديد. يتطلب مرسومًا بموعد محدد، وحوارًا وطنيًا بجدول زمني، وتفاهمًا على قواعد الاقتراع. ومؤشره إعلان رسمي للموعد الجديد وانعقاد جولات الحوار في القاهرة. ومخاطرته هشاشة التفاهم الفصائلي أمام أي أزمة جديدة.
المسار الثاني: تأجيل مفتوح. لا يتطلب شيئًا، ويكفي غياب الإجراءات. ومؤشره غياب الموعد وتعثر الحوار وتراجع لجنة الانتخابات إلى الصفوف الخلفية. ومخاطرته استنزاف الشرعية وتعمّق الفجوة مع الشارع والمانحين.
المسار الثالث: انتخابات مرحلية أو محلية أولًا. يتطلب قرارًا سياسيًا وتوافقًا على نموذج تدريجي وقبولًا فصائليًا. ومؤشره تنظيم اقتراع في مناطق يمكن الوصول إليها مع إبقاء باب القدس وغزة مفتوحًا. ومخاطرته تكريس الفصل بين الضفة وغزة إذا طال أمد المرحلية.
المسار الرابع: انهيار الحوار وتصعيد. يتطلب انهيار الحوار وصدامًا ميدانيًا وفرض وقائع من خارج المنظومة الفلسطينية. ومؤشره تعثر ترتيبات غزة وتصاعد العنف وتفكك ما تبقى من التفاهمات. ومخاطرته انتقال القرار بالكامل إلى أطراف خارجية.
ويبرز في هذا السياق خيار «الرئاسية أولًا». فقد قال جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية لفتح، إنه لا يتوقع إجراء التشريعية في موعدها، ودعا إلى انتخابات رئاسية أولًا لأنها أسهل وأقل كلفة ويمكن تنظيمها بالتوافق، بينما ذكر عباس أن الانتخابات الرئاسية مخططة للربع الأول من 2027 دون تحديد موعد، بحسب The New Arab. غير أن هذا المسار يعيد السؤال القديم: هل يُقدَّم تجديد رأس السلطة على تجديد المجلس التشريعي، وبأي ضمانات؟
والمفارقة أن السيناريو الأفضل والأسوأ يتشاركان في الخطوة الأولى نفسها، وهي التأجيل. ما يفصل بينهما لا يُكتب في بيان التأجيل، وإنما يظهر فيما يليه: هل يتبع القرار موعد وآلية أم صمت؟
التأجيل المسؤول: شروط وبدائل عملية
إذا كان التأجيل قدرًا مفروضًا، فإن ما يمكن الاحتكام إليه هو شروطه. والاقتراحات التالية مستمدة من منطق الأزمة نفسها، وتصلح أساسًا لنقاش يمكن أن تتبناه الفصائل والمجتمع المدني والجهات الدولية.
موعد محدد معلن. مرسوم يحدد تاريخًا جديدًا للاقتراع بدل صيغة «عدة أشهر»، مع جدول زمني تفصيلي تعلنه لجنة الانتخابات المركزية. الموعد المعلن هو أول ضمانة ضد التحول إلى تأجيل مفتوح.
حوار وطني بمخرجات قابلة للقياس. جولات في القاهرة بجدول معلن، تنتهي بنتائج محددة: قانون الانتخابات وقواعد القوائم، وتفاهم على قبول النتائج، وتصور لتشكيل المجلس الوطني ومؤسسات منظمة التحرير، بحيث لا يتحول الحوار إلى بديل عن الاقتراع.
إبقاء لجنة الانتخابات فاعلة ومستقلة. الحفاظ على السجل الانتخابي وجاهزية الموارد واستمرار الاستعدادات الفنية، حتى لا يعني «التجميد» خسارة ما أُنجز، وحتى تبقى اللجنة الجهة التي تقيّم الجاهزية لا الجهة التي تُنسب إليها قرارات سياسية.
مسار دبلوماسي لرفع العوائق. تفعيل ضغط فرنسا والأمم المتحدة ومصر لتمكين الاقتراع في القدس وغزة، وتوثيق المنع الإسرائيلي علنًا حتى لا يُفهم التأجيل على أنه تنازل. ويمكن البحث في صيغ سبق اعتمادها للقدس، كالتصويت عبر مكاتب البريد.
اقتراع مرحلي لبناء الثقة. إذا طال أمد العوائق، يمكن النظر في انتخابات محلية تكميلية أو مرحلية، شرط أن تُعلن بوصفها محطة نحو الاقتراع الشامل لا بديلًا عنه، وأن تكون القدس وغزة جزءًا من الخطة منذ البداية.
حماية بيئة الاقتراع. مطالبة الجهات الدولية بخطوات ملموسة تجاه عنف المستوطنين، وتوثيق الاعتداءات التي تمس المشاركة السياسية، فهي في النهاية أحد الأسباب المعلنة للتأجيل.
قيد على التمديد المتكرر. النص صراحة على أن أي تأجيل إضافي يحتاج قرارًا معللًا يُعلن على الملأ، مع رقابة فصائلية ومجتمعية ودولية، حتى لا يصبح التأجيل قاعدة.
وما ينبغي تجنبه هو إخراج القرار بوصفه «عجزًا فنيًا» حصرًا، لأن ذلك يضع لجنة الانتخابات في موضع الاتهام، ويزيد الشك بالنوايا. فالصراحة في تسمية الأسباب السياسية أقل كلفة على المدى الطويل من إخفائها خلف لغة تقنية.
خاتمة: السؤال الذي لا يجيب عنه بيان التأجيل
لم يأتِ التأجيل من عائق واحد، بل من تقاطع عوائق إسرائيلية وتحديات لوجستية حقيقية مع حسابات سياسية للقوى المهيمنة، وفي مقدمتها فتح وحماس، فبدا «مخرجًا مناسبًا» من استحقاق محفوف بالمخاطر على الجميع. وهو مخرج مكلف، لأنه يرحّل الأزمة ولا يحلّها، ويستنزف ما تبقى من الشرعية والثقة في لحظة تتشكل فيها ترتيبات غزة والإعمار، وفي ظل عنف استيطاني غير مسبوق، وقبل انتخابات إسرائيلية قد تغيّر موازين المنطقة.
لكن الحكم على القرار لن يصدر عنه نفسه، بل عمّا يتبعه. فإن تبعه موعد محدد وحوار بجدول زمني وبقاء لجنة الانتخابات جاهزة، كان محطة في طريق إصلاح، وإن تبعه الصمت كان فصلًا جديدًا من الانتظار الذي عرفه الفلسطينيون عشرين عامًا. والمسؤولية هنا موزعة: على الفصائل أن تلتزم بما اتفقت عليه، وعلى المجتمع المدني أن يحوّل غياب الموعد إلى مطلب علني، وعلى الجهات الدولية أن تسأل عن الموعد قبل أن تسأل عن الأسباب.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ينتج التأجيل أرضية أصلح للانتخابات، أم يعمّق الأزمة التي أُريد تجنبها؟ الجواب لم يُكتب بعد، وسيُكتب في الأسابيع القليلة المقبلة.
9 تشرين الأول/أكتوبر 2026